البُعد الثقافي و25 يناير

بقلم: محمد قطب
إعادة التوازن للدور الثقافي

ثورة 25 يناير ثورة شبابية ابتعدت عن التوجهات السياسية والحزبية ووضعت مصر في حدقة العين، لقد حققت ما عجزت عنه الأحزاب السياسية جميعاً وعبرت بنا من الخوف إلى الأمل في مستقبل يتسم بالحرية والعدل والأمان، ويبقي أن تمس هذه الروح الوطنية مؤسسات الدولة فتنفتح علي كل التيارات، وتبتعد عن سياسة الإقصاء والاحتواء وأن يكون للشباب في مختلف المراحل العمرية دور في رسم الخطط واتخاذ القرارات وأن يسترشد الكبار بأفكارهم ورؤاهم الفكرية والثقافية، وأن تترك الأروقة وتنزل إلى الشارع وتجوب الأحياء، لعلها – بذلك – تستدرك واجبها وتقوم بتصحيح المسار التثقيفي ونشر الوعي والانتماء والاعتداد بالذات الوطنية.

لقد رفع المثقفون الذين شاركوا في الثورة الشبابية أصواتهم مطالبين بمحاكمة رموز الفساد في مؤسسات الدولة ومنها المؤسسة الثقافية، لماذا يستأثر البعض بالمناصب ويهمش الجديرون بها؟ وما الفائدة التي تعود علي المواطن ويرجوها .. إذا ذهب المسئول وبقي أتباعه يقبضون على مؤسسات وزارته؟ وألا يجب أن تلحقهم المساءلة أيضاً؟

ولا شك أنه حدث تسطيح متعمد للفكر وتهميش لمدركات العقل الواعية، وفي ظل سيادة ثقافية إعلامية تكرس للنظام الفاسد مما كانت نتيجته شيوع القيم الهابطة، وتصور هذا التوجه المريض أن ما يتصل بالثقافة والتراث وتراكم التاريخ أمر زائد عن المطلوب، فراحت الأبواق تسّطح الفكر والعقل معاً. إن علينا أن نستعيد مرة أخرى المكوّن الثقافي الذي يتنامي مع آمال الشباب وطموحاته، فروح الشباب الثائر يجب أن تسود حركة المجتمع حتى ينشط من جديد ويستوي دوحة ظليلة مثمرة لا وجود فيها لفساد، أو تطرف، أو توجه مغلوط، بل ننعم جميعاً بالحرية والعدل والمساواة.

ولا يغيب عنا في فترة التحول هذه أن الأدب شعره ونثره، والفن بأنواعه قد رصد الخلل في الحياة السياسية والاجتماعية، ولاحت الإرهاصات التي تنتقد الفساد وتعري رموزه وتجسدها.

ونحن في حاجة إلى تحريك العقل الثقافي وإعادته الى توازنه المؤثر، فضلاً عن إزاحة ما ران عليه من تراكمات واتخذت واجهة الثقافة واستترت فكراً ومذهبا.

وهذا التحريك يهدف إلى تنقية العقل الثقافي من الشوائب العالقة به، والوصول به إلى ما هو أنقى وأفضل وأرقى، ولعلنا نرصد في حزن أسيف غياب الأثر الثقافي في آليات الفعل اليومي وسلوكيات الفرد. وكان يجب أن يكون أكثر تأثيراً وفاعلية وإنماءً بحكم ارتباطه بصيغة الوجدان وتحديث الفكر.

وفي ظل الخلط الذي نلحظه في أمور الثقافة، وأمام التناحر بين التوجهات والاتجاهات، علينا أن نؤسس "النوايا الحسنة" لتسود بين الذوات الفاعلة في الحركة الثقافية علها تحقق نوعاً من التوازن المفتقد، وتعيد لأدبيات الخطاب صدق القول وجسارته، وتزيح من أمامها ظلام التعصب وجهلته وتجمل من تداعيات الحوار وتحترم أصحابه، وتسهم في تلاقح الأفكار وانتخاب الصالح منها. فالتنوع - علاوة على كونه محوراً كونياً – فهو مطلب فكري يؤدي إلى ثراء العقل، وغنى النفس، وتربية الضمير.

ونلاحظ أنه في غياب الضمير الأدبي تتفرد اتجاهات معينة بساحة القول – ثقافة وإبداعاً – وتفترسها افتراساً، وتسعى عبر شبكة متقدمة في إدارة العمليات وتكوين العلاقات، واستثمار المواقف، والتحولات إلى بسط وتسييد فكر بعينه، أو ثقافة بعينها، وتلميع، وإبراز أسماء أدبية محددة، وإقامة احتفاليات لتضخيم الذوات، وتسويق الإنتاج وتوزيع إيقاعات ضجيج الصخب، في الداخل والخارج أيضاً، ففي زمننا الردئ لا شهادة للجيد في القول والفكر والعمل، وإنما التقدير للأعلى صوتاً وللأكثر دراية في مجال التسويق وتشبيك أصابع العلامات، وهي أمور معروفة لا تخفى على مراقب للهمّ الثقافي بما يعروه من خلل وقصور.

وما من قضية ثقافية تطرح على ساحة الحوار إلا وتحول الحوار إلى صراع دامٍ إدماء الرمح المنفرز في اللحم الحيّ. ثم تسيل مع الدم لعنات التشهير والتجريح وتستغل الأطراف آليات النفوذ المتاحة، وتعزف فرق الإنشاد في صوت واحد.

إن الخلل في الحقل الثقافي مرصود من زمن طويل، فالأعشاب امتدت، وعلت وتفرعت واحتوت ثم استوت على عروشها! ولعل غياب الضمير النقدي قد أدى إلى تشعب ظواهر أدبية وثقافية مغلوطة، والى تكريس أفكار نقدية خاطئة حول الظاهرة، ومسميات النقل الثقافي وهو ما أدى إلي تضخيم الذات، وبروز الواحد في مقابل غياب الكثرة، وافتئات الجهل بالحقائق والقيم وإعلاء الذات بإزاحة القيمة. وهو ما أدى مثلاً إلى أن يمثل القصة في مصر شخصان أو ثلاثة. وهي نتيجة سلبية وغير حقيقية لأن ذلك يعني أننا أمة جدباء لا ينمو فيها إلا الحسك والشوك!

وإصلاح هذا الخلل يقتضي انفساحا في الرؤية، وصدقاً في التوجه وجمالاً في الأداء وطهارة في الضمير، ومن لا يرى في نفسه هذه الصفات يلجأ إلى التصادم فينقلب الحوار إلى تشهير، والفعل إلى مؤامرة، والتوازن إلى خيانة. ولو كنا نملك القدرة على المصارحة وكشف العيوب بعيداً عن الحسابات والمصالح الشخصية لا نصلح الحقل الثقافي عامة وعاد إلى توازنه الذي فقده من زمن طويل. ولا نفك هذا الترابط بين بعض الرموز وبين الأنظمة العربية والأجنبية والذين بنوا مجدهم على هذا الارتباط.

ألم يئن الأوان بعد لكشف من تلون وارتدى الثياب الملائمة لتحولات الزمن حتى يساير موجة المتغيرات الطارئة؟!

المساحة بين المثقف والسلطة تتسع وتضيق لأنها محكومة بالعلاقة الشائكة التي تدور بين الجذب والطرد. فهو تغريه الإمتيازات التي يقدمها نظام الحكم، ويشغله القرب منه والتعامل معه، وهو ما يضطره وفقاً لموقفه أن يتنازل عن قيم فكرية ظل يرددها قبل أن يلج إلى البهو، ويمارس أنواعاً من المراوغة الفكرية والأسلوبية ويبدو في ثوب المنافح عن قضايا الوطن المصرية. هذا الولاء ناتج عن احتواء النظام الذي يحتاج أيضاً إلى المثقفين للدعم والمؤازرة والإعلام. وهو ما يجعل الثقافة العامة والمتخصصة لعبة جاذبة للنظام لتعزيزه وتجميله وإعلاء قواعده.

لكن .. لماذا يغير المثقف موقفه عندما تتغير الأنظمة؟ وهو الذي كان ينافح عنها. تلك خيانة لأمانة الفكر والكلمة حين ظل مادحاً حتى تبدل الأمر راح يهجو وينتقد ويكشف عن سوءات ظل زمناً يجملها ويزينها للناس!

لقد صمت المثقف وكتم فكره، وقال عكس ما يؤمن به تزلفاً للسلطة ولتحقيق مآرب خاصة، ثم لبس ثوبه الجديد وامتشق سيفه الخشبي وراح يركب الموجة. هل نحن في حاجة إلى مثل هذا المثقف؟

لا شك أن الشعب والنظام الحاكم نفسه ضحيتان لمآرب المثقفين وجناياتهم الفكرية المراوغة. فهل يمكن أن نضع معياراً نحكم به؟ وهل من الممكن أن ننشئ علاقة جدلية صحيحة بينه وبين النظام؟ بحيث تكون مفتاحاً لحل الأزمة؟

وهل نأمل في أن يتجرد المثقف من الهوى والتعصب الفكري والمداهنة حتى يكون موقفه صادقاً وموضوعياً؟ وهو ما يؤدي إلى صلاح الفرد والجماعة.

قال توفيق الحكيم في كتابه "عودة الوعي" أطاح النظام بكل شيء وأن ما حدث كان متوقعاً. أيهما أجدى أن يقال ذلك أثناء الحكم السائد أو بعد زواله؟

أهدى أبوحيان التوحيدي كتابه "الإمتاع والمؤانسة" إلى حاكم البلاد، فقال فيه: "إلى مالك رقاب الأمم، باسط الأمن والأمان، ناشر العدل والإحسان، فخر الدنيا والدين، سليمان بن غازي محمد الأيوبي خلد الله مملكته وسلطانه وأعلى عزة وبرهانه .. الخ). وكانت المفارقة أن الحاكم الممدوح كان نموذجاً للحاكم المستبد.

لقد شاع ما يسمي بالشللية كمرض ثقافي مما كرس التعصب للقلة، وساد الترصد بالآخرين الذين يختلفون مع هذا التوجه أو ذاك. وظهرت ثنائية الاحتواء والإقصاء، وهي أحد أسباب الفساد الذي راحت ضحيته الثقافة، ومن ثم حصل على جوائز الدولة مثلاً من لا يستحقها وشغل الأجهزة الثقافية المتنوعة من احتواهم النظام، فشاعت سلوكيات تتسم بالانتهازية، وتردت قيم الثقافة والأخلاق مما أفقد الثقافة دورها كقاطرة للتنمية والتطور.

ولعل التغيير الذي طرأ يسهم في إعادة التوازن للدور الثقافي، ويدعو المثقف إلى ممارسة دوره التنويري، بلا خوف أو تربص، في إشاعة الحرية والإبداع وتعديل السلوك اليومي وتصحيحه. فضلاً عن إعادة النظر في السياسات التي كانت متبعة في إدارة المؤسسات خاصة تلك المنوط بها التأثير في عقل ووجدان المواطن ومنها المؤسسة الثقافية بهيئاتها المختلفة. إن كل هيئة أو مؤسسة تحتاج إلى إعادة النظر في الخطة التي تستند إليها وفي الرجال الذين يديرونها. فثمة خلل في الإدارة والتدريب ناتج عن هيمنة القادة وإقصائهم للكفاءات وهي سمة سياسة سادت في العهد السابق، ومن ثم قاد العمل الثقافي الأعلى صوتاً والأكثر قرباً من النظام.

لا ينفع في المجال الثقافي على ما سبق فلا شك أن هناك خلافات كثيرة تتردد حول ما يحدث في أجهزة الثقافة، وما يدور فيها ولعل المجلس الأعلى للثقافة أن يكون نموذجاً للمؤسسة المختلف علي دورها. فهل يمكن أن تتحقق الديمقراطية القائمة على الانتخابات والموضوعية فنسد الطريق أمام المداهنين المثاقفين. إن وزارة الثقافة تحتاج إلى حرث جديد، وقيادة جديدة واستراتيجية جديدة. وأي ترقيع لكل ما هو قائم لن يؤدي الى فائدة.

والتغيير الثقافي الحقيقي طويل الأمد، يحتاج إلى حرث التعليم والإعلام وهما من أهم أجنحة التنمية الثقافية، وعلينا أن نكف عن صياغة المتغيرات حسب من يحكم وعلينا أن نبعد المتحولين عن مؤسسات الثقافة، فهؤلاء الذين قبّلوا يد النظام الفاسد واستداروا ليعاودوا التقبيل.

وفي جوائز الدولة يتعين زيادة الأعضاء في التخصصات بما يتيح لكل تخصص أن يكون له أعضاؤه المتخصصون في المجال، وهو أقرب إلى الصواب والموضوعية، ويرتبط ذلك بالمطالبة بتغيير هيكل المجلس الأعلى ولجانه وأعضائه ومؤتمراته.

وأن تكف عن سياسة الإقصاء والتجاهل، فلقد قدمت عطاءها الثقافي، مما يجعلنا نطالب بالتكامل الثقافي ونبذ سياسة التجاهل والتهميش.

الورقة التي شارك بها الكاتب في مؤتمر اتحاد كتاب مصر بالقاهرة (16 ـ 18 يوليو/تموز 2011).