البياتي يطل على 'منهاج' الكرباسي

بقلم: نضير الخزرجي
كيف يختلف المعصومان؟

لا تخلو أمة من شريعة تضبط إيقاع وسطها الاجتماعي وتنظم حياة أفرادها، تسلك بهم سبل الأمن والأمان والسعادة في الحياة الدنيا، فضلا عن سعادة الحياة الآخرة، بالنسبة للشرائع السماوية الممتدة بحبل من الوحي ما بين الأرض والسماء. كما لا تخلو أمة من قائد أو قيادة تمسك بزمام الأمور، تجلب لها منفعة أو تدفع عنها مضرة، فالأمم تقاس بشرائعها، كما تعرف برجالها، فكلما كانت الشريعة أقرب إلى العقل والمنطق والفطرة، كانت الأمة أو المجتمع أقرب إلى الواقع الإنساني والحقيقة الإنسانية، وكانت أقرب إلى السعادة البشرية، وإذا كانت الأمة تعيش تحت ظلال شريعة السماء وأفيائها، يصونها الخيار من الرجالات ترجو في الله رضاه وصلاح الأمة، فإنها تكون قاب قوسين من سعادة الدنيا أو أدنى من نعيم الآخرة.
والشريعة عنوان عام، له أن يتمثل بشريعة آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى عليهم رضوان الله وسلامه، أو محمد صلى الله عليه وسلم، كما له أن يتمثل بشريعة حمورابي أو بوذا أو زرادشت، كما له أن يتمثل بالرأسمالية والاشتراكية بوصفهما أسلوب تنظيم الحياة البشرية وفق رؤى خاصة بهما، قد يقتربان من العقل والفطرة وقد يبتعدان، كما له أن يتمثل بما يعرف بشريعة الغاب، وإن كان اللانظام هو الصفة الغالبة على هذه الشريعة، لكنها في قبال العقل والفطرة هي شريعة أيضا، لأنها تنظم حياة من يؤمن بها وفق شريعة خاصة بها قائمة على الفوضى واللانظام ومضادة للعقل والفطرة.
كما أن للشريعة تفاصيل تكثر أو تقل وفقا لتطور المجتمعات ورقيها وتمدنها، تبدأ بخطوط عريضة قليلة تنسجم مع الحياة البدائية للأمة لتنتهي إلى ما لا نهاية من التفاصيل والجزئيات، تنشطر جزئياتها كلما استجد في حياة الأمة والبشرية جديد، وتذهب أمة وتأتي أختها، ومثلها تنسخ الشريعة أو تتجدد، كلها أو بعضها.
هذه الدورة من الشرائع القديمة والحديثة بعامة، والشريعة الإسلامية بخاصة، يقرأها بأسلوب أكاديمي علمي، أستاذ الحضارة الإسلامية، الباحث العراقي الدكتور وليد سعيد البياتي، مطالعا فيها ما بثه قلم البحاثة المحقق آية الله الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي من حقائق تاريخية متعلقة بالشرائع السماوية والأرضية منذ أن حطت قدم أبي البشرية الحالية النبي آدم على وجه الأرض وإلى يومنا هذا، على صفحات كتاب "الحسين والتشريع الإسلامي" في القسم الأول من الجزء الأول، ليبحث في القسم الثاني مصادر التشريع الإسلامي، وقد صرف الدكتور البياتي جهده لدراسة الجزء الأول الذي هو واحد من عشرة أجزاء ضمن سلسلة دائرة المعارف الحسينية، وصدرت الدراسة عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 120 صفحة من القطع المتوسط، حملت عنوان "المنهاج: دراسة في الجزء الأول من كتاب الحسين والتشريع الإسلامي"، وهي دراسة تضع خطوطا مضيئة تحت عناوين الكتاب وهيكل البحث وأهم متونه، فجاءت عناوين الدراسة متماثلة مع عناوين الكتاب الأم.
يمهد المحقق الكرباسي في تناوله لدور الإمام الحسين في التشريع الإسلامي، بمقدمة توغل في عمق التاريخ، متناولا الشرائع منذ بداياتها الأولى حتى شريعة الإسلام، استنفدت نصف الجزء الأول من الكتاب الذي صدر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في 540 صفحة من القطع الوزيري، فالعلامة الكرباسي كما يؤكد الدكتور البياتي "يقدم لنا منهجا جديدا في فهم التاريخ والتعامل معه، ويعرض تصوراً علميا وعقلانيا في آن واحد حول مفهوم التاريخ البشري والوجود البشري على هذه البسيطة"، وهو في الوقت الذي يؤرخ لهبوط آدم (ع) بنحو سبعة آلاف سنة قبل الهجرة النبوية، لا ينفي ما أكدته الحفريات الأثرية والإنثروبولوجية عن اكتشاف عظام تعود لدهور طويلة قبل آدمنا (ع)، فهذا ما ينسجم والأثر الإسلامي الوارد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) في قوله "إن قبل عالمكم ألف ألف عالم، وإن قبل آدمكم ألف ألف آدم، فعالمكم آخر العوالم، وآدمكم آخر الآدميين."
ويقرأ البياتي ماهية التشريع وفلسفته ومنشأه وأهدافه وتاريخه، حيث إن المشرع إما أن يكون خالق البشر أو الإنسان نفسه أو مجموع أفراد المجتمع الواحد، ولما كان من أهداف التشريع، كما يذهب إليه الكرباسي، تحقيق سعادة الإنسان وتحقيق النظام، فإن هذين الهدفين يقصر الإنسان أو عموم المجتمع عن تحقيقهما، وبالتالي فإن المشرع الأول هو العالم باحتياجات البشر غير المحتاج إليهم، وهو الله جل تعالى. يبقى أن للفقهاء حرية الاجتهاد في دائرة المباحات أو منطقة الفراغ الفقهي لمواكبة التطورات.
وينفرد الفقيه الكرباسي في بيان بدء تاريخ التشريع، بأن حدد تاريخ هبوط آدم (ع) راجعا به إلى العام 6880 قبل الهجرة النبوية، كما استظهر من سير التاريخ ست مراحل، تبدأ الأولى بعام الهبوط وتنتهي السادسة بظهور الإمام المنتظر الموعود محمد بن الحسن العسكري (ع).
وتختلف مصادر التشريع من دين لآخر ومن مدرسة عقائدية لأخرى، قد تفترق في مفاصل وقد تلتقي في أخرى، وهذا ما يقرأه البياتي في فكر الكرباسي تحت عنوان "نظرة الفقهاء إلى مصادر التشريع"، فهناك المدرسة المثالية التي تتبنى أفكارها قيما عليا، لكنها لم تتمكن من تقديم نظرة شاملة للكون، وهناك المدرسة الواقعية التي ظهرت مع بدايات الثورة الصناعية في أوروبا وهي ذو نزعة مادية بحتة تتبنى فلسفة الاعتراف بالواقع القائم ومتجاهلة الماورائيات، وهناك المدرسة التعادلية أو المدرسة التوفيقية وهي حالة وسطى بين المدرستين السابقتين.
ولما كانت الأنظمة السياسية مرآةً للفلسفة التي تؤمن بها وتقوم عليها مؤسساتها، فإن الكتاب يتابع مناقشات الكرباسي للنظامين: الرأسمالي والاشتراكي، فوجد أن النظامين القائمين في عدد غير قليل من بلدان الأرض، تجاهلا علاقة الفرد بخالقه وعلاقته بنفسه وعلاقته بالبيئة، وحصرا تركيزهما وتعاملاتهما على علاقة الفرد بالفرد وعلاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة الفرد بالدولة، على خلاف النظام الإسلامي الذي أخذ العلاقات الست بنظر الاعتبار وتعامل معها على قدم المساواة، باعتبارها حلقات ست تشكل بمجموعها سلسلة سعادة الإنسان في الدارين، بخاصة وأن الإسلام لاحظ في تشريعه أمورا كثيرة أهمها: تكريم الإنسان، العقل، العلم، المحبة، الاتحاد، الحرية، العدل، المساواة، النظم، الشورى، النزاهة والإخلاص، وتنمية المواهب والكفاءات.
ولم يكن الفقيه الكرباسي متحاملا على هذا النظام أو ذاك بروح العصبية، بل "مما يحمد لشيخنا الباحث الكرباسي، وهو يبحث في تواريخ النظم وفلسفتها، هو ذلك التجرد العلمي والإحاطة الفكرية بمختلف الاتجاهات الفكرية والفلسفية ومدارسها، ولهذا نراه يتناول دراسة النظم، وهي من الدراسات التخصصية، بروحية الباحث المجد في طريقه إلى الحقيقة."
وقبل أن يدخل الكتاب في تفاصيل مصادر التشريع الإسلامي، ينوه إلى المرحلتين اللتين أفرزهما المحقق الكرباسي عند تناوله لمبحث "الشريعة الإسلامية تاريخها وتطورها"، فالمرحلة الأولى أو "عصر الوحي" تبدأ من 27 رجب في العام 13 قبل الهجرة وحتى رحيل النبي محمد (ص) في 27 صفر العام 11 هـ، وفي هذه المرحلة كان التشريع الإسلامي ينزل عبر الوحي القرآني، والوحي القدسي أي الأحاديث القدسية الربانية، والوحي التفسيري، أي ما أملاه الرسول (ص) من سنته الشريفة على أئمة أهل البيت (ع)، والمرحلة الثانية أو "عصر الإمامة" تبدأ برحيل النبي الأكرم (ص) حتى الغيبة الكبرى للإمام المهدي المنتظر في 14 شوال العام 329 هـ، وضمت هذه المرحلة ثلاث فترات، وهي: فترة الخلافة الراشدة وتبدأ برحيل النبي الأكرم (ص) وتنتهي برحيل الإمام علي (ع) في 21 رمضان العام 40 هـ، ثم تلتها فترة التابعين، ثم فترة نشوء المذاهب وحتى يومنا هذا.
أما مصادر التشريع الإسلامي، فإن المحقق الكرباسي وبمتابعة كل المذاهب الإسلامية يجمعها في خمسة عشر مصدرا، إلى جانب المصدرين المجمع عليهما وهما: القرآن الكريم، والسنة النبوية، وهي على التوالي: سنة أهل البيت (ع)، الإجماع، العقل، القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، فتح الذرائع، العُرف، شرع مَن قبلنا، مذهب الصحابي، القرعة، الحيل الشرعية، الشهرة، السيرة، وأخيرا الأصول العملية.
ويسترسل المؤلف مع المصنف في بيان حجية كل مصدر من مصادر التشريع، فالقرآن أثبت حجيته بنفسه، لأنه معجزة الله جل وعلا، فهو مصان من التحريف ولا اعتبار لبعض الروايات القائلة بتحريف القرآن، كما أنه قابل للفهم وللناس الرجوع إلى الراسخين في العلم لبيان مقاصده، كما أن الاقتصار على خمسمائة آية قرآنية من أصل (6342) آية في بيان آيات الأحكام يعد بنظر المصنف قصورا في فهم القرآن الكريم الذي هو دستور الحياة. أما السنّة فإن العقل دليل حجيتها "كأصل تشريعي وكضرورة من ضرورات الدين، فإنه يحكم بأن قبولها يعني قبول القرآن، للتلازم الحادث بينهما"، كما أن السنة مؤيدة بالقرآن والإجماع. وينفي المصنف عن أهل بيت النبي (ص) فاطمة والأئمة الإثني عشر (ع)، شبهة الاجتهاد، ويثبت لهم العصمة كما هي ثابتة في النبي الأكرم محمد (ص)، ولذلك فهو يرى أن السنّة تتسع لسنة أهل البيت لحجية أفعالهم وأقوالهم وتقريراتهم، وأن الاجتهاد يقع لما دون النبي (ص) وأهل بيته (ع) الذين خصهم الله بآية التطهير.
أما الإجماع فهو عنوان عام يحتمل أحد عشر وجها، فهو: اتفاق الأمة، اتفاق أصحاب الرسول (ص)، اتفاق الخلفاء الراشدين، اتفاق الشيخين أبي بكر وعمر، اتفاق أهل المدينة، اتفاق أهل الحرمين مكة والمدينة، اتفاق أهل المصرين الكوفة والبصرة، اتفاق أهل الحل والعقد، اتفاق العلماء كافة، اتفاق علماء العصر، وأخيرا اتفاق مجتهدي المذهب الواحد، وقد انعكس هذا التشعب والتباين الواسع في معاني الإجماع وأهله على المنهج الفقهي وفتاوى الفقهاء.
ولما كان العقل حسب وصف الفقيه الكرباسي يعني "القدرة التي يدرك بها الإنسان ويحكم من خلالها على مدركاتها"، فإن البحث فيه شائك للغاية، لأن العقل يدرك البديهيات ويعجز عما يفوقها، وهنا يتقدم المصنف خطوة جريئة إلى الإمام، ويدعو الفقيه الذي تنعقد عليه آمال الأمة في الفتيا أن ينزل من قصر الخلوة العاجي ويعايش البيئة الاجتماعية للأمة حتى يستطيع أن يُعمل عقله بما يتلاءم مع الفطرة الإنسانية والواقع المعاش والمذاق الإسلامي.
ثم يتناول الكتاب بشيء من الاقتضاب المفيد، مسألة القياس وحجيته، والاستحسان وحجيته، والمصالح المرسلة وحجيتها والمرتكزة أصلا على خلفية القياس والرأي، والذرائع وحجيتها، والعُرف وحجيته، والذي مآله إلى العقل أو السنّة فهو ليس أصلا برأسه ليضاهي الكتاب والسنّة، والشرائع السابقة ومدى حجيتها فهي منسوخة بالإسلام بالنسخ العام، كما أن التصديق بها لا دخل له بالعمل بها فهي ليست أصلا قائما لوحده، وإنما مرده إلى الكتاب والسنة، والالتزام ببعض شرائع الأديان السماوية السابقة إنما جاء بتشريع ثان من الشريعة الإسلامية.
ويتوقف مؤلف "المنهاج" وكذا مصنف "الحسين والتشريع الإسلامي"، عند حجية مذهب الصحابي، لخلافية المسألة بين مدرستي النص والاجتهاد أو مدرستي الإمامة والخلافة، بل خلافيتها بين أقطاب مدرسة الخلافة نفسها، فيناقش آراء رواة الحديث في بيان شخصية وماهية الصحابي ومدى حجيته وعلاقة الأخذ بمذهب الصحابي كمصدر للتشريع بعصمته من عدمها، وعند المصنف أن الصحابي الذي يجوز عليه الخطأ والسهو لا يعتد بقوله بل إن روايته للحديث لا تعد حجة إلا من باب التواتر وبعد التثبت من عدالته، وهو يقف موقف الإمام الغزالي أبي حامد محمد بن محمد بن أحمد (450 - 505 هـ) الذي يؤكد "أن مَن يجوز عليه الغلط والسهو لم تثبت عصمته عنه، فلا حجة في قوله، فكيف تحتج بقولهم، مع جواز الخطأ، وكيف تدعي عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟ وكيف يختلف المعصومان؟ وكيف اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة"، ويتساءل المحقق الكرباسي في نهاية بحث المسألة "كيف يقول بعصمة الصحابة من يرى أن السهو والخطأ وما إلى ذلك جائز على رسول الله (ص)"، فإذا كان النبي (ص) في نظر هؤلاء غير معصوم وهو الذي لا ينطق عن الهوى بصريح كتاب الله، فكيف تصح العصمة لمن دونه وهم عيال على سنته والقرآن الذي جاء به والعترة التي تركها بين ظهراني المسلمين؟
ويناقش الكتاب حجية وشرعية كل من: الحيل الشرعية والشهرة والسيرة والقرعة والأصول العملية، فالحيل الشرعية أو المخارج من المضايق أو ما لا تبطل حقا ولا تحق باطلا، مما لا شبهة بالأخذ بها ولكن ليست كأصل وإنما في بعض الموارد، وكذا الأمر مع الشهرة الروائية والشهرة الفتوائية، وكذا السيرة بقسميها: سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة، وكذا القرعة أو السهم والنصيب، وكذا الأصول العملية أو الوسيلة المباشرة للحصول على الحكم الظاهري في قبال الحكم الواقعي.
وأرى كما يرى الدكتور وليد البياتي عبر دراسته "المنهاج" أن كتاب "الحسين والتشريع الإسلامي" في جزئه الأول يمثل "دراسة تاريخية فكرية وفقهية، مقارنة في آن واحد"، فهو إضافة متميزة يؤصّل لتاريخ التشريع الإسلامي ويمنهج أصول الفقه المقارن. نضير الخزرجي
إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
alrayalakhar@hotmail.com