البياتي.. واحسرتاه!

بقلم: عبدالرزاق الربيعي
الربيعي مع البياتي... بستان عائشة يعيش الوحشة

إذا كنا نوصف بأننا أمة تكرم الأموات دون الأحياء، فالوقائع أثبتت إننا تخلينا عن تكريم الأحياء والأموات على حد سواء! والا فما معنى هذا التجاهل لشاعر كبير وواحد من رواد القصيدة الحديثة وهو الشاعر عبدالوهاب البياتي؟ مبدع "قمر شيراز" و "الذي يأتي ولا يأتي" و"بستان عائشة" و"سفر الفقر والثورة" و "محاكمة في نيسابور" و "قصائد حب على بوابات العالم السبع" و "الكتابة على الطين " و "سيرة ذاتية لسارق النار" و "كتاب البحر" والعديد من الدواوين والفتوحات الشعرية.
فمنذ رحيله في آب أغسطس 1999 ولحد هذه الساعة من كانون الثاني يناير عام 2010 لم تنظم أية مؤسسة ثقافية أو أكاديمية عراقية أو عربية حفلا إستذكاريا أو ندوة تحتفي بإنجازاته الشعرية، وكادت ذكراه أن تختفي لو لم ينشر بعض تلامذته الأوفياء هنا وهناك مقالات تحاول أن تسمع "من بآذانه صمم" الدوي الذي أحدثته القصيدة البياتية في ساحة الشعر العربي الحديث، والتذكير بالبياتي الشاعر والإنسان وهو الذي عاش حياة ليست بالقصيرة كانت مليئة بالأحداث والعلاقات والإنجازات وكان حضوره المهرجانات العربية يعطيها ثقلا يعرفه كل من كان يحضر تلك المهرجانات.
وحتى على مستوى الطباعة، لم يقم ناشر بإعادة طباعة مجاميعه الشعرية ولم يصدر كتاب واحد عنه، حسب معلوماتي وإن حدث شيء من هذا القبيل، وأشك بحدوثه، فيكون حدث في غفلة من النسيان!
ومن الغريب أن المؤسسة العربية للدراسات والنشر التي نشرت له عدة كتب خلال حياته، وكانت الأقرب له من بين دور النشر العربية لم يصدر عنها أي مطبوع للبياتي أو حول تجربته علما بأن الناشر ماهر الكيالي كان من المقربين للبياتي وهو يعرف جيدا مكانته الشعرية وقد قام خلال ثلاث سنوات سبقت عام 1995 – بنشرالكتب التالية: بستان عائشة، رسالة الى ناظم حكمت، بول ايلوار، تجربتي الشعرية، حرائق الشعراء، صوت السنوات الضوئية، كنت اشكو الى الحجر، أراغون شاعر المقاومة، عبدالوهاب البياتي في مدن العشق وكتاب للدكتور حامد أبو حامد حمل عنوان "عبدالوهاب في إسبانيا".
وعلى غلاف كتاب "عبدالوهاب البياتي في مدن العشق" الصادر عام 1995 يقول الكيالي "كان البياتي دائما يحضر بقامة عالية ويملأ حضوره الدائم بثقافة تعبر اللحظة واللحظي لتندغم بعمق مع ما هو جوهر فينا، ولعل هذا الكتاب – يعني كتاب "عبدالوهاب البياتي في مدن العشق" - يشكل حزمة اضاءات لما أحدثه البياتي من خلخلة في الكتابة وإسراج للحظتها الأبدية بقامة البياتي يمكن للشاعر أن يتحول الى نبض وأن يتغلغل في أقبية الروح السفلى كشعاع حتمي لا ينقضي".
فماالذي جعل هذا "النبض" يخفت صداه وهذا "الشعاع" يلوذ بالنسيان؟ لتذوب ذكرى البياتي مثل فص ملح في خضم مرض ضعف الذاكرة الثقافية العربية الذي صار مستفحلا هذه السنوات !
فالقصيدة البياتية ظلت وستظل حاضرة في الوجدان الشعري العربي، والأثر الذي تركته لا يمحى بسهولة. وهنا لا أشير الى تقصير من طرف معين فالكل سواسية في ذلك: مؤسسات وجامعات وجمعيات وأفراد وأعني أصدقاء البياتي من الشعراء والإعلاميين والنقاد وحتى عائلة البياتي تتحمل جزءا من هذا الإهمال.

عبد الرزاق الربيعي: شاعر عراقي مقيم في مسقط
razaq61@yahoo.com