البياتي في موسكو: أنا لست موظفاً أنا شاعر !

أدخل في عينيك، تخرجين من فمي

لم يكن قد مضى على وجودنا في موسكو في نوفمبر/تشرين الثاني 1959 – نحن الوجبة الأولى من طلبة البعثات العراقية - سوى بضعة أسابيع حين سرى بين الطلبة خبر (مفرح)، مفاده ان الشاعر عبدالوهاب البياتي قد وصل موسكو ملحقاً ثقافياً في السفارة العراقية.

كان المزاج اليساري طاغياً بين الطلبة العراقيين، وكان البياتي في ظنهم هو رائد الشعر العراقي (التقدمي) الجديد، أي الشعر المكرس للدفاع عن الفقراء والمظلومين. ولكنني تلقيت الخبر بحذر وتوجس، لأنني لم أكن يوما معجباً بشعر البياتي أو بشخصيته.

كانت قصائد ديوان البياتي الأول "ملائكة وشياطين" من الشعر العمودي العادي الذي كان مثله، بل أفضل منه بكثير، ينشر في الصحافة الأدبية العراقية وفي دواوين شعراء الخمسينيات. أما شعره المنشور في دواوينه الخمسة اللاحقة الصادرة حتى ذلك الحين، فقد كان من نمط شعر التفعيلة، ولكنه كان شعراً مباشرا أشبه بالشعارات، ولا يمت الى الشعر الحقيقي بصلة.

لم يكن الشعر هو الذي كان يهم معظم الطلبة، بل البياتي نفسه، لأنه كما كانوا يقولون "منا وبينا".

لم يكن أي طالب يحفظ ولو بيتاً واحداً من شعره، رغم بساطة هذا الشعر، الذي لا يتطلب أي جهد لفك ألغازه المغلفة بالكلمات الثورية. وكان واضحاً أن أدوات البياتي الفنية بائسة، وشعره لا يرقى الى مستوى شعر بدر شاكر السيّاب. ولكن السياب كان مكروها من هؤلاء الطلبة، وعندما كنت أبدي اعجابي به، كانوا يقولون في استنكار: ما الذي يعجبك في قصائد هذا "الخائن"؟

والمعروف أن "الخائن" عنوان قصيدة للبياتي يهجو فيها السياب بأقذع الألفاظ، ونشره في حينه في بعض الصحف (التقدمية) لركوب الموجة اليسارية السائدة، وإشغال المكان الذي تركه السيّاب خالياً بعد ابتعاده عن هذه الموجة .

نظمت رابطة الطلبة العراقيين في موسكو لقاءً مع البياتي في احدى قاعات الكلية التحضيرية التابعة لجامعة موسكو، حضره معظم الطلبة العراقيين الدارسين في العاصمة السوفيتية، الذين استقبلوا البياتي استقبال الأبطال، ولم تهدأ عاصفة التصفيق الا بإشارة من منظمي اللقاء.

اعتلى البياتي المنبر، وهو منفوش كالطاووس، وأجال بصره في انحاء القاعة، قبل أن يتحدث بصوته المبحوح عن الصداقة العراقية – السوفيتية وأشياء أخرى من هذا القبيل. وأخذ الطلبة يطرحون عليه أسئلة تتعلق بمشاكلهم الدراسية والمعيشية. استمع الى كل هذه الأسئلة بتأفف، ثم صرخ في وجوههم: "أنا لست موظفاً، أنا شاعر".

والغريب في الأمر أن أحداً لم يقل له: "اذن ما هي مهمتك في موسكو، إذا كنت لا تريد حتى سماع مشاكل الطلبة الذين لولاهم لما كنت اليوم في عاصمة العمال والفلاحيين الذين تتغنى بهم دوماً"؟

انتهى اللقاء وودع الشاعر بمثل ما استقبل به من حفاوة. ولكني لا أدري لماذا تشاءمت من هذا اللقاء وقلت في نفسي، هل أرسلته بغداد لمتابعة قضايا الطلبة وتعزيز العلاقات الثقافية مع الشعب السوفييتي الصديق أم للأستجمام على حساب الدولة؟

• بعثة جمهورية مهاباد

كانت لدي مشكلة تتعلق بتخصصي الدراسي. كنت أرغب في دراسة الهندسة الكهربائية، ولكن ظهر اسمي ضمن المقبولين في الهندسة المدنية. كنا سنقضي في الكلية التحضيرية سنة دراسية كاملة وكان لدي الوقت لمعالجة المشكلة ولكن كيف؟ هذا ما كنت أفكر فيه دوماً ولكن الحل جاء من حيث لا أحتسب.

ذات أمسية طرق باب غرفتي شخص يسأل عني. وبادر الى التعريف بنفسه، وقال بلغة كوردية رائقة وصوت رخيم: أنا الدكتور م. س. طبيب القلب .

قلت: تفضل على الرحب والسعة.

جلس حول الطاولة الوحيدة في الغرفة - التي كنا – أنا وزميلي الأوكراني - نستخدمها لأغراض شتى: للأكل والمطالعة والكتابة وكي الملابس.

قلت: يا دكتور لدي شاي سيلاني جلبته معي، وسأحضر لك شايا أصيلا خلال بضع دقائق. عندما رجعت من المطبخ كان الدكتور يتبادل الحديث مع زميلي الأوكراني، ثم قال له: معذرة لأننا سنتحدث مع زميلك بالكردية لو سمحت .

ثم خاطبني قائلاً : قد تتساءل من أكون ولماذا جئت أبحث عنك وعن زملائك الكرد؟

وحكى قصة أول بعثة دراسية أوفدتها حكومة جمهورية مهاباد الى الاتحاد السوفييتي قائلاً: "كنا خمسة طلاب جئنا لدراسة الطب، ولم نكد ننهي السنة التحضيرية حتى انهارت الجمهورية بعد صفقة النفط المعروفة بين ستالين ورئيس الوزراء الإيراني على حساب الشعب الكوردي. بقينا بلا مورد ومقطوعين عن أهلنا ووطننا، وقد تحملنا الكثير من المشاق والمتاعب حتى انهينا دراستنا بنجاح، ونحن نعمل اليوم في مستشفيات موسكو. ويسرني أن ادعوك الى تناول العشاء في شقتي غداً. وأخرج قلما وورقة من حقيبته وكتب العنوان بالروسية وبخط واضح، ورسم طريق الوصول الى مسكنه ..

كانت شقة جميلة في عمارة شاهقة تقع بالقرب من محطة مترو "جامعة موسكو" وكان الدكتور متزوجاً من طبيبة روسية شقراء، في غاية الطيبة والرقة. وفي هذه الجلسة شرحت للدكتور مشكلتي فوعدني خيراً. وذات يوم قال لي إن الملحق الثقافي في السفارة العراقية صديقي وسيعالج المشكلة التي حدثتني عنها. لم أكن متفائلا ولكن الدكتور بدد مخاوفي وقال: إن البياتي سيهتم بمشكلتك لأنه منذ أن علم بأنني طبيب ناظم حكمت، أخذ يلح عليّ، أن ارتب له لقاءً مع الشاعر التركي، ولكن ناظم مشغول دوماً، فهو ما أن يرجع من رحلة حتى يغادر من جديد الى بلد آخر بدعوة من أصدقائه ومترجمي وناشري شعره في كثير من بلدان العالم .

جاءني الدكتور يوماً ليقول لي إنه رتب كل شيء، وسينتظرني غداً في الثامنة صباحا قرب باب الدخول الى محطة المترو القريبة من الجامعة للذهاب الى السفارة العراقية .

كانت الملحقية تشغل جناحا صغيراً في بناية السفارة. وبعد أن رحب البياتي بنا. قال الدكتور :هذا صديقي الذي حدثتك عنه. وبعد أن شرحت مشكلتي للبياتي، قال: قدم طلبا وسنرى. سألته وماذا اكتب في الطلب. قال: اكتب نظراً لرغبتي الشديدة في دراسة الهندسة الكهربائية ... الخ. أخذ الطلب وقال سأحاول الحصول على موافقة مديرية البعثات في بغداد .

كنت التقي الدكتور وزملائه الأطباء الكورد الآخرين الذين كانوا يقيمون الولائم للطلبة الكرد بسخاء. بعد بضعة أسابيع وفي احدى لقاءاتنا قال الدكتور.

- ما أن عاد ناظم حكمت من سفرته الأخيرة، حتى ذهبت الى شقته للأطمئنان على صحته، فقلبه عليل وهو لا يهتم بصحته كثيرا. قلت له: ان الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي متلهف للقائك ويتصل بي هاتفيا يوميا، ويسألني ان كان بوسعك مقابلته!

قال ناظم: لقد التقيت البياتي في أحد المؤتمرات الأدبية. الشعراء المناضلون أخوتي. وهذا شاعر ثوري حكم بالأعدام مرتين من قبل السلطة الرجعية في بلاده، ولكن الشعب العراقي هاج وخرجت مظاهرات حاشدة في بغداد والمدن العراقية الأخرى ترفع شعار "الحرية للبياتي" وقد اضطرت السلطة الى اطلاق سراحه فهرب من العراق، كما هربت أنا من تركيا بعد قضاء سبعة عشر عاما في السجن. فكيف لا أقابله !

قلت للدكتور: هذه أول مرة أسمع فيها هذه الحكاية! وفهم الدكتور مغزى كلامي ولكنه لم يعلق عليه. بل اضاف:عندما أخبرت البياتي بترحيب ناظم لأستقباله في مسكنه شكرني، وقال: سأحاول تحقيق رغبة صديقك الطالب الكردي، فمدير البعثات الدكتور صلاح خالص لا يرفض لي طلباً .

بعد حوالي عشرين يوما، جاءني الدكتور هاشاً باشاً ليقول لي: بغداد وافقت على طلبك. ينبغي أن نحتفل بهذه المناسبة ونشرب نخب نجاحك.

قلت: بل نخب ناظم حكمت الذي وافق على مقابلة البياتي، ولولا هذه الموافقة لكان (ملحقنا الثقافي) قد رمى طلبي في سلة المهملات، فهو شاعر وليس موظفاً!

• لقاءات عابرة :

السنوات التي قضاها البياتي في موسكو (أواخر 1959- 1964) كانت سنوات ذهبية للشعر الروسي، فقد كان الشعراء الشباب (يفتوشينكو، فوزنيسينسكي، أخمدولينا وغيرهم) يوقدون حماس الشباب بقصائدهم الجديدة الرائعة. ولم يكن يمر أسبوع دون أن يقام اكثر من لقاء شعري مع جمهور الشباب في الجامعات والمعاهد، وفي المعامل وقصور الثقافة، وفي ستوديو لينين الرياضي الذي كان يتسع لثلاثين الف متفرج جاءوا ليستمعوا الى آخر قصائد الشعراء المعبرين عن همومهم وتطلعاتهم وآمالهم في التغيير. ولكن رغم ترددي الدائم على مثل هذه اللقاءات لم أر البياتي يوما في أي لقاء شعري. لا مشاركاً ولا مستمعاً، ولا أعلم السبب. هل لأن شعره غير صالح للألقاء، أم أن العلة في صوته، وطريقة إلقائه ربما يقول البعض انه الخجل، ولكني لا أعتقد ذلك. لأن البياتي لم يكن خجولا، بل صامتا معظم الأحيان، ينفث دخان سيكارته في وجهك، ثم يأخذ نفساً عميقاً ويحدق في المجهول.

ويبدو أنه لم يكن لديه وقت يضيّعه في مثل هذه اللقاءات، فقد كانت هناك لقاءات أجمل وأمتع! كم مرة رأيته واقفا في نواصي الشوارع وقرب مداخل محطات المترو يتطلع الى الجهة التي ستأتي منها سيدة المساء. والغريب في الأمر أن مغامراته النسائية لم تنعكس قط في شعره، كما انعكس في شعر زميلنا في الكلية التحضيرية حسب الشيخ جعفر مثلاً، الذي كتب قصائد كثيرة وعدة روايات استمد مادتها من علاقاته العاطفية، وان كان قد بالغ مبالغة عظيمة في سردها، كأنه دون جوان ترتمي الحسناوات على قدميه أينما حل .

إن الشعراء في العادة هم من أرق الناس وأكثرهم انبهاراً بالجمال الأنثوي. ولا يوجد شاعر مهما كان حجم موهبته، لم يذب عشقا وهياما في حضرة المحبوبة. ولكن يبدو ان البياتي لم يكن يحب أحداً. لا الشعراء، ولا النساء.

بعد انقلاب الثامن من فبراير/شباط 1963 وفصله من الوظيفة، أتخذ البياتي من مقهى يقع في لوبي فندق موسكو الشهير في قلب العاصمة السوفيتية، مقراً دائماً له. كان الطلبة العراقيون يتجمعون حوله وينقلون له آخر ما تتناقله الوكالات وما يقول الناس الهاربون من جحيم البعث. لم تكن الصحف العربية تصل الى موسكو ما عدا صحيفة "النداء" اللبنانية وأحيانا "الأهرام" القاهرية، وكان البث الإذاعي العربي بالكاد يسمع في موسكو وسط (ضجيج) صاخب.

كان البياتي ومعه عدد من الطلبة العراقيين قد حوّلوا المقهى الى سوق هرج. يشربون قدحا من الشاي أو القهوة ويجلسون ساعات طويلة تتخللها مناقشات سياسية صاخبة. كانت نادلات المقهى فتيات جميلات بتنانير قصيرة (ميني جوب) التي كانت موضة تلك الأيام ومريلات بيضاء تكاد لا تصل الى ما فوق الركبة. كن يتأففن وهن يطردن الدخان الكثيف من امام وجوههن وتكاد عيونهن تدمع من أثر سحابة سكائر (كيم) الكوبية الرخيصة.

ضاقت ادارة الفندق ذرعا، وأقفلت المقهى، ولسان حالها يقول "عليّ وعلى أعدائي"! ولكن البياتي ومعه الشلة الطلابية انتقلوا هذه المرة الى بار يقع بجانب الفندق المواجه للساحة الحمراء. وكان الزبائن يصعدون اليه بسلم من المرمر الصقيل. ولم يكن بالإمكان البقاء ساعات عديدة هنا، لأن معظم المقاعد كانت عالية، دائرية الشكل وبدون مساند، والى جانب ذلك عدة طاولات وكرسي خشبية خشنة لا تقارن بالأرائك الجلدية الفاخرة والوثيرة للوبي الفندق، ثم أن الازدحام كان شديدا في البار الصغير، وليس ثمة مجال للجلوس لساعات طويلة والدخول في مناقشات لا نهاية لها. وعلى هذا النحو انحلت شلة البياتي تلقائياً. وغاب البياتي عن الأنظار لأشهر عديدة ، وفي عام 1964 غادر موسكو متوجها الى القاهرة.

لم يتعلم "ملحقنا الثقافي" اللغة الروسية رغم اقامته في موسكو لحوالي أربع سنوات، في حين اني رأيت طلاباً أجانب من أوروبا الغربية وأميركا جاءوا الى موسكو لتعلم اللغة الروسية من أجل قراءة الروائع الأدبية الروسية بلغتها الأصلية التي كتبت بها .

ثمة اشاعة - روجها البياتي بنفسه بعد اقامته في القاهرة – مفادها أنه عمل استاذاً في جامعة موسكو وباحثا علميا في معهد الإستشراق. ولكن هذا كان بنداً ضمن برنامجه الدعائي، الذي تصدره قصائد سياسية مباشرة وتقريرية في مديح عبدالناصر .

ان الزمن هو الحكم الفصل في فرز الصالح عن الطالح. والإبداع الحقيقي يبقى حياً ومقروءا مهما طال الزمن، ولكن لا أحد اليوم يحفظ أو يقرأ شيئاً من شعر البياتي. ولكي أكون دقيقاً أذكر أنني سمعت منذ عدة سنوات في بغداد أحد الشعراء الشباب وهو يردد ضاحكاً بيتا واحدا من شعر البياتي ورد في مطلع قصيدته المسماة "الأميرة والغجري" وهو بيت (شعري) عجيب، هذا نصه "أدخل في عينيك - تخرجين من فمي ".