البوعزيزي وموشيه سيلمان

بقلم: معتصم حمادة

هل قرأنا جيدا حادثة إحراق الإسرائيلي موشيه سيلمان لنفسه، أم أننا اكتفينا بالشماتة بإسرائيل وحكومتها، معتقدين أن ما يجري عندنا، قد امتدت نيرانه إلى بيت نتنياهو وحكومته؟

عندما أحرق موشيه سيلمان نفسه في إسرائيل، سارعت وسائل الإعلام لدينا، في خطوة تسطيحية، بلهاء، لتشبيه ما جرى في إسرائيل بما كان جرى في تونس، بحيث وصفت سيلمان بأنه البوعزيزي الإسرائيلي. هذا التشبيه، الذي انحصر في الشكل، ولم يدخل في المضمون، لم يكلف نفسه أعباء الغوص في «الداخل» الإسرائيلي لكشف الحقائق والدوافع التي قادت سيلمان إلى إحراق نفسه في الشهر الماضي.

ودون أن يصور كلامنا، وكأنه مديح لكيان العدو، فإن إسرائيل على الصعيد اليهودي، تتمتع بديمقراطية وحرية في الرأي، وبتعددية سياسية وحزبية، تفتقر لها معظم دولنا العربية. حتى أننا، ولكي نطلع على «أسرارنا» وأسرار حكامنا، نلجأ للأسف إلى الصحافة العبرية، التي تكشف من المعلومات ما تحاول وسائل إعلامنا إخفاءه، والتكتم عليه، لما فيه من إهانات للذات العربية، تلحق بها على يد من هم، يفترض بهم بالأساس أن يصونوا هذه الذات، أي القيادات السياسية وكبار المسؤولين في الدولة في مؤسساتها المختلفة. لذلك يجب القول إن سيلمان لم يحرق نفسه احتجاجا على غياب الديمقراطية ـ بما هي آليات لتداول السلطة في إسرائيل، وبما هي حريات فردية وجماعية ـ على المستوى اليهودي، بل أحرق نفسه بسبب من غياب الديمقراطية الاجتماعية، وبسبب من هيمنة الاقتصاد الرأسمالي وضغطه، بكل ثقله على كاهل فقراء إسرائيل وأبناء الفئات الوسطى من سكانها.

علينا أن نتذكر أن مسيرات الاحتجاج الاجتماعي انتظمت في إسرائيل في الأشهر الماضية، دون أن تحصل فيها ضربة كف من شرطي على وجه متظاهر واحد، بل واكبت الشرطة هذه التظاهرات، والاعتصامات أمام مقر رئيس الوزراء، وحمتها من الذين حاولوا الاعتداء عليها من مؤيدي نتنياهو وسياسته الاقتصادية الاجتماعية. وعلينا أن نتذكر أن هذه التظاهرات لم تحقق أهدافها، لذلك جاء إحراق سيلمان لنفسه ليذكر، كما قالت هآرتس (23/7/2012) بأن تحركات الاحتجاج لم تحقق شيئا من أهدافها، وبأن نارها تكاد أن تذوي. أشعل النار في جسده، ليشعل مرة أخرى نار الاحتجاجات الاجتماعية.

حادثة سيلمان، كما قرأتها الصحف الإسرائيلية كانت صرخة ضد السياسة الهدامة لحكومة نتنياهو، حكومة سلم أولوياتها مشوه من الأساس. هي تحرم الفئات الوسطى في المدن من الكثير من الحقوق التي كانوا يتمتعون بها، وتهبط بهم اجتماعيا درجة درجة، ليصبحوا في مستوى معيشي متدنٍ. بالمقابل تستسهل هذه الحكومة رصد ميزانيات طائلة لبناء المستوطنات، وبطريقة استفزازية، ليس للفلسطينيين العرب فقط، بل لشرائح واسعة من الإسرائيليين أنفسهم. كما تستسهل، في الوقت نفسه، رصد ميزانيات ضخمة ومبالغ فيها، لوزارة الدفاع، حتى أن لجنة الشؤون الخارجية والأمن، لا تحتاج سوى لدقائق قليلة لتصادق على قرارات الحكومة منح وزارة الدفاع مخصصات استثنائية، بحجة صون أمن إسرائيل. كذلك ترصد هذه الحكومة، لأسباب «ائتلافية»، وبما يرضي حزب شاس الديني، مبالغ خيالية، لتوزع على الأصوليين، طلبة المعاهد الدينية، الذين يعفيهم القانون الإسرائيلي من الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي، فضلا عن منحهم مرتبات دائمة، ما داموا ينتمون إلى أحد المعاهد الدينية. وقلما تجد في إسرائيل، أصوليا لا ينتمي إلى معهد ديني، وقلما تجد في إسرائيل أصوليا لا يعتاش على المرتب الذي تخصصه له الدولة دون أن يكون في عداد موظفيها، ولا شيء سوى لأنه طالب في معهد ديني، مرتب يكفيه هو وزوجته وأولاده، علما أن العائلات الأصولية تتميز بكثرة الأولاد.

وفي إسرائيل، وفي الوقت الذي بدأت فيه الأزمات الاقتصادية تتفاعل، وفي الوقت الذي أخذ فيه أبناء الفئات الوسطى يخلون منازلهم، لعدم قدرتهم على دفع أجورها المرتفعة، ويلجأون إلى الاعتصام في خيم، نصبوها أمام ديوان رئيس الوزراء، يطالبون بخطط لإقامة مساكن خاصة بهم، تنشئها الحكومة في إطار برامجها الاجتماعية.. في هذا الوقت، تعزز الحكومة الإسرائيلية ما يسمى بشبكات الأمان الاجتماعي، والصحي، وغيرها للمستوطنين، الذي يحتلون الأراضي الفلسطينية، وللأصوليين، الذي يعيشون عالة على المجتمع في إسرائيل، وعلى اقتصاده، الذي قرأت فيه بعض الصحف علامات ترنح (معاريف 26/7/2012).

إسرائيل، وباعتراف صحفها، تعيش أزمة اقتصادية، تجلت في عجز الموازنة السنوية، ما دفع حكومة نتنياهو لاتخاذ قرار برفع قيمة الضريبة المضاف (T.V.A) من 16% إلى 17%. دون أن تميز بين الحاجات الضرورية للمستهلك، والحاجات الكمالية، فتساوي بين الخبز، على سبيل المثال، وبين السيارة المرفهة. ودون أن تميز بين أصحاب الدخل المتدني، وبين أصحاب الدخول العالية. وفي حساب بسيط فإن صاحب الدخل، الذي لا يتجاوز 4 آلاف شيكل، يستهلك مرتبه كاملا في توفير حاجاته. وبالتالي فهو يدفع ضريبة تصل حقيقة إلى 16 % (ثم لاحقا 17 %) من مرتبه. أما من كان دخله 40 ألف شيكل، فإنه لن يستهلك منه في أحسن الحالات أكثر من 70%، ما يعني أنه سيدفع ضريبة لن تتجاوز 12 % من مجموع مرتبه الشهري. ما يعني أن الفقراء في إسرائيل يدفعون ضرائب أكثر مما يدفع الأغنياء.

إلى جانب ذلك بدأت في إسرائيل ترتفع الصرخات ضد الحكومة التي، كما وصفتها الصحف، تعيش حالة انتظارية، في ظل التطورات العاصفة التي تشهدها منطقتنا العربية، متغافلة عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أوروبا، والتي تصل مبادلاتها مع إسرائيل إلى حوالي 90% من مجموع المبادلات التجارية الإسرائيلية الخارجية. الأزمة الاقتصادية الأوروبية المتنقلة، ما بين اليونان وإسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال (ولاحقا فرنسا وبريطانيا وربما ألمانيا كما تتخوف الصحافة الإسرائيلية) ستعني تراجعا في تصدير المنتجات الإسرائيلية إلى أوروبا. كما ستعني تراجعا في السياحة الأوروبية في إسرائيل، أي أن العجز الاقتصادي الإسرائيلي سوف يتفاقم، كما سيضع حكومة نتنياهو أمام خيارات صعبة قد تدفعها حتى إلى تخفيض الضرائب على الشركات والمصانع لتشجيع الاستثمار، خوفا من ارتفاع البطالة. وهذا سيقود بدوره، كما يتوقع الاقتصاديون، إلى التراجع في مداخيل الحكومة، ما يعني إما ارتفاع العجز في الموازنة، وإما اللجوء إلى التقشف. ولأن التقشف لا يطال، ولن يطال لا وزارة الدفاع، ولا مشاريع الاستيطان، ولا حصة الأصوليين في الميزانية، فمعنى ذلك أن التقشف سوف يطال الفئات الأخرى، أي تلك التي خرج موشيه سيلمان من صفوفها ليطلق صرخة تقول: لن نسمح بأن تنتهي التحركات الاحتجاجية دون أن تحقق أهدافها.

السؤال الآن موجه إلينا نحن الفلسطينيون، وإلى كل العرب: ترى ماذا فعلنا، في صراعنا مع إسرائيل، كي نستغل أزمتها الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. أم أننا اكتفينا بوصف سيلمان بأنه البوعزيزي الإسرائيلي، وكفى الله العرب والفلسطينيين شر.. البحث والتفكير، وعنائهما.

معتصم حمادة