البوعزيزي مفجر ثورة لم ينل حقه بعد

سيدي بوزيد
مع البوعزيزي استجاب القدر

لم يكن عمار عم محمد البوعزيزي الذي رباه، يتصور ان البائع المحترق امامه هو محمد لكنه تعرف على صوته حين نطق بالشهادتين الجمعة في 17 كانون الاول/ديسمبر في حركة يائسة حملت الحزن وكذلك الفخر لعائلته لاشعاله انتفاضة اسقطت نظام زين العابدين بن علي.

وغير بعيد عن منزل اسرة البوعزيزي المتواضع في حي النور الغربي الفقير بمدينة سيدي بوزيد، على بعد 260 كلم جنوب العاصمة تونس، مخزن وضعت فيه عربة محمد التي تحمل اثار الحريق، وقد ورثها عن والده الذي كان بائعا للفواكه.

ويروي عمار الذي ربى محمد مذ كان عمره 3 سنوات بعد ان تزوج ارملة اخيه، بعينين يملأهما الحزن "لحقت به لاخذ مكانه للصلاة (صلاة الجمعة في تونس تقام على وقتين) كنت بجانبه ولم اتعرف عليه لتغير ملامحه بسبب الحرق، لكن حين كرر الشهادة بصوت عال تاكدت انه ولدي محمد ففقدت وعيي".

واضاف "سمعت انه بعد مصادرة الشرطة بضاعته ولطمه واهانته حاول مقابلة مسؤولي البلدية والولاية للشكوى فلم يستمع اليه احد ولفرط احساسه بالقهر جلب قارورة بنزين وسكبها على راسه وجسده وهو يقف فوق عربته مستخدما ولاعته" التي اشعلت "ثورة الياسمين".

لكن هذه التسمية لا تروق لكثيرين في سيدي بوزيد الذي تجمعوا في ساحة "الشهيد محمد البوعزيزي" وهو الاسم الذي اطلق عفويا على ساحة 7 تشرين الثاني/نوفمبر تاريخ تولي بن علي السلطة في 1987. وعلت الساحة صورة البوعزيزي ممهورة بعبارة "مفجر الثورة وصانع الحرية"، وبقربها شعارات بينها "تونس، نعم استجاب القدر" في اشارة الى بيت شاعر تونس ابو القاسم الشابي.

وقال احدهم غاضبا "من اطلق هذه العبارة؟ اين ترون الياسمين؟ هنا لا يوجد الا الهندي (التين الشوكي)"، فرد آخر "لانه في الخارج وبسبب الحملات السياحية تعرف تونس ببلد الياسمين".

"اذن فليسموها ثورة تونس، اما ثورة الياسمين فلست موافقا".

وفي الغرفة البسيطة التي كان ينام فيها محمد مفترشا الارض، قالت امه منوبية (49 عاما) ان "المضايقات التي كان يتعرض لها يوميا، هو وباقي الباعة، لم تؤثر فيه كثيرا، ما اثر فيه يومها هو ضربه من قبل اربعة شرطيين وخصوصا فادية التي صفعته امام الملا وسبت المرحوم اباه".

واوضحت انها قالت لبن علي، حين استقبلها في محاولة لتطويق الاحتجاجات وزار محمد في المستشفى، "ابني احترق واحترقت معه، اريد ابني ولست اريد اي شيء آخر فهو ركيزة الدار".

وفي وسط المنزل حيث تحلق المعزون وصحافيون اجانب، قالت خالة محمد راضية (34 عاما) ان "محمد مات من اجل الكرامة (..) احرق نفسه وراح جسده لكنه قاد ثورة وبقي اسمه".

وانتقدت السياسيين المنفيين والمثقفين والصحافيين بقولها "محمد الذي كان يعمل على عربة ضحى بنفسه من اجل العيش ودعمته اسرته لتتفجر هذه الثورة ولم يضح هؤلاء المثقفون والمبدعون والصحافيون بانفسهم او باسرهم، هم لديهم المال لمغادرة البلاد".

واضافت ان عائلة البوعزيزي "لا تنتمي لاي حزب، لا التجمع (حزب بن علي) ولا المعارضة ولا للنقابة، نحن لا نفهم في السياسة، نحن رغم فقرنا ونومنا جياعا احيانا، راضون بوضعنا والحمد لله، رغم ان ارضنا سلبها منا رجل اعمال" من اسرة ليلى الطرابلسي زوجة بن علي.

وامام قبر محمد البوعزيزي البسيط والذي لم يلون بعد بالابيض كباقي قبور مقبرة قرع بنور على بعد 18 كلم عن مدينة سيدي بوزيد، قال شقيقه سالم (نجار-30 عاما) "في البداية صدمت ثم فهمت انه حرر تونس وحرر الشعب التونسي كله واتمنى ان يحرر الشعب العربي بكامله".

وتساءل بغضب "لماذا يغض الطرف عمن يبيعون البضائع المهربة والمخدرات مقابل رشوة ويمنع من يدفع عربة لاعالة اسرته من العمل؟ من عنده الملايين تضرب له التحية ومن يدفع عربة يعطلونه، هذا غير معقول، وهذه مشكلة كبيرة جدا جدا في سيدي بوزيد".

واضاف ان شقيقه "كان هادئا جدا وبشوشا"، وما دفعه للانتحار شعوره بالمهانة "نحن هنا عرب سيدي بوزيد، الرجل الذي تضربه امراة لا يعد رجلا".

واشار الى انه بعد الاطاحة بحكم بن علي "شعرت بان شباب تونس نال حقه اما حق اخي محمد فلم ناخذه بعد (..) وهو ان تحاسب هذه المراة التي ضربته امام الجميع هي ومسؤول البلدية وحارس الولاية باعتبارهم السبب، وهم من احرقه".

وتتذكر اخته الصغرى بسمة (16 عاما) كيف "كان محمد يعود من العمل مبللا بالمطر، كان عطوفا علينا وكان يعطينا المصروف لشراء الكتب والكراسات وما يلزمنا".

واضافت "افتخر به كثيرا ولكني حزينة عليه في الان نفسه، لقد رفع راسنا، الحمد لله، لقد عاش رجلا ومات رجلا".