البوصلة الساذجة: المقاربة السورية للحالة الفلسطينية

بقلم: ماجد كيالي

لا توجد «مسألة فلسطينية» في سوريا، كما في بلدان أخرى مجاورة، وإنما على العكس من ذلك إذ ثمة «مسألة سورية» عند الفلسطينيين! فاللاجئون الفلسطينيون في سوريا يعيشون في مكانة «الإقامة الموقّتة»، أي أنهم ليسوا مواطنين، ولا ينازعون على حقوق المواطنة، كما في الأردن، وهم يتمتعون بالمساواة في الحقوق (ما عدا السياسية) عكس أقرانهم في لبنان، الذين يعانون من التمييز، ومن احتسابهم عبئاً على المعادلات الطوائفيّة/ السياسية السائدة فيه.

عدا هذا وذاك ثمة ثلاثة عوامل رئيسة أخرى حالت، أو منعت، تشكّل نوع من «مسألة» فلسطينية في سوريا، أولها، أن اللاجئين في هذا البلد لا يشكّلون كتلة سكانية وازنة (كما في الأردن ثم لبنان)، إذ تتراوح نسبتهم بين 2 و3 في المئة من عدد السكان، وهم يتوزّعون على عديد من المدن في امتداد مساحة سوريا الواسعة. وثانيها، أن النظام السياسي في سوريا يمتلك فائضاً من وسائل القوّة والسيطرة والتحكّم، الأمر الذي جعل الفلسطينيين، وكياناتهم السياسية، أكثر حذراً، وأكثر تكيّفاً مع سقف «الحريّات» المتاح، على خلاف الوضع في الأردن ثم لبنان. ثالثاً، خلو سوريا تاريخياً من الصراعات ذات الطابع الطائفي/المذهبي، لذلك فإن تواجد كتلة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، منذ النكبة (1948)، لم يعنِ شيئاً في المعادلات السكانية أو السياسية في هذا البلد.

المفارقة أن بعض هذه العوامل، التي حالت دون نشوء «مسألة فلسطينية» في سوريا، أدّت في المقابل إلى نشوء ما يمكن تسميته مجازاً بـ «المسألة السورية» في الحالة الفلسطينية، والتي تتمثّل بالتدخّل السوري «العميق» في الشأن الفلسطيني، على غرار التدخّل السوري «العميق» في الشأن اللبناني، حيث الطرف الأكبر والأقوى يهيمن على الطرف الأصغر والأضعف ويستوعبه، بطريقة ناعمة أو خشنة، بالرضا أو بالإكراه.

اللافت أن الصراع مع الكيانية الفلسطينية البازغة لم يأت من طرف الأردن، الذي كفّ عن ذلك منذ تفجّر المسألة الفلسطينية فيه على شكل حرب أهلية، نجم عنها خروج المقاومة منه (1970)، والذي قنّن تلك العلاقة بعد اندلاع الانتفاضة (1987ـ1993)، بإعلانه فكّ الارتباط مع الضفة، فيما اعتبر بمثابة تحول كبير في فهم الأردن لحدوده، الجغرافية والسياسية والهوياتية، وفي نأيه بنفسه عن المشكلة الفلسطينية.

معلوم أن بزوغ الكيانية الفلسطينية، المدعّمة بظاهرة المقاومة المسلّحة، وضع الكيانات السياسية الثلاثة في المشرق العربي (الأردن ولبنان وسوريا)، طوال العقود الماضية، في مواجهة ظواهر وحراكات سياسية متباينة. فبينما اتجه الأردن نحو «الإشباع» الكياني، مرسّخاً هويته الوطنية (أردنية أكثر وفلسطينية أقل)، ذهب لبنان نحو الانفجار لإعادة ترتيب أوضاعه، في الحرب الأهلية، التي كان الوجود الفلسطيني المسلّح أحد أسبابها، وأحد عوامل تحريكها، لإعادة إنتاج واقع طوائفي/سياسي جديد.

بديهي أن الاستجابة السورية لذلك كانت مختلفة عن مثيلتيها في الأردن ولبنان، للأسباب التي ذكرناها، وأيضاً، بسبب من وجود نظام مختلف يعيش قلق الهوية، بين الوطنية والقومية، ويعتقد بامتلاكه فائض قوّة تمكنه من مدّ مجال هيمنته من داخل حدوده، إلى داخل الكيانات الأخرى، لتعزيز مكانته الإقليمية، وتعزيز شرعيته الداخلية.

فمنذ مجيء حزب البعث إلى السلطة (1963) ظلّت سوريا تكابد من انعدام اليقين بشأن حدودها وهويتها، ما انعكس على وعيها لذاتها، وعلى سياساتها وأدوارها الإقليمية، كما على الكيانات المجاورة. وفي الغضون، كانت القضية الفلسطينية، وقتها، بمثابة ورقة اللعب الرئيسية، بين اللاعبين والفاعلين المحلّيين والإقليميين والدوليين، بحكم قيمتها السياسية بذاتها، وبحكم مداخلاتها مع ملفات وكيانات أخرى.

ونسبة إلى طموحات النظام فقد كانت الورقة الفلسطينية، وضمنها إشهار المقاومة المسلحة، في البداية، رابحة وضرورية، لحجب الأسئلة المتعلّقة بهزيمة حزيران (1967)، ولاستخدامها في الصراع على النفوذ الإقليمي مع مصر الناصرية (وقتها). لكن الأمر بدا مختلفاً في ما بعد، في حقبة السبعينات، وبعد رحيل عبدالناصر، وانكفاء مصر على ذاتها (بعد حرب 1973)، لجهة إدراكات النظام السوري لبزوغ الكيانية الفلسطينية، ولجهة دور المقاومة المسلحة، وطريقة تكيفه معهما، أو توظيفهما.

هكذا، ومنذ ذلك الوقت، باتت مشكلة سوريا تتحدّد في أن طموحها إلى تملّك الورقة الفلسطينية، واستثمارها، تصطدم مع الكيانية السياسية البازغة عند الفلسطينيين، فقد بات لهؤلاء، أيضاً، ممثلهم الشرعي والوحيد (منظمة التحرير)، بإجماع عربي ودولي، وإن كان ذلك من دون مجال سيادي/إقليمي. ويستنتج من ذلك أن التباين والخلاف والتخاصم السياسي «السوري» مع الفلسطينيين لم يحصل بسبب الصراع على النفوذ في لبنان (أواسط السبعينات)، ولا بسبب توجه قيادتهم نحو التسوية (مطلع التسعينات)، لأن سورية ذاتها انخرطت في المفاوضات، وإنما حصل ذلك في وقت مبكّر جداً، على رغم احتضان سورية لفصائل المقاومة المسلحة.

فقد دأبت سوريا، منذ أواخر الستينات، وعبر طرق عدة، ومتوازية، على استيعاب الكيانات الفلسطينية الناشئة، وذلك من خلال تحديد قدراتها، والسيطرة على مساراتها أو توجهاتها السياسية. والأنكى أن سوريا في سبيل ذلك قامت بإنشاء فصيل فلسطيني خاص بها، هو طلائع حرب التحرير الشعبية ـ قوات الصاعقة (لمن يتذكّر)، وقامت إلى جانبه بدعم فصيل أو أكثر (لا سيما الجبهة الشعبية - القيادة العامة). وعلى رغم أن قدرة الفصائل الفلسطينية («السورية»)، ظلّت محدودة، بالنظر إلى ضعف شعبيتها بين الفلسطينيين، وتدنّي دورها في مجال الصراع مع إسرائيل، إلا أنها لعبت أدواراً غير إيجابية في الحالة الفلسطينية، ما أثّر بدوره سلباً على إدراكات الفلسطينيين لسوريا، وشكّل عامل قلقلة في العلاقات السياسية الثنائية الفلسطينية - السورية.

بكلام أخر، فقد بدا للنظام السوري، في حقبة السبعينات، أن صعود الوطنية الفلسطينية يأتي على حساب طموحاته الإقليمية، في حين بدا للوطنية الفلسطينية، أن سياسات النظام السوري تقف حجر عثرة أمام بزوغها وترسّخها. هذا ما يفسّر في حينه التباينات والخلافات والخصومات بين قيادة حركة «فتح» التي مثّلت الوطنية الفلسطينية، والتي رفعت شعار «استقلالية القرار الوطني الفلسطيني»، وبين القيادة السورية.

والحال، فقد كان بديهيا اصطدام الطرفين، أو اصطدام الوطنيتين الفلسطينية والسورية، المنفلتتين من عقالهما، في لبنان، كل لأغراضه السياسية والإقليمية، فنحن هنا إزاء مشروعين وسلطتين وطموحين مختلفين. وكان بديهياً بعدها، خروج الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، مع قوات المنظمة، من لبنان إلى مصر وتونس واليمن، حرصاً منه على إبقاء «الوطنية» الفلسطينية، والقرار الوطني المستقل، خارج إسار القبضة «السورية». هذا حصل، أيضاً، إبان الحقبة التفاوضية، إذ وجدت سورية سبباً إضافياً لخلافها مع ياسر عرفات، ومع منظمة التحرير، التي ذهبت إلى اتفاق أوسلو (1993)، بغض النظر عن رأينا في الإجحافات والمخاطر والثغرات المتضمّنة في هذا الاتفاق.

في كل الأحوال فإن الاستطالات السورية في الحالة الفلسطينية لم تنجح، إذا ظلت الفصائل الممثلة لها معزولة، ولا تتمتع بأي ثقل وازن بين الفلسطينيين، بدليل أنها لم تستطع في غياب «فتح» وفصائل المنظمة (منذ 1983)، توليد أية حالة نموذجية بديلة في مجتمع اللاجئين في سوريا، ناهيك عن انعدام دورها في مجال الصراع مع إسرائيل.

بعد ذلك فقد شكّل ظهور حركة «حماس»، وصعودها اللافت في السياسة الفلسطينية، في العقد الماضي، نوعاً من التعويض للقيادة السورية، عن إخفاق الفصائل الدائرة في فلكها، إذ وجدت فيها ضالّتها لمناكفة القيادة الفلسطينية، على رغم احتساب «حماس» على منظومة «الإخوان المسلمين»! لكن «حماس» هذه خرجت بدورها من سوريا، بسبب تداعيات الثورة الشعبية فيها، والتحولات في عديد من النظم السياسية العربية، ما حرم النظام من إمكان استخدام ورقة فلسطينية وازنة ومقنعة في هذه الظروف.

ولعل ذلك يفسّر بعض التحركات التي تشي بإمكان معاودة النظام السوري إلى تعويم بعض الأطراف الفلسطينية التي تتماهى معه، لاستخدامها، والزجّ بها في الصراع الدائر في سوريا، من دون سؤال عن الضرر الذي ينجم عن ذلك على سوريا، والفلسطينيين اللاجئين، وعلى قضيتهم. (راجع مقالي عن المقاربة الفلسطينية للثورة السورية - «الحياة»، 29/6)

بالمقابل، فإن ما يلفت الانتباه أن شعب سوريا، وأحرارها، وعلى رغم كل معاناتهم وتضحياتهم ومكابداتهم، كانوا من الكرم والنبل بحيث لم يطلبوا من الفلسطينيين اللاجئين شيئاً، ومن المسؤولية والحكمة بحيث كانوا ضنينين بتعريض اللاجئين، الذين يعيشوا بين ظهرانيهم، لما يتعرّضون هم له، بغض النظر عن بعض مداخلات من هنا أو هناك.

بعد الثورات الشعبية آن لجميع الأنظمة أن تدرك أن فلسطين ليست مجرّد ورقة للتوظيف، وان الفلسطينيين ليسوا وقوداً لأحد في أية معركة سلطوية، وأن الادعاء بأن فلسطين هي البوصلة أو القضية المركزية، بات مكشوفاً، وساذجاً، وينطوي على مخاتلات وتلاعبات وتوظيفات، لم تعد تنطلي على أحد، ولا سيما على شعب فلسطين، الذي كابد الأمرين جراءها. فلقد بينت تلك الثورات أن قضية الحرية لا تتجزأ، وأن الحرية هي حقاً القضية المركزية للمجتمعات العربية، فالأوطان الحرة هي كذلك بمواطنيها الأحرار.

ماجد كيالي