البوسنة في الاتحاد الأوروبي على الطريقة التركية

بقلم: د.خليل حسين

دخلت البوسنة فترة السنوات الست المقررة لاستكمال شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي، والتي بدأت العد التنازلي مع الأول من تموز/يوليو بعد أن وقع الطرفان معاهدة الاستقرار والتقارب في 16 حزيران/يونيو 2008.
واقعاً، قطعت البوسنة مسافة لافتة في طريق الاندماج الأوروبي، إذ شهدت تغيرا تاريخيا في نشأة الدولة ووجودها الأوروبي، إذ تأثرت - شعبا ونخبا- سياسية واقتصادية ببدء سريان انضمامها التدريجي للاتحاد، ففي الأول من تموز انخفضت الرسوم الجمركية في البوسنة، وتم إعفاء بعض المنتجات منها بعد أن دخلت اتفاقية الاستقرار والشراكة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ.
كما شهدت تحركا فعالا في مواجهة مشكلاتها التي تعيق آلية الانضمام للاتحاد وبخاصة في مجال البنى التحتية، والنقل والمواصلات، وخصخصة الشركات الكبرى، إضافة إلى الاتفاقيات التجارية مع الدول المجاورة ودول الخليج العربي بهدف إعادة هيكلة الاقتصاد والمسارعة في خطوات نموه.

كل ذلك تزامن مع طلب منظمة هيومان رايتس ووتش التحقيق في جرائم الحرب في البوسنة التي وقعت قبل 13 عاما؛ حيث ذكرت في بيان صادر عنها أن المحاكم ذات الدرجات الدنيا غير قادرة على إجراء محاكمات عادلة وفعالة لمجرمي الحرب، وأن الآلاف من القضايا المتعلقة بجرائم الحرب لم يتم التحقيق فيها بعد، كما سجلت المنظمة نقاط التقصير والإهمال في عملية التحقيق القضائي في جرائم الحرب.
في المقابل قدم الاتحاد الأوروبي جملة من التسهيلات التجارية للبوسنة تضمنت استيراد منتجات بوسنية وتشجيع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية المتنوعة علاوة على تقديم قروض ميسرة، خاصة بعد إبرام اتفاقية (الشراكة والانضمام التدريجي) مع الاتحاد الأوروبي التي جرى التوقيع عليها في بروكسل، كما شهدت البوسنة تعاطفا من بعض الدول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا.. وغيرهم، حيث أعلنت عن رغبتها في استكمال البوسنيين شروط الاندماج الكامل في الفترة المحددة.
رغم هذه الخطوات الفاعلة، فإن صرب البوسنة الذين يشكلون 30% من مجموع السكان، يعتبرون من أكبر المعوقات التي تقف حائلا أمام الانضمام للاتحاد، حيث يعرقلون أي تقدم بهدف الانفصال في دولة مستقلة؛ باعتبار ان الانضمام والتوحد سيفقدهم الكثير من الامتيازات والصلاحيات، لجهة الاستئثار بالبيئة الأمنية؛ والتي سميت "الشرطة العرقية"، أو ما يسمى "الشرطة الصربية"، وزوالها يعني تلاشي النفوذ. إضافة إلى ذلك فان ساسة صرب البوسنة يعرقلون جميع مساعي الانضمام، والذي سيلغي جميع القوانين السائدة حاليا، وفي طليعتها عودة المهجرين من المسلمين في منطقة شرقي البوسنة التي شهدت أكبر عمليات التطهير العرقي.
جانب آخر من الصعب إغفاله وهو أن الحرب دمرت الاقتصاد البوسني، والبنية التحتية في البلاد، الأمر الذي يتطلب جهدا كبيرا لإعادة البنية الرئيسية لتقترب من نظائرها في دول الإتحاد، ويحتاج ذلك على الأقل لثلاثة أو أربعة خطط خمسية.
إضافة إلى ذلك لا يمكن إغفال حالة واليأس التي تسود بعض البوسنيين لاعتقادهم أن مسألة انضمام بلادهم إلى الاتحاد ضرب من المستحيل بسبب شروط الاتحاد الـ180؛ لدرجة جعلت البعض يتلقى خبر توقيع معاهدة الاستقرار والتقارب بين الجانبين بشيء من اللامبالاة وعدم التفاؤل بانضمام وشيك، اعتقادا باستحالة انضمام بلد غالبيته من المسلمين للاتحاد، بينما رأى البعض الآخر أن الانضمام لن يتحقق إلا إذا كان ثمة وفاق بين الأطراف الثلاثة: بين المسلمين والصرب والكروات.
إضافة إلى المعوقات الداخلية، ثمة معوقات خارجية يتمثل أبرزها في عدم رغبة أوروبا المسيحية في وجود دولة إسلامية داخل المجموعة خوفا من التمدد الإسلامي، كما يتبنى بعض المعارضين رأيا مفاده أن انضمام البوسنة سينقل لهم مشكلات العالم الإسلامي، وبالتالي أحداث الشرق الأوسط، وثمة رأي ثالث يدافع عن عملقة الاتحاد الاقتصادية، حيث يرى أن دول الاتحاد جميعها -سواء أكانت زراعية أم صناعية- دول عملاقة، وقادرة على إفادة المجموعة، بينما البوسنة دولة فقيرة لا تملك سوى المشكلات.
ولعل الضغوط الأميركية والأوروبية على حكومة البوسنة للتخلص من الإسلاميين الوافدين إبان حرب التسعينيات يمثل عائقا كبيرا أمام الحكومة والشعب الذي يرى أنهم جزء من نسيجه، حيث تنظر الولايات المتحدة إليهم على أنهم "إرهابيون".وتشير بعض التقارير إلى أن عدد الوافدين العرب بلغ نحو 10 آلاف مقاتل، وتحولوا إلى مدنيين بعد التوصل لاتفاق دايتون للسلام، والذي أنهى الصراع المسلح الذي دار في البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995.وبدأ التخلص منهم عبر عمليات اعتقال لبعض العرب القاطنين في ألمانيا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى، بسبب زواجهم من بوسنيات مسلمات، وهو ما كان كافيا لربطهم بقتال البوسنة، وتصنيفهم إرهابيين.
ولا يعني توقيع معاهدة التقارب أن البوسنة ستصبح عضوا فعليا في الاتحاد بعد نهاية فترة السنوات الست، فالأمر يتشابه في كثير من المعطيات بين الحالة البوسنية والحالة التركية، بخاصة أن كلتا الدولتين مرتبطتان بالشرق الأوسط ومشكلاته، وبكل دولة أقليات تعيق استقرارها السياسي، وأن كلتيهما تعتنقان الإسلام، ولا شك أن ذلك سيثير الخائفين من تمدد النفوذ الإسلامي من هاتين الدولتين إلى بقية دول القارة.
رغم ذلك فالفوارق بينهما عديدة، فالوضع الجغرافي يجعل فرصة البوسنة أكبر من فرصة تركيا؛ باعتبار أن الأولى تقع في قلب القارة، بينما تمتد المساحة العظمى لتركيا في آسيا، وهذا ما يجعل فرصة البوسنة أفضل في استيعاب المشكلات التي قد تنشأ مع دول الجوار، وهي دول داخل القارة، أما تركيا فمشكلاتها مع دول الجوار تنقل الاتحاد برمته إلى قارة أخرى.
إضافة إلى ذلك أبدت البوسنة استعدادا وقدرة على التأقلم والعيش مع بقية دول الاتحاد، وأن ساستها وشعبها عازمون على المضي قدما نحو الاندماج والتعايش داخل الاتحاد الأوروبي، غير أن هذا الأمر مرهون بحل مشكلاتها الداخلية بالضغط الأوروبي الأميركي على صرب البوسنة، لإقناعهم بضرورة التعايش والتراجع عن النوايا الانفصالية من ناحية، والضغط الداخلي من الحكومة على التيار الإسلامي والمهاجرين العرب لمغادرة البلاد، وأخيرا الانتقال لمرتبة الدول الناضجة أوروبيا سواء من الناحية الاقتصادية أو السكانية.
وعلى الرغم من المساندة التي تقدمها أوروبا للبوسنة بهدف تجاوز أوضاعها، فما زالت في مراحل التوجس والخوف من انضمامها، وسيظل الاتحاد الأوروبي يدرس لفترة ليست بالقصيرة الطلب البوسني، ومن قبله التركي كي لا تتخذ قرارا تندم عليه مستقبلا.

د.خليل حسين، أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية