البندقية والاسلام: روائع حضارتين بوجهي التجارة وحب الفنون

البندقية (ايطاليا)
تقلبات السياسة والحروب لم تمنع حوار الحضارات

انتقل معرض "البندقية والاسلام" المخصص للعلاقات التي كانت قائمة بين جمهورية البندقية المستقلة والعالم الاسلامي بعد باريس ونيويورك الى قصر الدوجات رمز المدينة وحضارتها ليوفر اطارا مثاليا للمحتويات التي جمعت من نحو 60 متحفا عبر العالم.
ويدلل المعرض على حوار الحضارات والتبادل التجاري الكبير الذي كانت المدينة العائمة مسرحا له بين اعوام 828 و1797 رغم تقلبات السياسة والحروب التي اخترقت تلك القرون.
ويستقطب المعرض العديد من الزوار وخاصة السياح الكثر في البندقية كما يمكن للزائر استكماله عبر معالم ما زالت قائمة في ابنية وكنائس المدينة وقصورها التي اكتست جدرانها في الماضي بالحرير والسجاد كما زينت انحاؤها بالبلور المصنع في المدينة على الطريقة الاسلامية.
وكانت البندقية عززت في الماضي من قدرتها على التبادل التجاري وتحولت الى امبراطورية بحرية طورت مع العالم وسائل اتصال متتابعة يمثل المعرض نموذجا من هذا التبادل التجاري الكثيف والخصب خصوصا بين القرنين 14 و16 وتحديدا في مجالات الابداع الفني على انواعه.
واختلطت فنون البندقية بالفنون الاسلامية في الرسم والزخرفة والنحت ونفخ الزجاج وحفر المعادن والفنون التزيينية التي اشتهر بها الاسلام والسجاد والسيراميك ما انتج اعمالا تنطوي على قيمة عالية.
ويقدم المعرض نحو 200 قطعة مختلفة تنطوي على غنى كبير جاء بعضها من ايران وبعضها الآخر من القاهرة او من دمشق والقسطنطينية اضافة الى الاسكندرية وفي ذلك الكثير مما يدلل على انفتاح هذه المدينة الكبير على مدن الشرق.
ولا تظهر المعروضات فقط التأثيرات المتبادلة في اللغات الفنية المستخدمة لدى فناني البندقية وفناني الاسلام وانما ايضا كثافة هذا التبادل واستمراريته.
كما يظهر التأثر والتأثير المتبادلين في جملة من الفنون اضافة الى نقل المفاهيم والتقنيات ويظهر بجانب ذلك مواهب الفنانين والحرفيين الكبيرة وامتزاج كل ذلك بانشطة التجار والعلاقات الدبلوماسية.
ولم تنجح المواجهة الحربية بين المسلمين والعالم المسيحي على مدى قرون عديدة في التأثير على التجارة الرائجة في البندقية فقد ظلت المبادلات التجارية بين هذه المدينة وبلاد المشرق في منأى عن تأثيرات تلك الحروب بل ظلت على ثباتها واستقرارها حتى اثناء الحملات الصليبية.
وحتى حين صدرت اوامر من البابا الى اوروبا بوقف التعامل تجاريا مع العالم الاسلامي فان البندقية لم تعبأ بذلك واستمرت في التعامل مع الشرق الذي كانت تعتمد عليه اقتصاديا وهو ما يتضح في هذا المعرض.
وكانت البندقية تحولت باكرا الى عاصمة من العواصم ذات النفوذ العالمي بفضل التجارة والعلاقات الاستثنائية الخاصة مع بلاد الاسلام لتدخل الفنون الإسلامية عميقا الى ثقافتها فتشربتها واعادت انتاجها مضيفة عليها خصوصية محلية.
وبدأت البندقية المزدهرة تجاريا والثرية تتغطى بالقصور وتتحلى بالسجاد والحرير وقماش البروكار والمخمل القادم من تركيا والزجاج المصري والسجاد القادم عبر القوقاز والاعمال النحاسية السورية التي كانت تماثل بل تتفوق على مثيلاتها في اوروبا.
وبالرغم من ان معظم البضائع الاسلامية استمرت في الانتقال الى ايطاليا وما وراءها فإن البندقية حصلت على افضلها لتزيين كنائسها وقصورها كما تمكنت المدينة من استيعاب الجوهر الثقافي لتلك الواردات بحيث تحولت الى اكثر مدينة شرقية في اوروبا كما يتفق عليه الجميع.
وتبين لوحات الرسم المعروضة كم ان طريقة اللباس في البندقية كانت متأثرة بالزي التركي في ذلك الحين حيث كان قصر الدوجات يزدحم بوجهاء وتجار ارتدوا العمائم على الطريقة التركية القديمة وكما الباشاوات ارتدوا الطرابيش الحمراء العالية اكثر من الطربوش الشائع اليوم كما يظهر في لوحات المعرض.
وقد ظل الحرفيون والفنانون من مدينة البندقية لقرون عديدة يتبنون نماذج من الفن الإسلامي التي ادمجوها في اعمالهم وهو ما يتجلى ايضا في طريقة تجليد الكتب المتقنة وادخال المنمنات الى نصوصها.
ومن اشهر اعمال تلك الفترة لوحة الفنان جنتيل بلليني تعود للعام 1480 ورسمها للخليفة العثماني محمد الثاني وهناك لوحة اخرى ترجع الى اوائل القرن السادس عشر للخليفة سليمان القانوني مطبوعة على تاج من صنع صاغة من البندقية.
ومن اجمل لوحات المعرض لوحة لمريم العذراء تحتضن الطفل يسوع رسمها ستيفانو فينيزيانو عام 1369 وتحفل اللوحة برسوم شرقية مذهبة غاية في الاتقان والجمال وهي مختمرة بروح الزخرفة الاسلامية.
وسيستمر المعرض الذي افتتح في البندقية نهاية شهر تموز/يوليو لغاية 25 تشرين الثاني/نوفمبر وكان المعرض قدم في مارس/آذار الماضي في متحف متروبوليتان في نيويورك بعد تقديمه قبل ذلك التاريخ في معهد العالم العربي في باريس.