البنت عون أبيها .. قراءة في "ميراث أبي"

نجلاء محرم جمعت مجموعة من مقالات أبيها المتناثرة في الدوريات العربية الكبرى ونشرت بعض هذه المقالات في كتاب بعنوان "ميراث أبي".


الكاتبة تأمل أن تنشر ما تبقى من مقالات أبيها في كتاب آخر


نثمن الدور الإيجابي الذي تقوم به البنت نحو أبيها

يستظهر قارئ ثقافتنا العربية صورة مشرقة للبنت التي تكون عونا لأبيها الأديب أو المفكر، وهي عون له بالمعنى الذي تحفظ له مكانته في المجتمع الذي عاش فيه سواء أكان ذلك في حياته أم بعد وفاته. قديما نرى صورة ابنة عدي بن الرقاع الشاعر المعروف، وقد جاءه مجموعة من الشعراء في منزله مخاصمين له في الشعر ومتوعدين بالهجاء، وهو غائب، فخرجت ابنته تدافع عن أبيها الغائب، وتردهم بعد أن أفحمتهم: 
تجمعتم من كل أوبٍ وبلدةٍ ** على واحدٍ لا زلتم قرن واحد
وهذا لبيد العامري ألزم نفسه في الجاهلية والإسلام إطعام الناس عند هبوب رياح الصبا حتى تسكن (وهم أربعة ضرب بهم المثل: أقرى من مطاعيم الريح). وأرسل الوليد بن عقبة له بمائة من البعير تساعده على معروفه، وكتب إليه: 
أرى الجزار يشحذ شفرتيه ** إذا هبت رياح أبي عقيل 
فطلب من ابنته أن تجيبه وقد أعياه جواب الشاعر أو امتنع عن قول الشعر في الإسلام فأعانته ابنته:
إذا هبت رياح أبي عقيل ** دعونا عند هبتها الوليدا
أبا وهب جزاك الله خيرا ** نحرناها وأطعمنا الثريدا
أما الثالثة فهي  صورة ابنة حسان بن ثابت وقد أعانته على قول الشعر في ذات ليلة عنّ له الشعر فقال: 
مَتاريكُ أَذنابِ الحُقوقِ إِذا اِلتَوَت ** أَخَذنا الفُروعَ وَاِجتَثَثنا أُصولَها
ثم انقطع فلم يكمل فأجازته:
مَقاويلُ بِالمَعروفِ خُرسٌ عَنِ الخَنا ** كِرامٌ مَعاطٍ لِلعَشيرَةِ سولَها
فأكمل: 
وَقافِيَةٍ عَجَّت بِلَيلٍ رَزينَةٍ ** تَلَقَّيتُ مِن جَوِّ السَماءِ نُزولَها
فقالت:
يَراها الَّذي لا يَنطِقُ الشِعرَ عِندَهُ ** وَيَعجِزُ عَن أَمثالِها أَن يَقولَها
فقال حسان: لا أقول بيت شعرٍ وأنت حية، قالت: أو أومنك؟ قال: وتفعلين؟ قالت: نعم، لا أقول بيت شعرٍ ما دمت حياً. (الشعر والشعراء لابن قتيبة 1/307)
وردت هذه النماذج المضيئة في التراث العربي في سياق كانت المشافهة حكما فيه، وحفظته بعد ذلك كتب التراث. ولهذه النماذج نظائر في عصرنا الحديث والمعاصر، وهو عصر مختلف، عصر المطبعة والصورة – إن جاز هذا التعبير – ولم يكن غريبا أن تنهض البنت لتكشف للناس تراث أبيها، وهو تراث قد يشمل أوراقا مخطوطة أو مادة وثائقية أو ما شابه. وأذكر هنا الأستاذة كريمة زكي مبارك والأستاذة نهي يحيى حقي، وقد قامتا بأحسن ما تقوم به البنت نحو أبيها مما هو معروف ومتداول بين المثقفين وأهل الاختصاص.
ونتوقف – في هذه المقالة - أمام نموذج ثالث هو ما قامت به الأستاذة نجلاء محمود محرم الأديبة المعروفة التي جمعت مجموعة من مقالات أبيها المتناثرة في الدوريات العربية الكبرى مثل: الثقافة، والرسالة، والهلال. وبعض مقالات أخرى مخطوطة لم تنشر من قبل. ونذرت نفسها لجمع هذه المادة العلمية، وصنفتها، ونشرت بعض هذه المقالات في كتاب بعنوان "ميراث أبي" صدر عن  مركز نهر النيل للنشر والتوزيع بالزقازيق 2020، وتؤمل أن تنشر ما تبقى من مقالات في كتاب آخر.
وحددت دوافعها نحو ما تركه والدها الراحل محمود عبدالعزيز محرم (1920-2000) في مقدمة قصيرة تسبق المقالات بقولها: "وكأي وارث تساءلت: ماذا أفعل بهذا الميراث؟ و لم أجد غير طريق واحد، هو إيصال هذا العلم والأدب الرفيع إلى الناس، ليعود بهم الزمن إلى ذاك العصر المزدهر فكرا وبلاغة وتدقيقا وإخلاصا، فيروا نموذجا من الفكر الجاد الرصين، وحدائق من الكتابة الأدبية الراقية المبدعة، ويتعرفوا على مفكر أصيل منتم مدقق مخلص  فهذا علمك يا أبي صار علما غير مقطوع ينتفع به".

ميراث أبي
لقاء حول مركز نهر النيل الثقافي

وفقا لهذه الغايات الإنسانية النبيلة التي أشرنا إلى نماذج منها قديما وحديثا قامت نجلاء محرم بنشر الجزء الأول من ميراث أبيها الفكري محددة دورها على غلاف الكتاب (إعداد وتجميع)، ومعتزة – وحق لها هذا – بهذا الإرث فكان عنوان الكتاب دالا عليه مرتين في العنوانين الرئيسي والفرعي: (ميراث أبي – مقالات بقلم أبي). ويبدو أن مئوية الأب (1920-2020) كانت عاملا رئيسا في توقيت خروج الكتاب، ولم تكن المقدمة القصيرة إلا التفاتة البنت التي يجب عليها أن تكون عونا لأبيها في مماته، وقد أدركت ما لم تكن تدركه في حياته، تقول: "وفي هذا الكتاب بعض من الموضوعات والأبحاث التي عكف أبي على كتابتها، وأبدا ما كنت أتصور – وأنا بعد طفلة تدبدب وتلهو في جنبات بيتنا – أن نور مكتبة أبي المضاء ونحن نيام، واكتفاءه بثلاث ساعات من النوم، واستيقاظه قبل الفجر عاكفا على القراءة  والكتابة، ما كنت أتصور أن نتاج ذاك الجد.. سيكون هذه الدفاتر المكتوبة بخطه الجميل الأنيق، وأنها ستصير لي زادا لا ينقطع من الفخر، وميراثا قيما من العلم".
إذا نظرنا إلى مجموع ما كتبه محمود محرم فسنجد أنه يتخذ – في أغلبه – نمطين من الكتابة: الكتابة عن الأعلام، ومناقشة الكتب والمقالات حديثة الصدور. أما النمط الأول فيتضح من إشارة ابنته أن له كتابا أو ما يشبه البحث المطول عنوانه كما في هامش ابنته "شعراء من شعرائهم" وقد نشر منه عددا من المقالات المتتابعة بمجلة "الرسالة" تبحث في شخصية الشاعر عدي بن زيد. ويمكن أن نعد مقالة "الثلاثة الذين خلفوا" عن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية من هذا النمط. ونوهت محرم أن له مقالات لم تنشر بعد عن أبي العلاء المعري وجمال الدين الأفغاني وآخرين. 
أما النمط الثاني من الكتابة؛ فهو ما يتعلق بالعروض النقدية للكتب والمقالات الحديثة، وقد أتاح لنا كتاب "ميراث أبي" أن نتعرف على رؤيته النقدية لمجموعة من الكتب، منها: "كتاب الإسلام دين الفطرة والحرية" لعبدالعزيز جاويش (نشر رؤيته النقدية في مجلة الرسالة ديسمبر 1952)، وكتاب "السلام العالمي والإسلام" لسيد قطب (مجلة الرسالة يونيو 1952)، وكتاب "فارس بني حمدان" لعلي الجارم  (الثقافة أكتوبر 1945)، وكتاب "ابن القيم وموقفه من التفكير الإسلامي" للدكتور عوض الله حجازي (مجلة الهلال أغسطس 1973). ويضاف إلى ما سبق مطارحته النقدية لمقال محمد عبدالله عنان عن المرأة والحقوق الدستورية، ونشرها بعنوان الإسلام وحياتنا العامة (الرسالة يوليو 1952) . 
أشرنا إلى ست مقالات تضمنت كتاب ميراث أبي "الإسلام دين الفطرة والحرية، الثلاثة الذين خلفوا، فارس بني حمدان، الإسلام وحياتنا العامة، السلام العالمي والإسلام، الإسلام في الصورة الملائمة لروح العصر، عدي بن زيد العبّادي". وكان واسطة العقد لهذه المقالات مقال سابع عن "التذوق الأدبي"، وددت لو كان أول المقالات؛ لأنه كاشف – إلى حد ما - لرؤية محمود محرم في كتابته عن الأعلام والعروض النقدية للكتب. 
يبدو من تاريخ المقالات أن إنتاج الكاتب محمود محرم بلغ ذروته وهو في بداية عقده الثالث إذ نشر أغلب مقالاته في خمسينيات القرن العشرين، وإن ظهر له قبل ذلك بأعوام ما يبشر بقلم مشرق مفعم بالحيوية. أما وصفي لقلمه بمشرق فيؤيده هذه اللغة البيانية العالية التي تطوع اللغة لأهداف محددة، وبعبارات لا تزيد فيها. وأما وصفي لقلمه بأنه مفعم بالحيوية فيؤيده روح الشاب المتحمس الذي يشعر أنه صاحب هدف يسعى لتحقيقه، ويؤمن بما يكتب ويدافع عنه، وتشعر أنه يحب ما يكتب، ويكتب ما يحب. 
ظهرت أغلب هذه الكتابات في وقت كانت الثقافة المصرية متعددة المشارب ومتباينة في توجهاتها، وأتاح هذا التعدد والتباين صورا فكرية وسجالات نقدية أشاعت ازدهارا حقيقيا على مستوى الكتابة، وواصلت المجلات الثقافية ازدهارها الذي نما وتطور من بداية القرن العشرين. وحاولت مجلة "الرسالة" الاستمرار في المنافسة على ريادة المجلات الثقافية بمصر، وكان من مظاهر هذه الريادة أنها كانت منبرا للأكابر من المفكرين وقبلة يقصدها الكتاب الجدد. وهؤلاء الأكابر لم يكونوا على وتيرة واحدة؛ منهم من كان يرى التقدم في الاحتماء بالغرب، ومنهم من كان يرى التقدم في التمسك بالماضي، ومنهم من وفق أو لفق بين هذا وذاك. وهو ما يعني أن سعي كل فريق لتوطيد أفكاره وإقناع الآخرين بها لم يكن بالأمر الميسور. 
 ونحن إذ نثمن الدور الإيجابي الذي تقوم به البنت نحو أبيها في هذا المقال ندعو إلى قراءة نقدية مستمرة تصل ما قدمه الأجداد والآباء إلى الأحفاد مستثمرين الطفرة الكبيرة في أرشفة المجلات الأدبية والثقافية. 

أستاذ النقد والبلاغة بجامعتي القصيم وقناة السويس