البكتاشية والمسيحية.. وهم التَّحول العقائدي

أضرحة تتحول إلى ديانة مَن أستولى عليها

استولت البكتاشية على تدريجياً على المزارات الخاصة بالقبائل، وعلى الأماكن المقدسة للطرق الصوفية الأخرى، والشيء الأكثر طرافة، إنما هو طريقتهم المتبعة إزاء الكنائس المسيحية وقبور القديسين المسيحيين. فهم لايكتفون بالإصرار على أحقيتهم بالأماكن المسيحية وتأكيدها، بل يعودون فيفتحون أبواب أماكنهم المقدسة للمسيحيين كذلك. وإن هذا لأكثر شيء جدارة بالملاحظة، في عصر كان فيه المسيحيون، في الأراضي التركية، ينالون قدراً من الحماية من قبل الرأي العام أقل كثيراً من ذلك الذي ينالونه من الفرق الإسلامية الأصولية كالنقشبندية.

هذا، وقد بسط "جايكوب" القول تفصيلاً في مواطن الاتصال المتعددة بين المدرسة البكتاشية والمسيحية. والشاهد التاريخي الوحيد للدعاية البكتاشية الصريحة بين المسيحيين قررته الروايات والأخبار الخاصة بثورة "الشيخ بدر الدين" في "سيماو"، التي قامت مطلعَ القرن الخامس عشر، والتي حالت الحوائل دون اتصالها بفرقة الحروفية- البكتاشية، على الرغم من أنه لم يبقَ ثمة مكان لم تعلن فيه إعلاناً جلياً. لقد كانت في جانب منها ثورة دينية، وفي جانبها الآخر حراكاً اجتماعياً: إذ اشتمل بيانها على المبادئ التي تتبناها الحروفية-البكتاشية، التي تنص على المساواة الدينية بعدم التفريق بين الناس على أساس ديني، وعلى الملكية المشتركة للثروة. لقد احُتفي بالمهتدين الجدد من المسيحيين احتفاءً حارًّا، وأُصدر بيان تدور فحواه على أن أيَّ تركي مسيحي ينكر الدين الحق الصحيح، فإنه يعد هو نفسه كافراً. وقد استطاع بلاغ متقن يتصل بهذه المبادئ الثورية، حمله وفد من الدراويش، كسب تأييد راهب "كريتن" المقيم في "كيوس". إن هذه النزعات المسيحية المؤيدة للثوار أو المتمردين كان الأتراك قد تبينوها جلياً من خلال العقاب الذي فرَّقوه بين قادتهم، الذين كانو قد صُلِّبوا.

إن فكرة الحرية لا تحظى في مخيلة الجماهير إلا بقدر ضيئل من التأييد والقدرة على التوجيه. إذ تغدو العقيدة لدى العامة، سواء أكانوا مسيحيين أم مسلمين، ذات مكانة مرموقة من حيث كونها تجسيداً لمجموعة من النواهي؛ فدينهم العملي والحيوي "الذي يمارس ممارسة فعلية"، يتحدد بالطقوس والعبادات الخاصة بتقديس القديسين والأولياء والتبرك بهم، وهو يتطلب حوائج ولوازم مادية ملموسة تقتضيها هذه الطقوس والعبادات؛ وبخاصة القبور وبقايا الآثار المقدسة، وفوق ذلك كله المعجزات والخوارق، وذلك ليحفظ وجوده، ويقوي الإيمان به. وبهذا الطريق، طريق العبادات والطقوس، أحدثت الدعاية البكتاشية بين المسيحيين أعظم الأثر. وقد اتبعت الطريقة المولوية في "قونيا"، في العصور الوسطى، مسالك مطابقة أو مشابهة لتلك التي تبنتها البكتاشية لأغراض شبيهة بأغراضها، وذلك وفقاً للرأي الذي قررناه في مكان آخر من هذا الكتاب. فمن جهة، تُجعل المزارات الخاصة بالمسلمين ومقدساتهم "مبهمة الهوية"، أو تفتح أبوابها للمسيحيين كذلك، عن طريق إشاعة الأساطير والأخبار غير الموثوقة، التي تدور فحواها على أن الولي الذي يقدسه المسلمون على اعتبار كونه مسلماً، تحول إلى المسيحية تحولاً خفياً باطنياً، أو على أن ضريح هذا الولي إنما يشاركه فيه قديس مسيحي. ومن جهة أخرى، يفتح المسيحيون أبواب مزاراتهم ومقدساتهم للمسلمين لداعية التوحيد والمطابقة؛ أو "تعيين هوية القديس المسيحي على أنه هو الولي المسلم ذاته".

ويمكن أن نعبر عن هذه التدابير الثلاثة على وجه الاختصار، بهذه التعبيرات: "دعوى التحوُّل"، "التطفل والاستيلاء عنوة"، "التوحيد والمطابقة". وغالباً ما يعتمد المسلمون هذه الأخيرة، بخصوص الشخصيات التي يشوبها بعض إبهام. في "قونية أفلاطون"، نموذج معد ذو قدرة على إدماج القديسين المسيحيين على تباينهم.

إنه لأمر مألوف، في تركيا، أن يعتاد المسلمون والمسيحيون كلاهما زيارة أي مزار أو مكان مقدس حظي بسمعة حسنة لخوارقه ومعجزاته، ولا سيما في تلك الأجزاء التي يكون فيها مستوى الوعي أو المعرفة لدى الريفي، ومستوى الثقافة العامة متدنياً، وتلك التي يجهل الناس فيها التباين بين المسيحي والمسلم جهلاً شديداً. وقد وضعت هذه المصطلحات الثلاثة: "دعوى التحول"، و"التطفل أو الاستيلاء عنوة"، و"التوحيد"، التي تعبر عن الطرائق والمسالك المتبعة؛ لتبرز هذه الخاصية الجوهرية للاتصال الحادث بين الدينين، ولتقيمها على أساس منطقي.

إن فكرة التناسخ "وهي انتقال الروح بعد الموت إلى جسد جديد"، التي تندرج –غالباً- تحت مفهوم "التوحيد"، فإنه على الرغم من كونها أجنبية عن الفكر المسيحي الأرثوذكسي، غير أنها حاضرة حضوراً عميقاً في نماذج الإسلام الشيعية.

وقد يمكن اعتماد شخصية "الخضر" المتغيرة والمتبدلة، في "آسيا الصغرى"، نموذجاً لشخصيات الأولياء أو الآباء البكتاشيين. حيث يبجله المسلمون كلهم، ويجلونه بطريقة مبهمة، ويعينون هويته على أنه القديس جورج ذاته. وهو يحظى بمكانة متميزة لدى "القزلباش" الذين يخفون أو ينفون صلتهم بالبكتاشية، غير أنها صلة ثابتة تماماً. ويرى الأكراد منهم في "ديرسم" أن القديس الأرمني سيرجيوس هو ذاته الخضر، ولذلك فإنهم يحجون إلى كنائسه الأرمنية كما يحجون إلى مزارات الخضر. وبالمضي أقصى نحو الغرب، حيث يحظى القديس سيرجيوس بمنزلة أدنى من تلك التي يحظى بها لدى الأرمنيين، قد تكون الصلة التي يسلم بها المسلمون بعامة بين الخضر والقديسَين جورج وإلياس نافعة في بيان تغيُّر أو تبدل هذه الصلة وتداولها. وفي تكية "الشيخ علوان" في "بونتوس"، يبدو أن الخضر -من غير ريب- قد نسخ القديس ثيودور وحل محله، وهو يقاربه من حيث كونه فارساً شهماً وقاتل تنانين. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع -حتى الآن- أن نعزو، على نحو يقيني، إلى البكتاشية، حادثة التحويل أو النقل هذه من المسيحية إلى الإسلام، فإن هذا الموضع يقع تماماً في نطاق تأثيرها.

على أنه ثمة حوادث توحيد مثل هذه تشغل العامة، وهي أبعد غوراً في الإغراب، وأدخل في باب الجهل. فالأكراد القزلباشيون، الذين تربطهم بالأرمنيين –غالباً- صلات دم قوية، يجعلون "علياً" نظيراً للمسيح، والأئمة الاثني عشر نظراء للحواريين الاثني عشر، والحسن والحسين نظيرين للقديسَين بطرس وبولس. ولذا فإنه يغدو تحول غير المتعلمين أو الجهلة من المسيحيين عن مسيحيتهم، الذي تعضده دائماً مغريات مادية، يسيراً على نحو لا تمكن مقاومته، وذلك بفعل تأثيرات هذا النمط المجامل أو القادر على التكيف من الإسلام.