'البعيرات' في عيد الفلاح الذى لم يتذكره أحد

كتب ـ عبدالمنعم عبدالعظيم
صعيد الثورات

البعيرات إحدى قرى مركز الأقصر غرب النيل قد لاتلفت اهتمام أحد، فهى قرية صغيرة تتلاصق بيوتها الطينية فى ذعر ويحتضنها الجبل بحنان تعيش على زراعة القصب تتوارى خلف عيدانه العالية.
لم أكن أتصور أن هذه القرية الموحشة لها تاريخ سجلت فى صفحاته سجلا حافلا فى صفحة ناصعة من تاريخ النضال الوطني.
فالدور الذي لعبه فلاحو هذه القرية لا يقل عما لعبه الفلاحون أثناء ثورتهم المشهورة ضد الإقطاع في بهوت.
بل يكاد يشبه ثورة فلاحي زفتى وميت غمر أثناء ثورة 1919 حينما أعلنتا الاستقلال بقيادة المحامي الشاب يوسف الجندي، والتي لم تشتهر قصتها إلا بعد أن تناولها الفنان علي الكسار، بربري مصر الوحيد، وأحد أشهر أعلام الكوميديا المصرية في مسرحيته جمهورية زفتى.
وعلى عكس ما تصور كل من كتب عن الفلاح المصري، ووصمه بالاستكانة ونعته بالجبن وتملق السلطة.
كان الفلاح المصري، وخاصة فلاح الصعيد لا يقبل الضيم ولا يستكين لظلم.
فقد شهد الصعيد ثورات عارمة استطاعت من عنفها أن تستقل بالصعيد وتسلب الحكومة المركزية في مصر المحروسة، إدارته منذ غزو الهكسوس لمصر التي انتصرت عليهم بفضل رجال الصعيد بقيادة أحمس حتى العصر الحديث.
ولعل ثورة البعيرات هذه لم تكن الفريدة في ثورات فلاحي الصعيد، فقد كانت امتدادا نضاليا لما سبقها من ثورات.
تحدثنا كتب التاريخ عن الثورة التي قادها ابن الأحدب شيخ قبيلة عرك ضد ظلم المماليك، ونجحت في تحقيق استقلال الصعيد عام 1153.
وبعد ثورة الأحدب بمائة عام ثار الصعيد على جور المماليك أيضا فى عصر بيبرس الأول بقيادة حصن الدين بن ثعلب زعيم الهوارة وبنى سليم، ونجح ابن ثعلب في تحقيق الاستقلال للصعيد عام 1253 ولم يستطيع بيبرس أن يسترد سلطانه عليه إلا بعد خديعة بن ثعلب وشنقه.
وكذلك استقل أمير الهوارة همام الكبير بالصعيد من المنيا حتى أسوان بعد ثورة عاتية على حكم المماليك، وكوَّن بالصعيد ما يشبه الجمهورية استقل بحكمها أربع سنوات من1765 إلى 1769.
أيضا لم تستطيع الحملة الفرنسية أن تحتل الصعيد، وذاق الجنرال ديزيه الأمرين على يد الصعايده في كل مكان حل به فى الصعيد.
أما ثورة البعيرات فوقعت أحداثها في عصر محمد علي ما بين عامي 1822 و1823 عندما أحس فلاحوها، بمدى الظلم الذي وقع عليهم من السخرة والتجنيد الإجباري والضرائب الباهظة، حتى نضبت مواردهم وجفت ينابيعهم وهددهم الموت والمرض، عندما استولى محمد علي الكبير على أراضيهم ومصادر رزقهم وقوتهم وأصبح المحتكر الوحيد لمحاصيلهم، فقام مئات الفلاحين المسلحين من أبناء القرية بمهاجمة مقر الحامية المحلية واستولوا على السلطة وأعلنوا استقلالهم، وأقاموا حكومة منهم تدبر شئونهم وتنظر في أمورهم وتحمي انتفاضتهم.
وامتدت الثورة من "البعيرات" لتشمل أرمنت وإسنا وأسوان.
ولم تستطيع السلطة إخماد لهيبها إلا بعد تطويق وإحراق قرية "البعيرات" وذبح ثوارها بقيادة ضباط أتراك.
قصة هذه الثورة تناولها في دراسة انثربولوجية عن الفلاح المصري المستشرق الفرنسي كريشفيلد نشرها عام 1978 في كتاب بعنوان "الشحات مصر"، والشحات هو الشخصية المحورية التي الذى تصوره الباحث زعيما لهذه الثورة.
ولعلني أدعو جامعة جنوب الوادي لبحث هذا التراث وتحقيقه وجمعه اهتماما بهذا التراث الخالد الذي أهمله مؤرخو العاصمة.
أعود إلى جمهورية البعيرات التي سبقت جمهورية زفتى، والتي سجلت هذه الصفحة الناصعة في تاريخ النضال الوطني من أجل كرامة الإنسان، وحقه في حياة كريمة ضد التسلط والصلف والعنف والبغي.
وأهدي هذه الصفحة للدكتور سمير فرج رئيس المجلس الأعلى لمدينة الأقصر كى يتبنى إحياء ذكرى هذه الملحمة الخالدة في صفحات النضال الوطني. عبدالمنعم عبدالعظيم محمد
الأقصر ـ مصر
Monemazim2007@yahoo.com