البعد الفلسطيني سبب الانتشار والانحسار لإخوان الاردن

القضية الفلسطينية ظلت حاضرة في اركان الخطاب السياسي للجماعة وفي القاعدة العريضة من الاردنيين ذوي الاصول الفلسطينية لكنها ادت في النهاية الى تفكيك الجماعة بعد ان كرّست نفسها لقضايا غير اردنية.


احتجاجات لم يشارك فيها الاخوان لكنهم قطفوا ثمارها


ماذا لو تشكلت 'حكومة فلسطينية اسلامية' لقيادة الاردن


إسلاميون فلسطينيون أسسوا الجماعة رسميا في الاردن عام 1946

مثلما كان للبعد الفلسطيني الدور الحاسم في انتشار دعاية الاخوان وزيادة شعبيتهم في الاردن حتى اواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كان هذا البعد يحمل ايضا في طياته الاسباب التي ادت الى تفكك الجماعة وانحسارها على المستوى الوطني.
ومنذ إنشاء جماعة الاخوان المسلمين في الاردن منتصف الاربعينات من القرن الماضي، ظل البعد الفلسطيني حاضرا بقوة، سواء في اركان الخطاب السياسي للجماعة او في القاعدة العريضة من المواطنين الاردنيين ذوي الاصول الفلسطينية الذي يمثلون حوالي نصف سكان المملكة.
تأسست الجماعة رسميا في الاردن عام 1946 على ايدي مجموعة من الاسلاميين الفلسطينيين كأحد فروع تنظيم الاخوان الذي أنشأه حسن البنا في مصر عام 1928.
وحيث تكرر دائما جماعة الاخوان في الاردن بأنها "أقدم من المملكة"، فقد وقفت فعلا الى جانب الحكومة في لحظات مفصلية كادت ان تطيح بنظام الحكم في الاردن.
وبعد ان اتخذت شعبية الجماعة نسقا تصاعديا على مستوى الشرق الاوسط في اعقاب حرب 1948 ومع حالة التعبئة العامة في القضية الفلسطينية وضم الضفة الغربية للمملكة في 1951، ازداد انخراط "الغرب اردنيين" في السياسة شرقي النهر.
وكانت هذه السنوات كفيلة بترسيخ وجود جماعة الاخوان وتقوية شوكتهم حين وقفوا الى جانب النظام في اخطر فترات المد القومي والناصري التي بلغت ذروتها مع احباط محاولة انقلاب قادتها قوى يسارية ثم استقالة حكومة سليمان النابلسي "الاشتراكية" عام 1957.
مرة اخرى في 1970 او ما تسمى "احداث ايلول" عندما اراد الفدائيون الفلسطينيون اسقاط حكم الملك حسين بن طلال بالقوة لتأسيس دولة فلسطينية، لم تستطع الجماعة دعم النظام لكنها وقفت على "الحياد" من الاحداث التي اعتبرتها "فتنة وقتالا بين طرفين مسلمين"، وكان هذا كافيا للحكومة التي استطاعت في نهاية المطاف طرد الفصائل الفلسطينية المسلحة وحظر نشاطها.
وحتى في اوج "الربيع العربي" في 2011 وحولها، التزم اخوان الاردن بالدعوة الى "إصلاح النظام"، في تمايز واضح عن الدعوات التي شهدتها بلدان مجاورة وطالبت باسقاط الانظمة على غرار ما حدث خصوصا في مصر وسوريا وتونس.
حين تبلورت اوضاع الاخوان في الاردن باعتبارهم الواجهة السياسية للاردنيين من اصول فلسطينية، كان واضحا ان هامش التحرك على المستوى الوطني يضيق على الاخوان الذين يديرون منذ عقود برامج اجتماعية و"خيرية" واسعة النطاق في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث الكتلة الناخبة الرئيسية لجماعة الاخوان.
لم يشارك الاخوان في احتجاجات 1989 أو "احداث مَعان" التي قادت الى تطبيع الحياة السياسية وعودة البرلمان، لكنهم شاركوا في الانتخابات التي تلت الاحداث وحققوا أكبر فوز في تاريخهم.
 واندلعت الاحتجاجات انذاك في مَعان وباقي جنوب الاردن وامتدت الى مناطق اخرى، حيث السكان من الشرق اردنيين، في حين يتركز ثقل الاخوان في اكبر مدينتين اردنيتين، العاصمة عمان والزرقاء، وهما اللتان تضمان العدد الاكبر من "الغرب أردنيين" ولم تشهدا اي تحركات احتجاجية.

تغير قيادات الجماعة وتبدل العلاقة مع الحكومة ثم الانشقاقات، كله افضى الى وضع الاخوان في حجم جديد عليهم ان يعتادوا عليه

لم يشارك الاخوان ايضا في احتجاجات 1997 او ما سميت "ثورة الخبز" التي قامت في مناطق الشرق اردنيين. وفي تلك السنة قاطع الاخوان الاقتراع البرلماني اثر تعديل قانون الانتخاب الذي اعتبروه يصب في مصلحة العشائر في المحافظات ذات الكثافة السكانية القليلة مقارنة بعمان والزرقاء.
ظهر التداخل جليا خلال تسعينيات القرن الماضي بين اخوان الاردن وحركة حماس الوليدة كفرع للاخوان في فلسطين، الى ان قررت الحكومة اغلاق مكتب حماس في الاردن وترحيل قياداتها في 1999.
مذذاك وضعت الحكومة وأجهزتها جماعة الاخوان تحت مجهر الارتباطات الخارجية، ان كانت بحركة حماس او بمرشد الجماعة في مصر. هذه الارتباطات التي ظلت الحكومة الاردنية قبل ذلك تغض الطرف عنها واحيانا تتقبلها.
ازداد توجس الحكومة الاردنية من تأثير جماعة الاخوان بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006. وحتى هذا التاريخ كان لا يزال في جماعة الاخوان في الاردن قياديون محسوبون على حماس.
كان محور مظاهرات "إصلاح النظام" التي قادها الاخوان في غمرة "الربيع العربي" تدور في الواقع حول تغيير النظام الى ملكية دستورية وحكومة منتخبة، وهو ما لم يكن ممكنا ان يتحقق. والحال ان الشرق اردنيين يعرفون ان هذا يعني "تشكيل حكومة فلسطينية لقيادة الاردن".
تحمست جماعة الاخوان لتصدر الاسلاميين المشهد السياسي في اكثر من بلد عربي، وراودتها فكرة الحكم اكثر من اي وقت مضى، لكن تغير قيادات الجماعة وتبدل العلاقة مع الحكومة ثم فيما بعد الانشقاقات، افضى الى وضع الاخوان في حجم جديد عليهم ان يعتادوا عليه.
يدرك النظام جيدا الاعتبارات الاجتماعية والديمغرافية للتوجه نحو الحكومة المنتخبة، لكن لا يمكن الفصل بين الجماعة ونفوذها في المناطق التي تضم اردنيين من اصل فلسطيني.
في غير مصلحة الجماعة هذه المرة، يعود البعد الفلسطيني والارتباط الخارجي للاخوان الى الواجهة. اذ بعد سنتين فقط من اندلاع الربيع العربي انشقت مجموعة من قيادات الاخوان عن الجماعة واعلنت ما تسمى "وثيقة زمزم"، التي تنادي خصوصا بالالتفات الى الشأن الاردني، حين كانت الجماعة منشغلة اكثر بالقضايا الاقليمية.
جاءت الضربة الثانية لجماعة الاخوان في 2015 حين قام حوالي 50 اخوانيا بانشاء "جمعية الاخوان المسلمين" ووافقت السلطات على ترخيصها برئاسة المراقب السابق للجماعة عبدالمجيد الذنيبات، الذي اخذ ايضا على "الجماعة" انفصالها عن القضايا المحلية.
 لا تزال الجماعة تتعرض باستمرار لتساؤلات ومشاعر ريبة حول مدى "أردنيتها" واهتمامها بالمسائل الوطنية الكبرى والسعي نحو الحكم من خلال خطابها السياسي في المجتمع الاردني المحافظ على وجه العموم.