البعد السياسي للتجديد الحضري في المدن التركية

تسعى تركيا اليوم في عهد حزب العدالة والتنمية الى العمل على استثمار كل الفرص المتاحة امامها، من اجل اقناع الاتراك بان هذه الحكومة هي افضل من سابقاتها التي تخلت عن ادارة ملفات مهمة ذات تماس مباشر بحياة الفرد التركي. ومن بين هذه الملفات تأتي الزيادة السكانية وما رافقها من تسارع وتيرة اعداد السكان في المدن على اعتبار انها من القضايا التي يسعى اردوغان الى التركيز عليها، خاصة وانها قد تتحول الى احد الدعائم المهة له في تحقيق مبتغاه الخاص بتقليل الضغط الذي يمارسه الداخل التركي عليه شخصيا بفعل سياساته الانتهازية في كل من العراق وسوريا، كما قد تتحول هذه القضية ايضا الى عنصر مهم في إستراتيجية الاعداد للانتخابات التركية القادمة التي يحلم فيها اردوغان بالنصر لحزبه وبتوليه على الاقل لمنصب الرئيس بمزيد من الصلاحيات التي سيضمن تحقيقها اذا ما نجح في تعديل بعض فقرات الدستور التركي لصالحه.

وضعت تركيا لمواجهة المشكلات الحضرية المتنامية فيها خطة مستقبلية مهمة عُرفت بإستراتيجية التطوير الحضري التي يؤمل الانتهاء من تطبيقها بالكامل في العام 2023، وهي تقوم بالاساس على فكرة مواجهة الفقر وما يدعى بالتهرؤ الاجتماعي والسكني الذي تعاني منه المدن التركية، فضلا عن مواجهة مشكلات البطالة والضعف في الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة التركية عبر اعادة تقويم شاملة لموضوع التخطيط الحضري فيها، وهنا قال رئيس الوزراء التركي بتاريخ 6-4-2013 بهذا الخصوص مايلي "أن هذا المشروع يهدف إلى هدم كافة المباني غير القابلة للترميم والإصلاح، وتشييد أخرى أكثر رفاهية وأكثر حداثة لتواكب العصر الحديث بكافة إمكانياته الموجودة في كل أنحاء العالم، مؤكدا بان هذا المشروع يهدف الى بناء منازل حضارية يشار إليها بالبنان في كافة أنجاء العالم وتليق بالشعب التركي لأنه يستحق أكثر من ذلك. وأوضح أردوغان أنهم يهدفون من خلال هذا المشروع إلى هدم وإعادة تشييد 200 ألف بناية في العام الحالي و400 ألف أخرى بحلول نهاية العام". وهي بالتاكيد خطوة ايجابية لاعادة انعاش دور المدينة في تركيا ومايمكن لها ان تقدمه من خدمات لسكانها، خاصة وان تركيا بلد سياحي يعتمد على مايمكن لمدنها ان تقدمه من تسهيلات لجذب مزيد من الدخل الناجم عن نشاط السياحة المتنامي فيها. لذا فان هذه الخطة لا تخلو من ابعاد ذات فائدة حقيقية على الصعيد المجتمعي، لكنها بالمقابل لا تعبر الا عن ضرورة مُلحة تقف اليوم كتحدٍ يواجه حكومة اردوغان في ظل الانتقادات التي توجهها المعارضة لها في هذا الخصوص.

لقد اكدت العديد من الجهات التركية المعارضة لتوجهات حزب العدالة والتنمية والمشككة بالكثير من القرارات الاستراتيجية التي يتخذها اردوغان على الصعيدين الداخلي والخارجي، على عدم جدوى هذه الخطة في تحقيق الاهداف المرسومة من اجلها والتي لاتعد سوى كونها ذريعة لاضفاء مزيد من الرؤية الاردوغانية على البنية الحضرية والعمرانية للمدن التركية في مقابل اهمال اوضاع الريف، لذا نجد بان احدى هذه المجموعات تخاطب اردوغان في قلب اسطنبول بالقول "سوف لن نسمح بتنفيذ مشروع تقطيع اوصال اسطنبول عبر اعادة التجديد الحضري فيها، ان مسارح المدينة وشواخصها الحضرية ملك لنا". في حين شهدت ذات المدينة في اوقات سابقة العديد من الصدامات مع الشرطة التركية في حالة من التعبير عن الهيجان الشعبي ضد خطة التجديد الحضري التي اعلنها اردوغان، لكونها تحمل في نظر العديد منهم ابعادا اخرى لا تريد قيادات حزب العدالة والتنمية الاعتراف بها بشكل علني للجمهور التركي.

يبدو ان اردوغان الباحث دوما عن دور اكبر ليلعبه في الساحات الشرق اوسطية، لم يعِ بعد حقيقة ان الكثير من المجموعات التركية يصعب ادلجة تفكيرها اردوغانيا عبر الاعتماد على وسائل الاعلام التي تروج لخطاباته ورؤاه الشخصية، الى الحد الذي بدأ فيه يعلن صراحة عن تذمره من الدور السلبي للاعلام في تركيا لكونه يفشل بشكل متكرر عن لعب ذات الادوار التي تلعبها وسائل مشابهة في العديد من الدول العربية حيث تسهم بشكل كبير في اسقاط رؤية الحاكم كقناعة مسلم بها لدى اعداد كبيرة من السكان فيها. لذا يجد اردوغان نفسه اليوم امام مأزق المواجهة في هذه النقطة الحرجة مع الجماهير المعارضة لهذا التوجه الذي قد يقلل من فرصه الانتخابية القادمة، الامر الذي دفعه الى الاعلان صراحة عن العلاقة التي تجمع مابين مشروع اعادة التجديد الحضري للمدن التركية الكبرى وفكرة محاربة الارهاب في ظل تأكيده على العلاقة الطردية المتزامنة بين تزايد المشكلات الحضرية وتصاعد وتيرة العنف في تركيا منذ الثمانينات من القرن الماضي. وهو على اقل تقدير اراد ان يلقي بالكُرة مجددا الى ملعب الجهات المعارضة كي يجبرها على اعادة النظر في مواقفها من هذا المشروع، مما يدعونا الى التساؤل عن البعد السياسي الكامن وراء تلك الاستراتيجية الحضرية التي يسعى اردوغان الى تطبيقها منذ الان؟

لم يكن البعد السياسي غائبا عن موضوع الاستراتيجية الحضرية المفترض انجازها في المستقبل، بقدر ما يبدوا مثل هذا البعد غير واضح المعالم نوعا ما لمن لايهتم بالشان السياسي في مقابل التركيز فقط على البعد الحضري لهذه الاستراتيجية. وهو امر بدأ التركيز عليه (بشكل عام) مؤخرا في العديد من الادبيات الخاصة بهذا الموضوع، حيث بات اليوم من المعتاد ان نقرأ عن الجغرافية السياسية للمشكلات الحضرية وبالطريقة التي تُبرز هذه الفكرة كموضوع متميز للدراسة في الدول التي تعاني من اضطرابات داخلية مستمرة كما هو الحال في تركيا ذاتها. لذا اصبح من الضروري التاكيد على تفحص حقيقة هذا البعد كما يراه اردوغان والكثير من القيادات المؤيدة له في توجهاته الحالية وبخاصة في صفوف حزبه الحاكم.

في هذا الصدد قال اردوغان بتاريخ 6-4-2013 في المؤتمر الذي عقده بمناسبة البدء بتطبيق خطوات المشروع في بعض الاحياء التابعة لمدينة اسطنبول ما يلي "في الوقت الذي يقوم فيه جنودنا بمحاربة الارهاب في الاقسام الشرقية من البلاد، لم تقم الحكومات السابقة باي شيء يُذكر لمعالجة مشكلات الفقر والبطالة التي استغلها الارهاب بشكل كبير. لقد اغلقوا اعينهم على موضوع الهجرة الى المدن الكبيرة التي نمت فيها المنازل الصغيرة. لذا اصبح موضوع التوسع الحضري في المدينة من المدخلات الاساسية التي تقود الى تشكيل نطاقات لانتشار العنف ولتوفير الملاذات الامنة للارهاب". والمجموعة المقصودة بهذا الوصف هي بالتأكيد حزب العمال الكردستاني الذي عادة ما يوصف من قبل الحكومات التركية بأنه منظمة ارهابية، اذ تمكن هذا الحزب وخلال سنوات صراعه الطويل مع هذه الحكومات من العمل على استقاطب تعاطف العديد من الاجيال الشابة في المدن التركية الكبرى، التي تحولت العديد من احياءها اليوم الى دوائر انتخابية شبه مغلقة للمعارضة التركية يصعب على حزب العدالة والتنمية اختراقها او تفكيك اواصر التماسك الاجتماعي بين عوائلها التي عادة ماتنتمي الى نسيج اجتماعي متقارب. لذا يفكر اردوغان جديا باستغلال فكرة التجديد الحضري من اجل العمل على خلخلة البنية الاجتماعية لهذه الاحياء التي سيزحف باتجاها مشروع التجديد الحضري خاصة وان هذا المشروع لم يخلو من امكانية اعادة تشتيت وتوزيع العديد من العوائل القاطنة في بعض الاحياء وكذلك العمل على اعادة تشكيل الوظيفة الاقتصادية لها عبر شمول نطاقاتها المختلفة بخطة التجديد الحضري تلك وبالطريقة التي تقود الى حدوث تغيير في طبيعة تركيبتها الاقتصادية، وهو ما سيقود بالمحصلة الى اقتلاع جذور حزب العمال الكردستاني من تلك المدن في حال نجح اردوغان بتطبيق استراتيجيته تلك، كما سيقلل من ضغط القوى المعارضة وفرصها في الانتخابات البرلمانية القادمة.

البعد السياسي لرؤية اردوغان للتجديد الحضري للمدن التركية الكبرى يكمن في كيفية العمل على عزل شبكات الدعم المجتمعي لحزب العمال الكردستاني في المدن التركية الكبرى، وهو بعدٌ يحاول من خلاله اردوغان اضفاء مزيد من التنكر للمسؤولية الاخلاقية التي يجب على حكومته تحملها ازاء السياسات التي انتهجتها الحكومات السابقة في بلاده ضد الكورد في القرى والارياف التي كانوا يسكنونها بشكل كبير، اذ تشير الاحصائيات التي صدرت من جهات ومنظمات غير حكومية الى ان تركيا نفذت ومنذ الثمانينيات العديد من الحملات التعسفية الرامية الى ترحيل العوائل الكردية من تلك القرى الى المدن الكبرى مع التاكيد على ان لا تتجاوز نسبهم 10% من السكان في الاماكن الجديدة.

الا ان زيادة معدل الولادات في تركيا مع استمرار سياسات الترحيل تلك، قد اسهمت في اضفاء ابعاد جديدة على المشكلة بالطريقة التي تجعل من اهمالها مصدر تهديد لاردوغان وحزبه مستقبلا خاصة وان البعض من احياء هذه المدن قد تحولت الى قلاع انتخابية محصنة للمعارضة لايمكن لحزب العدالة والتنمية ان يجد له فيها اي موطيء قدم. لذا فان النقد الذي وجهه اردوغان لمن سبقوه في ادارة البلاد، لا يشير في حقيقته الا الى تضليل دعائي جديد يحاول من خلاله القفز على حقيقة اعادة تطبيق هذه السياسات مجددا تحت تسمية التجديد الحضري، لكن باختلاف مكاني مهم يتمثل في تطبيق هذه الرؤية في المدن بدلا من القرى التركية، ليبقى بذلك مستقبل الصراع التركي - الكردي محملا بالمزيد من المعطيات ومفتوحا على كل الاحتمالات التي تخالف نبرة التفاؤل التي افرزتها التفاهمات الاخيرة بين اردوغان وقيادات حزب العمال الكردستاني.