البعد الثالث في أدب رحلات مصطفى عبدالغني

كتب ـ أحمد فضل شبلول
لابد من بغداد ولو طال السفر

هذا كتاب مغاير في أدب الرحلات، وليس المقصود منه وصف الرحلة والمكان والناس في المطارات والشوارع، والحديث عن انطباعات الكاتب عن تلك المدينة أو غيرها، وكم ساعة قطعها ليصل إلى تلك البلدة، وكيفية التفاعل مع آثارها ومناخها وطبيعتها الساحلية أو الجبلية أو الريفية أو الصحراوية، وما إلى ذلك.
ولكن ما يريده د. مصطفى عبدالغني في كتابه الجديد "مشرق ومغرب"، الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية وجاء في 336 صفحة، والذي وصفه بأنه من أدب الرحلات، هو البعد الثالث لهذا النوع الأدبي، أو البعد الفكري والمعرفي (الأبستمولوجي)، فهو أدب رحلات فكرية وثقافية من خلال المشاركة في عدد كبير من المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية في مشرق العالم ومغربه، مفتتحا كتابه بالآية القرآنية الكريمة {ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله) البقرة: 115.
وعلى ذلك فإن رحلة عبدالغني تحمل الهم الجمعي عبر الترحال بين المشرق والمغرب، بعيدا عن التفسيرات التقليدية للرحلة.
قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام، الأول: قبل عاصفة مانهاتن (11 سبتمبر/أيلول الشهير) والقسم الثاني: بعد عاصفة مانهاتن، والقسم الثالث والأخير رحلة إلى فيينا عبر الواقع الافتراضي. لابد من بغداد ولو طال السفر في القسم الأول نراه يطير إلى بغداد (لابد من بغداد ولو طال السفر) ليشارك في مهرجان المربد الخامس عشر، وقد ذهب إليها برا من عمان وقت الحصار، وقبل الاحتلال، "لابد من اجتياز الصحراء العربية القاسية للوصول إلى بغداد ولو طال السفر."، ولاحظ المؤلف أن ثمة كسرا في الروح العراقية الشابة، وأن فترة المحنة لن تنتهي، وأخبره شاب عراقي أن "ما يحدث الآن للعراق لن ينتهي."
ومن العراق إلى تونس مؤكدا أثناء مشاهدته لمسلسل "الفوارس" بالقناة السابعة الرسمية أن ما يسهل مهمة القوى الكبرى في الماضي أو الحاضر، هو ضعف العرب وتفككهم، متسائلا من قتل فرحات حشاد في تونس في 5 ديسمبر/كانون الأول 1952؟ ومن قتل حسن البنا في مصر، والمهدي بن بركة في فرنسا، ومن قتل أحمد عبدالعزيز في فلسطين؟، مشيرا إلى غياب الوثائق العربية في أكبر مؤسسة عربية، ويقصد جامعة الدول العربية.
ومن تونس إلى باريس لحضور مائدة مستديرة في معهد العالم العربي بمناسبة مرور ثلاثين عاما على رحيل جمال عبدالناصر، ويلاحظ أن المائدة تحولت إلى شبه تظاهرة عربية تشير إلى زمن قومية عبدالناصر وكفاحه ضد الإمبريالية. ملف الترجمة والمستشرقون الجدد وفي معظم هذه الرحلات يتعرض إلى قضايا جد مهمة منها قضية العامية والترجمة إليها التي فتح ملفها د. مصطفى صفوان وخصص لها المؤلف صفحات عدة لمناقشتها، مشيرا إلى أن الاعتماد على العاميات من شأنه تفكك الأمة العربية، وعند الترجمة إليها يؤكد أن الترجمة إلى العامية المصرية تعني تحديدا الترجمة إلى عامية القاهرة، على الرغم من وجود عاميات كثيرة في مصر، عاميات في الشمال وعاميات في الجنوب، بما يستحيل معه توحيد عامية واحدة، علاوة على صعوبة انسحاب هذه العامية إلى العالم العربي.
كما يتعرض إلى ما أسماه "المستشرقون الجدد" الذين يترجمون عنا، والسؤال: ماذا يترجمون؟ مؤكدا أن الغرب لم ينقل عنا إلا أشياء تسئ إلى صورتنا، وهو ما يفسر تفضيل أعمال عربية معينة تتناول قضايا مثل المرأة والختان والإرهاب والأصولية وتقديمها على شكل طعوم فلكلورية، فهم يترجمون ما يريدونه.
ويشير المؤلف إلى أن رواية إحدى كاتبات التيار النسائي تثير ضجة في الجامعات الغربية والأميركية بسبب تصويرها للختان، مؤكدا أن التزييف الذي تتعرض له الثقافة العربية، يتم في أحيان كثيرة داخل البيت العربي، وليس خارجه.
وفي مؤتمر حضره المؤلف في عمان بالأردن بدعم أميركي حول الاستشراق والمستشرقين العرب، يتساءل: ما سمات المستشرق العربي؟ مؤكدا في إجابته أن أكثر سمات المستشرق العربي هو عدم اهتمامه بالعربية، وذلك بعد أن لاحظ أن كل من يلقي ورقته في هذا المؤتمر كان يلقيها بالإنجليزية، ويرى أن الاستشراق هو عولمة التاريخ العربي المعاصر، وأن المستشرقين العرب يؤدون رسالة المستشرقين الغربيين بلسان عربي مبين.
وهو ما دعا د. عبدالحليم عويس في مؤتمر عن الدراسات الاستشراقية في وهران بالجزائر، لأن يقول بصوت جهير إن الاستشراق أذكى وأطهر من هؤلاء المستشرقين العرب، مع الإشارة إلى بحث بعنوان "أثر الاستشراق في استغراب الفكر العربي ـ سلامة موسى نموذجا".
ويتلقى المؤلف في رحلة الجزائر سؤالا يقول "أليس من الخطر الكبير أن نترك مكتبة جاك بيرك في الجزائر؟"، وعندما حاول الفهم أجاب المتسائل "لأن أفكاره خطر، يا أستاذ." ما بعد عاصفة مانهاتن هكذا تمضي الرحلة الفكرية بالمؤلف قبل عاصفة مانهاتن، أما بعد العاصفة فيشير إلى رحلته بين المنامة وعمَّان، ويتحدث عن الوعي اليهودي الذي وصل في عنصريته الآن إلى أقصاه، ومن يحاول أن يراجع المناهج الدراسية الصهيونية أو التعليمات التي تلقى للجنود الذين يرتكبون المجازر اليومية ضد الفلسطينيين يدهش، بل ويعجب أشد العجب من درجة العنصرية ودرجات الكراهية التي تصنع ضدنا بشكل يكاد لا يصدق بأية حال.
ويشير المؤلف بذكاء إلى عبارة تكتب على خوذات الجنود الإسرائيليين تقول "جئت لأقتل".
وفي المقابل يرى المؤلف أن الوعي الثقافي العربي هو كل ما تبقى لنا بعد التعدد السياسي، والتبدد الاقتصادي، وحتى التجدد العقيدي تحت أيديولوجيا يمكن أن تعصمنا من الرياح التي تهب علينا من كل جانب.
ويشير إلى أن الحالة المصرية والأردنية تشبه الوضع الخليجي في علاقته بواشنطن، فهناك علاقات إستراتيجية مؤسسة على مصالح متشابكة ومقننة باتفاقات ملزمة، الأمر الذي أدى إلى تصرف كل قطر عربي بشكل منفرد وبمعزل عن الآخر، فالواقع هو الذي يعكس الموقف / المواقف العربية اليوم. عسكرة العولمة وانعكساها على الكتابة الروائية وفي رحلة تالية إلى الكويت يتحدث المؤلف عن عسكرة العولمة بعد 11 سبتمبر، الأمر الذي ينعكس على حالة النص الروائي بعد هذا التاريخ، فالجيل الأخير من كتاب الرواية لم يستطع أن يعبر عن ذاته، داخل النص وخارجه، قط اللهم إلا بهذه الحيرة الملتبسة بالإحباط وخيبة الأمل والخواء.
وفي رحلة تونسية يتأمل عبارة مؤداها دعوة المثقف للعمل مع النظام، دون أن يكون عميلا له، لكي يستطيع أن يتعاون مع النظام، وفي الوقت نفسه يقوم بدوره التنويري ليحدث التغيير.
ورحلات أخرى بين كازابلانكا والكويت والرباط متأملا الصورة السريالية العربية من الكويت إلى الرباط، معبرا عن غياب الأبيات التي كنا نرددها صغارا (بلاد العرب أوطاني).
وينهي د. مصطفى عبدالغني كتابه في أدب الرحلات الفكرية برحلة الواقع الافتراضي إلى فيينا، وهي لا تشبه رحلات عبدالحميد بسيوني في كتابه "رحلات سندباد الإنترنت" وإنما هي رحلة عبر البريد الإلكتروني تصور معاناة المؤلف في محاولة الحصول على تأشيرة من القنصلية النمساوية بالقاهرة للمشاركة في مؤتمر حول الحوار العربي الأوروبي، ورغبة الطرف الأوروبي في إرسال محاضرة المؤلف لتقديمها إلى الجهات المعنية قبل وصوله إلى فيينا.
ويرفض المؤلف هذا الإجراء، وتتعطل التأشيرة بدون ذكر الأسباب صراحة، على الرغم من توفير كل الأوراق والمستندات التي طلبتها السفارة النمساوية، ليؤكد بذلك على تعطل الحوار العربي الأوروبي. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية