البعث العربي الاشتراكي، وداعا

بقلم: إبراهيم الزبيدي

منذ تأسيسه في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي، ومن أيام البعثيين الرواد الأوائل، وقبل أن يغتصب السلطة لأول مرة في انقلابيْ شباط/فبراير في العراق، وآذار/مارس في سوريا عام 1963، كان حزب البعث يبشر، وبكل اعتزاز ومباهاة وفخر، بأنه حزبٌ انقلابيٌ لا يؤمن بتداول السلطة إلا بالانقلاب وبقوة السلاح.

فالفقرة 6 من مبادئه الأساسية تقول:

"إن حزب 'البعث العربي الاشتراكي' انقلابي يؤمن بأن أهدافه الرئيسية في بعث القومية العربية وبناء الاشتراكية لا يمكن أن تتم إلا عن طريق الانقلاب والنضال، وإن الاعتماد على التطور البطيء والاكتفاء بالاصلاح الجزئي السطحي يهددان هذه الأهداف بالفشل والضياع".

والفقرة 5 تعلن صراحة عن عصبية شوفينية صريحة لا تقبل التأويل، حيث تقول:

"الوطن العربي للعرب، ولهم وحدهم حق التصرف بشؤونه وثرواته وتوجيه مقدراته."

وكان طبيعيا وغير مستغرب أن تستقطب هذه العصبية القومية العدوانية التي تتلبس الفكر البعثي من جذوره، وتضع سياسات الحزب ومخططاته وتصرفاته، ليس الشباب الصداميين الصغار من طلبة المدارس والجامعات، فقط، بل اجتذبت، وبشكل مخيف، أغلبَ ضباط الجيش اليافعين، أيضا، وخاصة أؤلئك المتميزين بالعدوانية والقسوة والميالين إلى استخدام العنف، أو التهديد به، وسيلة ً للتعامل مع الآخرين.

وما ارتكبه البعثيون في العراق، في أعقاب انقلاب شباط 1963، وفي تموز 1968، من جرائم قتل وسطو واعتقال كيفي واغتيال وحرق جثث وتقطيع أوصال ونزع أظافر وتكسير أسنان بحق المشتبه في ولائهم لـ "لحزب والثورة"، حدث مثله في سوريا، قبل الحركة التصحيحية وبعدها، دليلٌ على أن الطبيعة العدوانية وحدها كانت هي الغالبة في تشكيل شخصية البعثي ومسيرته وتطلعاته كلها.

وبسبب ذلك لم يستطع الجانب "الناعم" من فكر الحزب أن يمنع مغامرين متميزين كصدام حسين وحافظ الأسد من تسقيط الرفاق المنافسين، حتى داخل الحزب نفسه، بأساليب الانقلاب والغدر والخداع وتكسير الأنوف والرؤوس، ذاتها.

يقولُ المبدأ الأساسي الثاني:

إن "الامة العربية تختص بمزايا متجلية في نهضاتها المتعاقبة، وتتسم بخصب الحيوية والابداع، وقابلية التجدد والانبعاث، ويتناسب انبعاثها دوما مع نمو حرية الفرد ومدى الانسجام بين تطوره وبين المصلحة القومية. ولهذا فأن حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر:

1 ــ حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأية سلطة أن تنتقصها.

2 ــ قيمة المواطنين تقدر ــ بعد منحهم فرصا متكافئة ــ بحسب العمل الذي يقومون به في سبيل تقدم الأمة العربية وازدهارها، دون النظر الى أي اعتبار آخر.

3- الأمة العربية ذات رسالة خالدة تظهر بأشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ، وترمي الى تجديد القيم الانسانية وحفز التقدم البشري وتنمية الانسجام والتعاون بين الامم".

واقرأوا معي هذه الفقرات المهمة من مباديء الحزب الأساسية:

" ولهذا فأن حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر:

1 ــ الاستعمار وكل ما يمت اليه عمل إجرامي يكافحه العرب بجميع الوسائل الممكنة، وهم يسعون ضمن إمكانياتهم المادية والمعنوية الى مساعدة جميع الشعوب المناضلة في سبيل حريتها.

2 ــ الانسانية مجموع متضامن في مصلحته، مشترك في قيمه وحضارته، فالعرب يتغذون من الحضارة العالمية ويغذونها، ويمدون يد الأخاء الى الامم الاخرى ويتعاونون معها على ايجاد نظم عادلة تضمن لجميع الشعوب الرفاهية والسلام، والسمو في الخلق والروح".

ومن المباديء العامة المادة 5 التي تنص على ما يلي:

"حزب 'البعث العربي الاشتراكي' شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها. لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب ويسعى للاتصال به اتصالا 'وثيقا' ويعمل على رفع مستواه العقلي والاخلاقي والاقتصادي والصحي لكي يستطيع الشعور بشخصيته وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية".

هذا نفاق وتضليل. فأمامنا الآن أمثلة صارخة على احترام الحزب لحرية الفرد، ولمبدأ الفرص المتكافئة، ولتجديد القيم الإنسانية، فيما قام ويقوم به جيش بشار وشبيحته ومخابراته في حي بابا عمرو وكرم الزيتون وحماة وأدلب من ذبح للأطفال بالسكاكين، واغتصاب للنساء ثم قتلهن، وتعليق للجرحى على شرفات منازلهم إلى أن يموتوا.

السؤال المهم، أية أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة هذه التي تتحول على يد حاكم مختل العقل والضمير إلى سلعة يقايض بها بقاءه في القصر الجمهوري، فيجعلها سلعة تتاجر بها دولٌ شريرة مارقة يقودها مغامرون وشبيحة وانتهازيون، كإيران وروسيا والصين؟

وأي احترام لحرية الفرد وكرامته في سحق المتظاهرين بالدبابات، وقصف المنازل الآمنة بالصواريخ، والرقص على الجثث، وانتزاع الحناجر والألسن والقلوب، فقط لأن سكان هذا الوطن ضاقوا ذرعا بهذا الحزب وقائده اللعين، فخرجوا يريدون تغييره؟

ورغم كل ذلك، ومع كل ذلك، لم نقرأ ولم نسمع لا بيانا ولا تصريحا يعترض على هذا السلوك الحيواني البشع، ولو بالكلام فقط، من أي بعثي عاقل وإنساني وصاحب خلق وضمير ووجدان وشرف، لا من جماعة عزت الدوري ولا يونس الأحمد، ولا من غيرهم. هذا إذا تخيلنا أنهم جميعا لا يقاتلون مع الرفيق بشار لحماية الأمة العربية الواحدة ورسالتها الخالدة من جحافل الأطفال والنساء في بابا عمرو وحي الزيتون.

إن هذا الحزب النشاز في جسد الأمة والإنسانية يرمي بآخر وساخاته قبل أن يمضي، وقبل أن تدوسه الأقدام ويتلاشى، وإلى أبد الآبدين. أللهم آمين.

إبراهيم الزبيدي