البصرة مدينة الشهداء على مر التاريخ

البصرة خلدت بالتماثيل القادة العسكريين الذين سقطوا دفاعا عنها

البصرة (العراق) - تعتبر البصرة (500 كلم جنوب شرق بغداد) التي تحاصرها القوات الاميركية البريطانية منذ اكثر من اسبوع دون ان تتمكن من دخولها بين كبريات المدن الاسلامية التي عانت على مر التاريخ من الحروب بسبب موقعها الاستراتيجي.
وقد بدأت معركة دخول البصرة على ما يبدو الاثنين في اليوم الثاني عشر للحرب الاميركية البريطانية على العراق. وبدأت الحملة فجر الاحد عندما شن قرابة 600 عنصر من مشاة البحرية البريطانية في الفرقة الاربعين للمغاوير هجوما للاستيلاء على بلدة "ابو الخصيب" على بعد عشرة كيلومترات الى الجنوب من البصرة.
تقع هذه المدينة على مشارف ايران وعلى طريق القوافل الى اسيا في مختلف مراحل التاريخ القديم، وتشرف على شط العرب حيث يلتقي دجلة والفرات وتتحكم بواحد من اهم الطرق الى بلدان الخليج العربي ويسكنها قرابة مليون و200 الف نسمة.
انشأها في القرن السابع للميلاد (637 م) الصحابي عتبة بن غزوان وولاه ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب عليها لتكون قاعدة عسكرية متقدمة لجيوش المسلمين في الفتوحات الاسلامية المقبلة.
وقد ازدهرت المدينة في ظل العباسيين وبلغ عدد سكانها اكثر من 300 الف نسمة في نهاية القرن الثامن للميلاد. وذاعت شهرتها في الافاق خصوصا بفضل ثرواتها وتجارتها وتمورها المميزة التي احصى المؤرخون اكثر من 500 نوع منها في بساتينها الممتدة.
لكن التجارة والمال والتمور لم تكن فقط ما ميز البصرة.
ويؤكد المستشرق الفرنسي المتخصص في العلوم الاسلامية لوي ماتينيون ان البصرة كانت "المكان الذي اخذت فيه الثقافة الاسلامية شكلها". ففي بلد السندباد البحري نشأت قواعد اللغة العربية وفيها ازدهرت الصوفية وزارها اشهر المتصوفين الحسين بن منصور الحلاج صاحب نظرية الحلول الشهيرة التي عذب وصلب بسببها (في القرن العاشر الميلادي).
نهبها القرامطة عام 923 ثم دمرها المغول في الوقت نفسه الذي احرقوا فيه بغداد ومكتباتها (منتصف القرن الثالث عشر). لكن المدينة شهدت عصرا ذهبيا اخر في ظل السلطنة العثمانية وانفتحت على التجارة الدولية الانكليزية والهولندية البرتغالية.
في القرن الثامن عشر وفيما فتحت في البصرة اول قنصلية بريطانية عام 1764 اختار البريطانيون بلاد ما بين النهرين لتكون حصنا دفاعيا متقدما على ابواب امبراطوريتها الهندية المترامية.
واذا كان البريطانيون جعلوا من الخليج محمية لهم فان دخولهم الى بلاد ما بين النهرين الخاضعة للسلطنة العثمانية سياخذ في القرن التاسع عشر طابعا تجاريا اكثر منه سياسيا او عسكريا.
في الحرب العالمية الاولى سنحت الفرصة لبريطانيا لتبسط سيطرتها على المنطقة الشمالية من الخليج. وفي 14 نيسان/ابريل 1915 قام الجنرال جون نيكسون بطرد من تبقى من الاتراك في البصرة لتتحول هذه المدينة الى نقطة عبور لقوات الامبراطورية البريطانية خصوصا في الهند التي احتاجت ثلاث سنوات حتى تصل الى بغداد.
واذا كانت البصرة نجت عمليا من ويلات الحرب العالمية الثانية الا انها دفعت ثمنا باهظا ابان حرب الخليج الاولى بين العراق وايران بين عامي 1980 و1988.
وفقدت البصرة التي سميت "ام الشهداء" بين 300 الى 400 الف قتيل في حرب الثماني سنوات.
ولم تكن البصرة قد استردت انفاسها بعد عام 1991 عندما تحولت مرة اخرى الى هدف لطائرات التحالف الذي تزعمته الولايات المتحدة لاخراج القوات العراقية من الكويت، فتلقت الجانب الاكبر من قنابل التحالف قبل ان تشهد حركة تمرد اودت بحياة الالاف.
اما اليوم فان البصراويين يواجهون الحملة الاميركية الجديدة.