البشري... ما سكت عنه في تاريخ الإخوان

لماذا لم ير البشري الملايين ثائرة على الحكم الإخواني؟

هاجم المستشار القانوني والإسلامي المصري «طارق البشري» في مقال له مؤخراً الدستور المصري الجديد، المطروح للاستفتاء في 15 يناير 2014، قائلاً إن «الدستور المطلوب الاستفتاء عليه دستور لقيط». كان «البشري» وضع عام 1972 كتاباً بعنوان «الحركة السياسية في مصر: 1945-1952 كتبه وأعده عامي 1969-1970، وهو تاريخ لفترة ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية وثورة يوليو. تحدث «البشري» في هذا الكتاب الذي حوى خلاصة قراءاته وتجاربه وكتاباته عن هذه الفترة، وحلل بدأب مواقف السلطة الملكية والأحزاب والحركة الوطنية ومقدمات سقوط نظام الملك فاروق.

من الأحزاب السياسية التي درس البشري دورها في هذه الأحداث جماعة «الإخوان المسلمين»، التي خصها بفصلين من الكتاب: فصل تناول فيه حزب الإخوان تحت قيادة المرشد حسن البنا، وفصل ثان بعد اغتياله، وتولي القاضي حسن إسماعيل الهضيبي قيادة جماعة الإخوان.

تحدث المؤلف طارق البشري في هذين الفصلين بقدرة وإسهاب عن صعود حركة «الإخوان»؛ وعوامل نجاحها وطبيعة تحالفاتها وتقربها من الملك ومعاداتها لحزب الوفد وأشياء كثيرة أخرى مهمة لمن يتابع اليوم دراما هذه الجماعة والمرحلة المصيرية التي تمر بها.

منذ أن اعتبرتها الحكومة المصرية مؤخراً جماعة إرهابية. فمن الأهمية بمكان في اعتقادي أن نتعمق في دراسة وفهم هذه الجماعة التي لم تؤثر في مسار ثورتي مصر 1952 و2011 فحسب، بل لعبت دوراً معرقلاً في دول عربية وإسلامية عديدة، وكان ظهورها بمثابة كارثة سياسية وثقافية على كل صعيد.

غير أن المستشار «طارق البشري» تراجع منذ صدور هذا الكتاب عام 1970 عن الكثير من أفكاره، والتحق بنماذج وسطية بين التيارين القومي العربي والإسلام السياسي، قبل أن يميل بنحو كامل صوب معسكر الجماعات الإسلامية وفكرها. وعندما أعاد طباعة كتابه المشار إليه.

كتب له مقدمة جديدة عام 1983، أشاد فيها بدور الإسلاميين وأطروحاتهم الثقافية في حماية العالم العربي مما أسماه بالغزو الثقافي، وما قاموا به في مجال «هويتنا وتميزنا وذاتنا الحضارية». وتساءل: «كيف نقاوم غازياً يصفّي هويتنا وتميزنا عنه. كيف نقاوم ونحن لا نتميز عمن نقاومه، بل إن نرضى بالتبعية الفكرية والحضارية له. وكيف نقول إننا طلاب وحدة سياسية، ونحن نغفل عن النظام التشريعي الوحيد الذي يمكن أن يسهم في بناء هذه الوحدة». وقال: «لم يكن التيار الإسلامي إذن، تياراً شارداً ولا طارئاً ولا وضعاً يتجافى مع أصل آخر، إنما كان هو الأصل، ثم بدأ التضييق يأخذ عليه السبل، وانطمر سنوات قليلة ليعود من جديد».

تراجع البشري عن حقيقة دامغة وضّحها في الطبعة الأولى من الكتاب، وهي غموض أفكار وأهداف الإخوان. وأن تنظيمهم لهذا يثير «القلق» فيما عسى أن يسعى إليه أو تؤول إليه الأمور، إن قويت شوكته وأمسك بمقاليد الأمور».

مضى البشري ينفي عن الإخوان كل التهم التي وجهها هو أو غيره من خصومهم بهم، بما في ذلك «الرجعية» السياسية والاقتصادية. وقال الأصح أن يعتبر موقف الإخوان نوعاً من «الراجعية»، أي «رفض الأصول الحضارية والعقائدية التي وفدت وشاعت. الراجعية هنا تعني المقاومة. مقاومة الاقتحام والغزو الحاصلين».

يقف البشري متأملاً مناورات الإخوان بين الملك فاروق وحزب الوفد في ضوء فذلكة «الراجعية السلفية» التي يقدمها ضمن حيثيات إعادة تفسير تاريخ الإخوان فيقول: «يمكننا الآن أن نفهم خصومة الإخوان للتيارات السياسية التي لا تستقي أصلاً من الإسلام، وإنما تستقي من أسس الحضارة الوافدة. وقد يكون «الوفد» على رأس من يعاديهم «الإخوان»، لا لأنه الأبعد عن الإسلام، ولا لأنه الأعظم أخذاً من الغرب، ولكن لأنه الأكثر شعبية والأقوى في تحدِّيه لدعوة «الإخوان».

وإذا كان «الإخوان» عادوا حزب الوفد بشدة، ودون هوادة، فإن «الإخوان» قد عادوا الشيوعيين كذلك. ويقدم البشري للإخوان المسلمين شديد اعتذاره عام 1983 لأنه في دراسة موقف الشيوعيين من الإخوان كان غافلاً عن نقطة مهمة جداً، تُفسر في اعتقاده سبب عداء الشيوعيين للإخوان، ومن يكون غير اليهود، وهيمنتهم على الحركة الشيوعية!

يقول البشري: «كنت أفهم بطبيعة الحال العداء بين الشيوعيين والإخوان بسبب التناقض العقائدي بينهم. ورغم ذلك اعتمدت بعض مراجع الشيوعيين ضد الإخوان، وأساغ لدي ذلك أني حاولت ضبط ما صادفني في تلك المراجع، بما كانت عليها مواقف غير الشيوعيين من القوى الوطنية، خصوصاً الوفد، على أني لم أكن فطنت وقتها إلى الأهمية الفائقة للهيمنة اليهودية الأجنبية في التنظيمات الشيوعية، أهميتها في هذا الخصام بين الإخوان وبين الشيوعيين، وأهميتها في توجيه حركة الصراع الشيوعي ضد الإخوان ومصر الفتاة خاصة، بدعوى محاربة الفاشية».

لم يسأل المفكر الإسلامي والمستشار القانوني نفسه سؤالاً بديهياً، من واقع ما يتضمنه تراث الإخوان المسلمين وسجلهم وخطورة أهدافهم، على أي مجتمع معاصر: هل ينبغي حتماً أن تكون يهودياً أو صهيونياً، لكي تكون مدركاً بعمق خطورة حزب كحزب الإخوان؟ وهل هذه «العقدة اليهودية» سبب في كراهية وعداء ملايين العرب وغير العرب للإخوان المسلمين في كل مكان؟

حتى إنْ تجاوزنا هذه القضية، أفلا يبقى السؤال عن سبب إشادته بالدور المقاوم والتوعوي لسيد قطب وكتابه «معالم في الطريق»؟! أفلم يطالع من هو في مكانة طارق البشري ومقامه هذا الكتاب، الذي بات النص المقدس لكل التكفيريين والإرهابيين اليوم، كما كان عام 1964 عندما صدر؟ وإذا كان البشري مطلعاً على تفاسير القرآن، وكتب الصحاح وفقه المذاهب الأربعة، فهل يوافق على المفاهيم والاستنتاجات التي تضمنها الكتاب؟

البشري يثير في هذه «المقدمة» قضية صحيحة لا يريد أن يتعمق في أسبابها. يقول: «إن فحص الإخوان تاريخهم بعين النقد يفيدهم كما يفيد غيرهم. ويصوِّب نظرتهم إلى وقائع التيارات الأخرى، حتى يمكن فرز الإيجابي منها من السلبي».

ويقول: «ثمة أخطاء في مواقف الإخوان يمكن أن تكون مفهومة بل متوقعة». ولكنه بدلاً من أن يحلل أخطاء الإخوان ومواقفهم وانزلاقاتهم، والتي يعترف الكثير من الإخوان أنفسهم بها، نرى البشري يزايد في التبرير لكل الأخطاء والانحرافات فيقول: «ثمة أخطاء في مواقف الإخوان يمكن أن تكون مفهومة بل متوقعة. من أسبابها أن طبيعة الدعوة أملت عليهم تصنيف القوى السياسية والاجتماعية تصنيفاً مختلفاً، ومنها حداثة عهد الإخوان بالعمل السياسي، ولم يكن المرشد قد جاوز الأربعين سنة 1946، وغالبية الإخوان دونه سناً. والتيار الإسلامي أُبقي بعيداً عن السياسة لمرحلة سابقة، وليس من معصوم إلا الله سبحانه ورسوله». هل مثل هذا التحليل يقنع أحداً؟

ولا يخصص الأستاذ البشري أي جزء من هذه المقدمة لإلقاء نظرة نقدية مثلاً على تجربة الإخوان منذ عام 1928، وكان من الممكن والمعقول بالطبع أن يكتب الكثير في هذا الباب.

وأسأل البشري: هل كان «الإخوان» يوماً قوة ديمقراطية؟! الدستور المصري المطروح للاستفتاء يقول البشري، «دستور لقيط»، جاء به انقلاب.

د. ثروت الخرباوي يتساءل: لماذا لم ير البشري الملايين التي خرجت ثائرة على الحكم الإخواني؟ ولماذا قبل ذلك لم ير مئات الإخوان في بداية حكم الرئيس د. محمد مرسي وهم يحاصرون المحكمة الدستورية ليمنعوها عن مباشرة رسالتها القضائية؟ ولماذا أغمض عينيه عن «الإخوان» وهم يحاصرون مدينة الإنتاج الإعلامي؟

خليل علي حيدر

كاتب كويتي