البريد له شكل آخر في بغداد

بغداد - من نايلة رزوق
لم يبق شيء يذر من مبنى الاتصالات في المأمون غرب بغداد

لن يتمكن احمد قاسم من الافادة من يوم عطلته الاسبوعية الذي يقصد خلاله عائلته في بابل، للراحة، اذ سيخصص هذا اليوم لزيارة اقرباء زملائه الذين انقطعت اخبارهم منذ تعطل شبكة الخطوط الهاتفية بفعل القصف الاميركي.
ويقول احمد قاسم (36 عاما) وهو ينتظر في محطة العلاوي في بغداد الباص الذي سيقله الى بابل في جنوب العراق "لا زلت اتلقى طلبات من زملاء لي يريدون الاتصال بعائلاتهم. حتى الآن، اتصل بي خمسة عشر شخصا".
ويضيف ان "هذا الامر سيفسد عطلتي. فبدل ان امضي الوقت بهدوء الى جانب عائلتي، سيكون علي ان ازور خمسة عشر منزلا من منازل الجيران".
واستهدف قصف اميركي وبريطاني مكثف منذ بداية الحرب، عددا من مراكز الاتصالات في البلاد، بينها سبعة على الاقل في بغداد، الامر الذي حرم مئات الالاف من السكان من الاتصال الهاتفي.
ويؤمن كل مركز من مراكز الاتصالات خطوطا هاتفية لحوالى 25 الف منزل تقريبا.
وقد قطعت الاتصالات الدولية بشكل كامل، فيما تضررت معظم الخطوط المحلية. واصبحت مناطق كثيرة معزولة عن الخارج تماما. ولا يمكن القيام باتصال هاتفي داخل بغداد الا ضمن الحي الواحد.
ويقول فالح سليم، البقال في شارع السعدون الرئيسي، مازحا "لم اعد استطيع الاتصال الا بجيراني، انما لا احتاج للاتصال بهم ما دمت قادرا على ان اناديهم من نافذتي".
ويضيف "ما نحتاجه بعد هذا القصف الاجرامي هو الاتصال بافراد عائلاتنا الذين يعيشون في احياء اخرى، او في مناطق اخرى".
ويستخدم معظم الناس سياراتهم او دراجاتهم، عند الضرورة، من اجل الاطمئنان على اقاربهم او ادارة اعمالهم.
ويقول سائق التاكسي علي احمد "لقد بعثت برسالة الى عائلتي، فلم يصدقوا الشخص الذي حملها لهم، فاضطررت للذهاب بنفسي اليهم ليتأكدوا انني لا زلت سالما".
وتهدف الغارات على مراكز الاتصالات الى تضييق الخناق على القيادة العراقية وعزلها عن قواتها. الا ان آثارها تنعكس خصوصا على السكان المدنيين.
ويقول ابو كمال، صاحب محل تجاري للالبسة في شارع السعدون "لا استطيع الاتصال بعائلتي التي لا بد انها قلقة جدا علي، ولا استطيع كذلك الاتصال او ارسال فاكس الى شريكي الموجود في الموصل من اجل التشاور في مسالة تجارية معينة".
ويضيف "انني الجأ الى الاساليب التي كان يستخدمها جدي في التجارة، فقد بعثت برسالة الى شريكي منذ يومين".
ويلجأ عدد كبير من العراقيين الى الاسلوب نفسه.
ففي وسط بغداد، تعج محطة حافظ القاضي للباصات بالناس. وتؤمن هذه المحطة النقليات الى مدينتي دمشق وعمان، وهما الوجهتان الوحيدتان اللتان تسمحان بالخروج من العراق. لا وجود لسيارات، بل لاناس يحملون رسائل في ايديهم.
ويوضح اسماعيل الكردي الذي يدير شركة نقل صغيرة قريبة "انهم ينتظرون سيارة توافق على القيام بالرحلة الخطيرة الى دمشق او عمان ليحملوا السائق رسائلهم".
ويضيف "انها رحلة تستغرق اثنتي عشرة ساعة غالبا ما يمضي السائق معظمها تحت القصف".
وجاء في احدى الرسائل "ابنتي العزيزة نور... ابعث لك بهذه الرسالة بواسطة الاخ العزيز صبري، السائق الذي وافق بلطف على حملها لك الى عمان".
ويتقاضى السائق مقابل هذه الخدمة حوالي خمسة دولارات.