البرلمان العراقي... حصان الطائفية في جلسته

الوجوه نفسها

يؤكد دارسو سير الزعماء التاريخيين، ان القراءة دائما ما تؤثر في رؤيتهم بل وتساهم في تشكيل مستقبل اوطانهم ولعل أكثر الزعماء السياسيين نهماً للقراءة في التاريخ هو وليام غلادستون، الذي كان رئيساً لوزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر. وتشير مذكراته إلى أنه قرأ 20 ألف كتاب خلال حياته التي دامت 88 سنة. لكن توماس جيفرسون، الرئيس الأمريكي، لم يكن بأقل شأناً هو الآخر في ما يتعلق بقراءة الكتب. وقد أورث مكتبته البالغة 6400 كتاب إلى الجهة التي أصبحت فيما بعد مكتبة الكونغرس. ويخبرنا دي سليفا، رئيس البرازيل الأسبق، إنه يحب أن يأوي إلى السرير ومعه إحدى روايات ماركيز.

فيما ظل توني بلير يشرح لزائريه كيف سحرته رواية فيليب روث، والتي تروي حكاية مواطن يحلم بان يصبح رئيسا للوزراء والشروط التي يضعها لهذا المنصب، أن يكون ذكياً، لكن لا داعي لأن يكون عبقرياً. وينبغي أن يكون ذا ضمير حي، لكن لا ينبغي أبداً أن يكون ضعيفاً، وأن يكون جريئاً، دون أن يكون متهوراً، وينبغي أن تكون لديه القدرة على هضم واستيعاب الأفكار، وأن يكون حلو المعشر، والأهم من هذا كله أن يكون عديم الإحساس بالانتقادات، وتخبرنا سكرتيرة ميتران في أوراقها ان الرئيس الفرنسي كان يعشق قراءة الملحمة الإغريقية "الإلياذة" وأنه اخبر نائبة جورج بومبيدو ذات يوم من ان العالم مايزال يعيش مفاجأة حصان طروادة.

تروي لنا الياذة هوميروس كيف ان اسوار مدينة طروادة كانت عصيّة على الجيوش الغازية . فما كان من هؤلاء إلا أن لجأوا الى الحيلة فقرروا ان يبنوا حصاناً خشبياً ضخماً، ملأوا داخله بالمقاتلين، ثم تركوه عند باب المدينة، وفي الصباح تطلّع اهالي طروادة إلى الحصان فقالوا لأنفسهم، أن الآلهة رضيت عنا اخيراً، فأرسلت لنا هذه الهدية.

أتذكر أنني أعدت قراءة الالياذة في أكثر من ترجمة كان ابرزها للمصري محمد عثمان، وماتزال اقدم نسخة ترجمة للعربية لأميل بستاني احتفظ بها في مكتبتي، وفي كل مرة اعيد قراءتها أجد نفسي إزاء حكاية أخرى للجهل الذي يحيط بنا جميعا، ولعل الدرس الذي أراد أن يقدمه لنا الشاعر هوميروس هو: من السهل ان تقع في الفخ ولكن من الصعب أن تخرج منه، ويعلمنا أن اكثر الرذائل المستعصية على التقويم هي من قبيل جهل الذي يتوهم بأنه يعرف كل شيء، ومن ثم يدعي لنفسه الحق في خداع الآخرين.

يخبرنا المؤرخ ادورد غيبسون بأن الامبراطوريات تسقط عندما يستبيح الحاكم لنفسه عمل كل شيء باسم القانون، وايضا عندما يستبيح الحاكم لنفسه استعباد الناس وقهرهم تحت شعارات الوطنية والقومية، تسقط الدول حين يفتح الحاكم أبواب التنكيل والتهميش والإقصاء والقتل، ويغلق نوافذ التسامح والمحبة والعفو، وتعمر البلدان حين يؤمن حكامها بان الحرية حق، والأمان حق، وحب الحياة حق.

في روايته "الخراب" التي صدرت ترجمتها العربية قبل عام يروي لنا الكاتب رونان بنيت، حكاية المدينة التي يصمم قادتها على تقسيمها الى نصفين، وعليك ان تقرر أنت مع من تقف، لا مكان لاثنين متفقين على رأي، لابد من الاختلاف كي يعيش القادة بأمان.

لابد من أن ينشط الناس في مراقبة بعضهم البعض في الطرقات والحدائق وأماكن العمل، أي كلمة لاترضي الكبار تثير حفيظة الناس ضد قائلها وتستدعي ملاحقة صاحبها والتحقيق معه، الكل أعداء لأنهم ليسوا من طائفتي، والكل متآمرون لأنهم لا يريدون لي الاستمرار في الجلوس على أنفاس البلدة.

الجميع أعداء ومتآمرون إلا أنت وجماعتك، لذلك لا يسمح لك بمغادرة أرض الخوف، مواطن خائف ومذعور أفضل عندهم من أولئك المغامرين بجرأتهم والمبادرين بانفتاحهم، الخائفون يسهل اقتيادهم وتدجينهم، يسهل غمر عقولهم بسيناريوهات المؤامرات التي لا يظهر لها دليل ولا برهان، يسهل إقناعهم بالخطر الذي يتهدد الناس حتى في بيوتهم.

ايها السادة يا من ستجتمعون اليوم تحت قبة برلمان العراق عليكم ان تقراوا الالياذة العراقية جيدا وإياكم الظن من أن الديموقراطية تعني الزهو والانتصار لمجرد حصول البعض منكم على الأكثرية. عندما ينتصر حزب في المانيا او بريطانيا او فرنسا لا يطرد الاخرين خارج حلبة السياسة، ولا يشتمهم في الفضائيات، ولايخونهم ، بل تقضي الديموقراطية أن يكون كل سياسي ضامناً لمصالح جميع الناس، حامياً لكراماتهم.

ايها السادة ا عليكم ان لا تفرحوا كثيرا بحصان الطائفية الذي سحبتموه داخل أسوار البرلمان.

علي حسين

كاتب عراقي