البرغوث والأثر المقدس، للشاعر الإنجليزي جون دَن

بقلم: أحمد فضل شبلول
غلاف الكتاب

ماذا يفعل البرغوث في جسم الإنسان؟ إنه يلدغه ويطيّر النوم من عينيه، ويمتص قطرات من دمه. لذا فإنه يعد من الحشرات التي لا يطيقها الإنسان، وفي كثير من الأحيان تمتد يد الإنسان لتقبض على هذا البرغوث المؤذي، وتقتله أو تسحقه بالإصبع.
ولكن الشاعر الإنجليزي جون دَن (1572 ـ 1631) يرى عكس ذلك. إنه يرى في البرغوث الذي امتص من دمائه ودماء حبيبته، طيرا مقدسا أو طيرا ذا جلال، لأنه في لحظة جمع بداخله بين دمائه ودماء الحبيبة، وهو ما كان يرفضه أهل الحبيبة، بالزواج منها، ولكن تلك اللدغة جعلتهما يتزوجان في البرغوث: إننا فيه تزوَّجنا
لا .. تمازجنا
وذا أوثقُ من خاتمِ الأزواجِ
وأتمُّ اتحاد
ذلك البرغوث قُدسٌ .. قَدَّسيه
معبدُ الحبِّ ، سرير العُرس فيه
وأنا أنتِ به .. سُكْرًا نتيه
هكذا ينظر الشاعر إلى البرغوث، ويستلهم منه شيئا جديدا، لم يلتفت إليه أحد من الشعراء قبله.
حتى في حكايات كليلة ودمنة، لم تكن قصة "القملة والبرغوث" على هذا النحو البديع الذي لفتنا إليه الشاعر جون دن.
"قال دمنة: زعموا أن قملة لزمت فراش رجل من الأغنياء دهرا، فكانت تصيب من دمه، وهو نائم لا يشعر، وتدب دبيبا رفيقا، فمكثت كذلك حينا، حتى استضافها ليلة من الليالي برغوث، فقالت له: بت الليلة عندنا في دم طيب وفراش لين، فأقام البرغوث عندها، حتى إذا آوى الرجل إلى فراشه، وثب عليه البرغوث فلدغه لدغة أيقظته، وأطارت النوم عنه، فقام الرجل وأمر أن يُفتش فراشه، فنظر فلم ير إلا القملة فأخذت فقصعت (أي قتلت بالظفر) وفر البرغوث".
ولكن برغوث جون دن، استطاع أن يقرب بين الحبيبين، فهو ملاك الحب بينهما: ابتدا بدمي أنا
ثم حلَّى بدمك
فهو منتشيا يطير
من توحُّدنا .. بباطنه الحقير
ذلك البرغوث مخمورٌ فخور
قد قضى وطرًا ولم يطلب يدا
عبَّ من دمنا مزاجا واحدا
نال ما لم يكتب الحظ لنا
ما تمنيتُ وغنيتُ سدى
لقد أحسن الشاعر بهاء جاهين (ابن رائد شعر العامية المصرية الراحل صلاح جاهين) صنعا بعكوفه على ترجمة مختارات من أشعار أو سوناتات الشاعر الإنجليزي جون دن الذي "يمثل شعره خروجا حادا على ما سار عليه شعراء العصر الإليزابيثي"، كما تقول أ. د. فاطمة موسى، في تقديمها لترجمة بهاء الصادرة عن المشروع القومي للترجمة (العدد 387) الذي يتبناه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة.
وقد اختار بهاء جاهين عنوان "أغنيات وسوناتات للشاعر الإنجليزي جون دن" لكتابه الجديد.
وعلى الرغم من صعوبة اللغة الإنجليزية القديمة التي ترجم عنها بهاء، إلا أن ترجمته للعربية جاءت سهلة ورشيقة، بل المدهش أن ترجمته جاءت موزونة مع المحافظة على عنصر القافية، بل إن هناك قصائد مترجمة في الشكل العمودي للشعر العربي، مثل قصيدة "الرؤيا" التي يقول فيها: حبي الجميلَ صحوتُ ليس غيرك مَنْ

مِنْ أجل عينيه أجفو هذه الرؤيا

كانت أجلَّ من الأحلام، زائرها

ما كان طيفا سرى، بل فكرةٌ عُليا

تسمو على الحلمِ، كانت حكمةً حقًّا

أن توقظيني .. فيحيا الحلم في اللقيا

أنتِ الحقيقةُ في أعلى تجسُّدها

في حِضْنِكِ الحلمُ حقٌّ يملأ الدنيا

لقد جاءت هذه القصيدة المترجمة، التي احتوت على ثمانية عشر بيتا، من بحر البسيط، وهو الشيء الذي يذكرنا بترجمات سابقة حافظت على روح النص غير العربي، ولكن في إطار موزون مقفى، ولعل أشهر هذه الترجمات التي من هذا النوع، ترجمة أحمد رامي لرباعيات الخيام، وترجمة بعض أشعار محمد إقبال، مثل قصيدة "حديث الروح".
ولكننا نحس في بعض مناطق ترجمة بهاء جاهين أنه يضع كلمات زائدة من عنده، غير موجودة في النص الأصلي، لكي يقيم الوزن، والقافية. طبعا النص الأصلي غير موجود بين أيدينا، ولكن بهاء جاهين يعترف بذلك صراحة في قوله عن هذه الترجمة: "حاولت أن أقدم المعادل الشعري لكل قصيدة متوخيا جماليات اللغة العربية وعبقريتها الخاصة وقوانين الشعر العربي من وزن وقافية وأبنية موسيقية لها اعتباراتها الهندسية.
ويضيف على سبيل المثال، اضطررت أحيانا إلى ترجمة سطر من النص الأصلي في سطرين لتكتمل رباعية أو غير ذلك من أشكال وقوالب هندسية لجأت إليها في الترجمة، أو لإحساسي بضرورة وجود قافية في آخر مقطع ما أو منتصفه حتى وإن كان السطر السابق قد أدَّى المعنى، ولكن ذلك لا يعني أني أضيف معاني من عندي، بل ألجأ إلى بعض الاستطراد، فأترجم في سطرين ما يمكن ترجمته في سطر واحد، إذا اقتضت ذلك قوانين الإيقاع الشعري العربي وجمالياته الموسيقية".
وما من شك أن هذه الصيغة أضفت جمالا على الترجمة، مما لو كانت فاقدة لموسيقى الشعر العربي. وقد أدى ذلك إلى وجود بعض القصائد أو السوناتات، لا نكاد نحس أنها مترجمة، بل كنت أقرأها على أن المترجم ـ خاصة أنه شاعر ـ هو الذي أبدعها، مثال على ذلك هذه الأبيات من قصيدة "الطُّعم": النهر يجري هامسا بالرُّقى
من دفء عينيك استعاذَ .. دعا
الشمس ترجو منهما مَشرقا
والسمك المسحور يأتي ذليلْ
متوسلا أن يرتمي في الشبك
إن بهاء جاهين لم يكتف بترجمة قصائد جون دَن، ولكنه ألقى الضوء على العصر الذي عاش فيه الشاعر، من خلال كتاب "الأدب الإنجليزي في أوائل القرن السابع عشر" للناقد الأمريكي دوجلاس بوش، كما تحدث عن تأثير العصر على الأدب، وشعر هذا العصر، من خلال إنتاج شعراء ثلاثة هم: إدموند سبنسر (1552 ـ 1599) وجون ملتون (1608 ـ 1674) وجون دن (1572 ـ 1631) الذي يعد "صانع حداثة القرن السابع عشر في الشعر الإنجليزي، ومن أهم ملهمي حداثة القرن العشرين، بعد إعادة اكتشافه على يد ت. س. إليوت في مقاله المهم "الشعراء المتيافيزيقيون".
لقد ثار دن على الشعر الإليزابيثي، وفتح قاموسه الشعري لكل مفردات التجربة الإنسانية، وما تستدعيه من صور مثل: قضايا المحاكم، والرحلات الاستكشافية والفقه الكنسي وقذائف المدفعية والرياضيات والفلك وعلم النبات والجغرافيا، وغير ذلك مما جاء في أغنياته وسوناتاته. يقول على سبيل المثال في قصيدة "صباح الخير": وجهُكِ في عيني، وفي عينكِ وجهي
والقلبُ في الاثنين صادق المقال
في هذه الأفلاكِ لن تجدي كمثلنا
نصفَيْ كرة
دون شمالٍ قارسٍ
ودون غربٍ مائلٍ للزوال
أيضا تعرض بهاء جاهين إلى حياة جون دَن ومجمل أعماله، وأجاب عن سؤال قد يتبادر إلى ذهن القراء، وهو: لماذا اختار أغنيات وسوناتات جون دَن لترجمتها دون غيرها من أعماله؟
وتكمن الإجابة في أن أغنيات وسوناتات جون دن تعد صانعة حداثة القرن السابع عشر التي تأججت في ثلثه الثاني على يد أتباع دَن ممن سموا بعد ذلك بالشعراء الميتافيزيقيين.
يقول دن في قصيدته "الأثر المقدس": فإذا فُتِحَ القبر في زمن أو بلدْ
فيه دينُ المسيح فَسَدْ
حافرُ القبر سوف يطيرُ بنا
نحو أسقفهم والمليكْ
وسنصبح حينئذ أثرينْ
قُدُسينِ لمن قد عبد
سيظنونك المجدليةْ
وأنا .. واحدًا كان يعشقها
سوف نُعبَدُ في ردة الوثنيةْ
من جميع النساء وكل الرجال
في زمان يُفَتّش عن معجزات سنيةْ
ليت ذاك الزمان يرى هذه الورقة
يتعلم من هذه الكلماتْ
كيف يأتي المحبون بالمعجزاتْ
بين "البرغوث" و"الأثر المقدس" تكمن عبقرية جون دَن المتجددة الولود، "فرغم انتمائه لعصره والعصور التي سبقته، تطالعنا "أغنيات وسوناتات" بصوت يكاد يكون معاصرا لنا، صوت له حضوره الدرامي الأخَّاذ، كأنه في الحجرة واقف يكلمنا". أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية