البدراني: كلما اتسعت السيطرات، ضاق العراق

الموصل (العراق)
'الكتابة شهية حتى في زمن البشاعة'

استضافت كلية الفنون الجميلة بجامعة الموصل الشاعر والناقد الموصلي الدكتور عبد الستار عبدالله البدراني أستاذ الأدب الحديث في كلية التربية بجامعة الموصل وأحد النقاد المعروفين في العراق وعلى المستوى العربي في خطوة لتعريف الطلبة بمبدعي المدينة.

وترأس الجلسة الدكتور جلال جميل رئيس قسم المسرح في الكلية مشيرا الى أن "استضافة الدكتور عبد الستار هي تواصل مع مسيرة الإبداع في محافظة نينوى ومسيرة مبدعيها".
وقال الدكتور عبد الستار "آن أن نجترح صوتاً آخر لحدقات حزننا يتقن أبجدية الحب، فكل تجوال في حارات الذاكرة ضرب من الدهشة يتخذ من نداء الأُخيلة خطاباً ينجز في جملته الملفوظة خلق ثقافة كونية ترفض أن تكون رهينة المحبسين".
واضاف "نريد للكتابة أن تكون سحرا يُفرد أجنحته في وضح النهار دون أن يتهم بالجنون ويوضع في غيابة الجب بانتظار قافلة تشتريه بثمن بخس. تظل الكتابة شهية حتى في الأوقات التي تشتعل فيها البشاعة وتلتهم كل شيء، وتبقى اللغة صرخة منقذة تخرجنا من أقفاص المنافي التي لا مذاق لها إلا عند أولئك الذين يؤمنون بضرورة تدجين الزمن ووضعه في حظيرة للخيول المقدرة".
وقال ايضا "فلو جاءني الإله يحمل في يده اليمنى الحقيقة كلها ويضع في يده اليسرى البحث الدائم عنها وطلب مني أن اختار بينهما لسجدت خاشعاً وقلت له مولاي أعطني البحث عنها، أما الحقيقة فأنت وحدك جدير بها".
وفي حديثه عن المبدع أشار البدراني الى ان "المبدع بالنسبة لي جسارة رؤيوية تنتج وعيها القادم بعيداً عن إكراهات السياقات الثقافية التي يمكن أن تكون عقبة كأداء في طريق متخيل يتجاوز موضوعه وينفيه، لذلك فهو ليس نظاماً يندرج تحت أو بين، وإنما هو انبثاق يتدخل دائماً ولا يسكن أبداً، ولا يتحقق ذلك إلا بطريق ما نسميه الاقتصاد الأدائي الذي ينطلق من الاستخدام الأمثل للعلامات لتفجير مدلولات تفوق القدرة المعجمية لتلك العلامات، أي أن الاقتصاد الأدائي في مجال الشعرية يعني نقل النمو الكمي للنسق اللغوي وتحويله الى فاعلية كيفية تتجاوز فيها التصورات الذهنية الارتباطات الثابتة بين الدوال والمدلولات".
واستطرد البدراني قائلا "المكان لا يشكل وعينا وحسب، لكنه يتذاوت فينا وينحل في منجزنا النصي فضاءً لرؤية حبيسة"، متطرقا الى ذكرياته في الإعدادية المركزية في الموصل "تنشئ عواطفي لغتها.. خطابها الحي الذي ينبثق من ديوان محمود درويش 'آخر الليل نهار' في سنة 1972، تداعب من 'أجداث نجران تطلع الراية' أسماع الطلبة في أول مهرجان للشعر والخطابة تقيمه الإعدادية ولان الزمن لا يُرَهّن، ذهب بالقصيدة وترك لي عنوانها لمثل هذا اليوم أدخل به منصة أخرى وها أنا فضائي جسدي واحتفائي لا يكون إلا برؤاي، كيف أحل هذه المعادلة؟".
وقال "أركض خلف أزمنتي.. تلاحقني هكذا: الامس هواجسي تلامسني، هذا هو تاريخي الذي لا يقترن بنوع ما وكلما حاولت أن أغادر سلالاتي، لا أجد سبيلاً إلا الى بداياتي. هل أنا المبصر الوحيد الذي يحتل سقف الحلم او لعله يحتلني؟ أحلم بلغة لاتكون.. أحلم بدهشة بيضاء مثقلة بالعشب والفراشات".
"أحلم بالتعاويذ والرماد والشوارع.. أحلم بكلمة تجرح البياض حد النزف.. أحلم بالوجل الذي لم يترك لخلايا دمي إلا ذاكرة ملطخة بالوحشة.. أحلم أن أحلم بلا مطاردة.. أحلم بعينيكِ تصنعان قهوة الصباح برائحة الهيل.. أحلم بالمداهمات اليومية والحكمة الغامضة.. أحلم بالريح الساكنة والبراري.. أحلم بالصراخ المعطل في حنجرتي.. أرجوكم أرجوكم أرجوكم قولوا لحواجز الاحتلال أن تكف عن اغتصاب الشوارع".

وقال البدراني "لاشك في أنني أبحث عن حريتي مفارقاً لا مطابقاً: حرية لا تعنى بفحص الذاكرة فقط وإنما تسعى للتحرر منها من خلال وعي الظواهر، ومن هنا لا أسعى الى إكتناه اليقينيات وإنما أحاول استكشاف الإشكاليات عبر الاندراج في ممرات الكائن والمحتمل المدهش والخامل بعيداً عن سلطة الأحكام النهائية وبناءً على 'باز' فان 'الأنا' هي المالكة للوظيفة اللغوية المتعددة المنفتحة المتابعة لتطلبات الدال، وهذا ما يجعله إشارة حرة منفصلة ومحايثة شمولية ومقننة مسطحة وعميقة تقوم من رمادها لكي تشتعل بفناءها".
واسترسل البدراني في موضوع هنونه بـ"الفضاء قلبي وأنتِ المواويل" قال فيه:
"هشة هذه التكنولوجيا التي لا تثقب إلا السراب
نحن الأرض حين تلامس أوجاعها وتبشر بالموتى القادمين الى أحضانها،
لا تقولوا سترجع يوماً مذبحة في حقيبة،
قولوا نحن المقابر لا نرتدي غير أجسادنا،
وخذوا ما تشاؤون من زهرة العمر فالكل يرحل حتى الكتابة،
وذا جسدي منفاي وقلبي سحابة فليكن جسدي بين عشّين،
عش على برج دبابة، ليس فيه سواي وكسرة خبز وأنة ناي،
والآخر تحت جدائل بنت عراقية،
حالم في لحظة حب وموّال،
كي يموت بعيداً عن ذل السؤال،
وليكن قلبي خارج اللغة العرجاء مدفناً للشهداء
أو روضة وحديقة وبقايا هوية تغازل شَعر الحقيقة،
تداعبه كي يخرج من دمها ورداً وهديل
وينهض في فمها موالاً وحرفاً قتيل،
فعذراً حبيبي اذا ما جاء الزوال وتعثر صمتي بين رحيل ورحيل".

ثم أورد سؤالاً وأجاب عليه قائلاً "اذا أردت أن تكون فريداً، أي أن تكتب مالم يكتبه سواك فعليك إما أن تخلخل الثوابت لان الخلخلة شرط أساسي للدخول عبر بوابة التجريب، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون التجريب وصفة قابلة للإتباع والمحاكاة من قبل أيٍ كان، لان هذا الأمر اذا ما تم، أصبح الإبداع امتداداً وإتباعاً يصنف في خانة الثواب".
وقرأ البدراني للطلبة عددا من قصائد المتأثرة بنمط "الهايكو" أو ما تسمى بقصيدة الضربة أو القصيدة القصيرة مفتتحاً بقصيدة تحت عنوان "تعريف الكلمة":
- الكلمة
عين تركض خلف لسان مقطوع.
- العتمة
عين أبصرت في عتمة الماء مقتول.. فقئت في اليوم التالي برصاصة صياد مجهول.
- شوارع
كل هذه الشوارع لا تستطيع أن تفتح نافذة في فؤاد الوجيع.
- المسكين
مسكين حرفي الغائب مسكين.. ينسى أن العشب لا يقرأ جرح السكين.
- خوف
أنا خوف، أنا كالبحر أفهم حيتاني جيدا وأخاف أن أجرح قلبي يوما فتأكلني الأصداف.
- حياء
دارنا خبطت رأسها بالحائط.. تتوارى من خجلتها على الأرض جرح ساقط.
-هموم،
الخوف صراخ.. من منّا لم يعرف طعم الآخ.

كما عرج البدراني على موضوع "النص" قائلاً "النص لا ينبغي أن يكون خضوعا مصالحا لأنه لم يخلق للمطابقة وإنما يمثل معاوضة الاستمرار لاسيما مع الإجراءات التي تهدد دائما بتدجينه وإدخاله في حلقة الدور والتكرار، مما يجعله حبيسا لمرموزات غير قابلة للتأويل لانها تعمل دائما على ترهين دور القارئ بإعادة إنتاجه داخل سطوة العلاقات الاجتماعية، وعليه يجب أن يكوّن القارئ استراتيجية نصية تنعتق من ثقافة الاستهلاك لتصبح تجاوزا لانهائياً للإشارات".

ومضى البدراني في حديثه مشيرا الى أول قصيدة شارك فيها في المسابقة الشعرية عندما كان طالبا في كلية الآداب بجامعة الموصل بعنوان "انطباعات أولية عن التوحش".
"إن التألم يزداد مقداره ونوعه تبعاً لازدياد الرقي في سلم الكائنات حتى إن أدناها في مراتب التطور أقلها تألماً وأعلاها أكبرها شعورا بالألم".
واستولى البدراني على الجلسة كأنه الممثل الوحيد على المسرح، مضيفاً "غادرتنا المراثي.. هذا زمان الدموع المشطورة حتى العظم.. يأخذنا سيل الوهم حيث ارتجاج مسكون بالشجر المصمغ. يمكن أن تخلع مسماراً من رأسك المزروع بمواسير العشق لكنك تبقى مخنوقا في ظلمة السحر".
"ما زلت أحس بأن الهم يحفر بئرا في الروح.. تجاوزت حدود البوادي عانقني نتن الجرذان.. هسيس الهبوب.. بخور الحانات.. قف سرَّ الليل، ما سر الليل؟ حبل تحركه الريح فوق سحابة خوف أو عين مهر تنزف في البطن أم انه الجسد المبتور الأعضاء يسير ضوء النجم.. اليك ذراعي مختومة بالشمع".

وقال البداني ايضا "صه يلزمك السر.. جياد أميّة تأكلها الديدان.. وعليّ أحرق تعويذته الغلمان.. ماريانا يتوسدها القيد والسجان.. وشخير العالم مشحون بالرعشة. ياحارس الليل.. يبدأ وهج السر بخاصرة البحر مرسوماً فوق دهشة حلم أخضر ينبض في ساحات الجوع الملون بالتكوين البلوري مغسولا بصرخة أول طير يسقي دمه زهوراً بيضاء في طبق من بارود، فاخفض جناحك،من عينيك يجز دمي وأَنظرني موعدنا الحشر".
"رأسي بين يديك، فخذ من أصابع كفي أناملها وأبحث في قائمة الأسماء، فالتاريخ الرمل أطلع من بحر فيه رعد وبرق تتبعني الحيتان طقوس النذور. عاشرت ذباب المقاهي.. تعلمت طبع المناشير.. عرفت شكل النار من النور.. جاورت الحلاج والستر المستور. أشعر أن شيئا ما يتحرك.. أشعر أن الأرض مدار يلوك لجامه والصرخة تأتي من عمق الثغور".
احمليني فان الوجد اغتصاب السكون.. أتوسم فيك احتراق المجرات في دفء وجهك نور الطين المفتون وشرارة حرف ينزع عن عظم الليل طعم الريبة والموت، وها أنا أنزع جلدي وعباءة جدي ومكياج عصر يزخرفه الزيت والقمل والطاعون.. لست بمجنون، لكني تمخضت من ضلعي راية حب تعشق الفقراء حاصرتها الخناجر واغتالتها العيون".
وتابع البدراني متسائلاً عن إمكانية توفر الشرط الثقافي الملائم للإعلان عن خطاب نقدي معاصر يفترض ذاتاً فاعلة ولا يقف عند الذات المعطلة؟ وأجاب قائلاً "ما أعلمه أن وعي الآخر شرط أساسي للوجود في العالم، ووعي الذات شرط أساسي لإنتاج هوية تسمي فرادتها ولا تلغي تواصلها، هذا هو شرط خطابنا النوعي، الذي يفرض تاريخه واستعداده بعيدا عن المسَيّس والمهمّش الذي يتكل ويتآكل حين ينظر الى الداخل نظرة القبول وليس نظرة المراجعة، أي انه يعمل على إبقاء هوية منجزة أفضل من البحث عن هوية تتشكل عبر العلاقة التي تقوم على الشراكةلا على آلية التهميش، الآلية التي تعتمد في مجمل حراكها على رؤية عاطفية تفترض تعاليها ولا تؤسسه"
وختم البدراني جلسته بقصيدة تعد واحدة من الأدب المقاوم للاحتلال قائلاً "حين ضاقت المدن، اتجهت الى الشوارع وحين ضاقت الشوارع اتجهت الى البيوت، حين ضاقت البيوت اتجهت الى الشرفات، حين ضاقت الشرفات اتجهت الى النوافذ، حين ضاقت النوافذ اتجهت الى الكوى، حين ضاقت الكوى أتجه الى أين؟ يا أحبتي كلما اتسعت السيطرات ضاق الوطن".