البحوث العلمية، بين التلفيق والمصداقية وأخلاقيات البحث

العالم مسؤول علميا وأخلاقيا واجتماعيا

يتساءل الكثيرون عن السبيل إلى بحوث علمية رصينة ذات إضافة جادة للإنسانية، بينما يستشري في أوساط الباحثين ما يسمى بسوء السلوك البحثي الذي يشمل تلفيق نتائج وبيانات البحوث أو التلاعب بها أو التزييف أو الانتحال والسرقات العلمية، الى غير ذلك.

وفي زمن ليس بالبعيد، طالعتنا وكالات الأنباء أن العالمة اليابانية هاروكو أوبوكاتا التي تعمل في مؤسسة (رايكن) أكبر مؤسسة بحثية في اليابان، قد وجدت مذنبة لسوء سلوكها البحثي.

وتعود قصة العالمة اليابانية إلى يناير/كانون الثاني 2014، عندما نشرت دراسة حول الخلايا الجذعية في دورية "نيتشر" العلمية الشهيرة.

وكان من المفترض أن تكون تلك الدراسة اكتشافا يفتح آفاقا جديدة في مجال الخلايا الجذعية، إلا أنها أصبحت حالة من حالات الغش والخداع في البحث العلمي.

وبمجرد أن حاول فريق بحثي آخر تكرار عمل الباحثة أوبوكاتا، وجدوا استخداما غير ملائم للبيانات، ما جعل الباحثة أوبوكاتا تقوم بالتراجع عن البحث وسحبه.

وهذه الحالة، ليست الأولى من نوعها في تاريخ العلم والبحث العلمي، فقد تم ضبط العديد من حالات التلفيق والتزوير على صفحات المجلات العلمية.

ويقود هذا الأمر للحديث عن واقع وأخلاقيات البحث والنشر العلمي وبخاصة في العالم العربي، حيث يلجأ الكثير من الباحثين لإعداد رسائل وبحوث جامعية مكررة يتم نشر نتائجها سريعا رغم أنها قد تكون غير دقيقة، وذلك بهدف وحيد هو نيل الدرجة العلمية في أقرب وقت.

وفي هذا السياق، يلجأ بعض الباحثين إلى إجراء بعض التغييرات الشكلية لعنوان رسالته أو دراسته، وقد يسطو البعض على الإطار النظري والدراسات لباحثين سابقين دون أن يكلف نفسه عناء ودقة البحث، بخاصة مع توافر وانتشار أجهزة الكومبيوتر وخدمات البحث على شبكة الأنترنت، وذلك دون مراعاة لقواعد وأصول وأخلاقيات البحث العلمي المتعارف عليها .

ويرتبط بأخلاقيات البحث العلمي أيضا، نشر البحوث والدراسات بالمجلات العلمية.

ويقول مراقبون إن البحوث المنشورة مكررة، كما أن غالبية المؤلفين المشاركين في هذه البحوث، غالبا ما يكونون مشاركين شرفيين وليسوا فعليين، بمعنى انهم يقبلون بإظهار أسمائهم على هذه البحوث دون أن يكون لهم جهد في إعدادها والقيام بها، وذلك بهدف الترقية.

وقد يقتصر دور هؤلاء المشاركين الشرفيين فقط على تقديم التسهيلات الإدارية من خلال موقعهم كرؤساء للأقسام أو مشرفين علميين، ولهذا فإنهم قد يتهربون من المسؤولية اذا ما ظهرت أخطاء وتجاوزات علمية في هذه البحوث.

كما أن مهمة التحكيم العلمي للرسائل الجامعية والبحوث، والتي يفترض أن توكل في الغالب لأساتذة أكفاء مشهود لهم بالسمعة العلمية المرموقة، أصبحت مهمة صعبة باعتبار أن وقت هؤلاء الأساتذة وأعمالهم الكثيرة لا يسمحان لهم للقراءة والمراجعة العلمية الدقيقة لهذه الرسائل والبحوث، وبالتالي يتم اللجوء الى عمليات تحكيم شكلية يقوم بها آخرون، قد لا تتوافر فيها الدقة المطلوبة، مما يؤدي بالتالي إلى ظهور أخطاء ونتائج غير صادقة في البحث العلمي .

ويقول محللون أن التكالب والسباق والتنافس المحموم بين أعضاء هيئة التدريس بالجامعات ومراكز البحوث، على الاشراف على الرسائل العلمية حتى لو كانت بعيدة عن تخصصاتهم والإسراع في نشر أكبر عدد ممكن من الدراسات المكررة قد يؤدي الى تزييف وتلفيق في النتائج العلمية.

ويلمّح هؤلاء المحللون إلى أن المخاوف من الكشف عن وقائع التزوير في الدراسات والبحوث العلمية في الجامعات العربية يزيد من استشراء هذه الظاهرة الخطيرة على مصداقية البحث العلمي.

وتفتح التصريحات المثيرة والسريعة للعلماء الخاصة بنتائج أبحاثهم، الباب لمناقشة حدود المسؤولية العلمية والأخلاقية والاجتماعية للعلماء، والتي تتمثل في أهمية تقديمهم معلومات دقيقة موضوعية موثوقة لعامة الناس، والامتناع عن نشر نتائج البحوث المثيرة التي لم تختبر بصورة كافية سواء كانت هذه النتائج ايجابية أو سلبية، لأن هناك العديد من العواقب والتداعيات لافتقار العلم الى أخلاقيات البحث، ولأن العالم مسؤول علميا وأخلاقيا واجتماعيا عند إجرائه لأبحاثه وتجاربه العلمية، عن مدى الدقة والموضوعية في النتائج وعن فائدة المجتمع منها، وعن دورها في التطور الحقيقي للعلم والمعرفة، وما قد تثيره تطبيقاتها من مسائل وقضايا أخلاقية.