البحرين: مساعٍ لتجاوز الازمة الاقتصادية بأقل الخسائر

لندن - من عبد الكريم حمودي
المنامة تتصدر كافة العواصم العربية في الحرية الاقتصادية

أظهرت التقارير والبيانات الاقتصادية الصادرة حتى الآن أن الاقتصاد البحريني، الذي يعد من أكثر الاقتصاديات انفتاحاً وتنوعاً في منطقة الخليج، شهد خلال العام الماضي تراجعاً واضحاً بسبب انخفاض أسعار النفط من جهة، وتأثره بركود الاقتصاد العالمي والأحداث الدولية التي شهدها العالم من جهة أخرى.
وبرز هذا التراجع في العديد من القطاعات الاقتصادية ومنها انخفاض أصول البنوك الخارجية وتراجع قطاع السياحة والنقل الجوي بالإضافة إلى خسائر استثمارية عديدة.
وبرزت نتائج هذا التراجع في العديد من المجالات، فارتفع العجز في الميزانية، وسجلت بورصة البحرين أداء سيئاً حيث بلغ معدل التراجع 6.2 في المائة، وانخفض مستوى معيشة السكان، وزادت معدلات البطالة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية للتخفيف من حدة هذه الانعكاسات ومنها تخفيض الجمارك على السلع الرئيسة. تراجع الناتج الإجمالي أظهر تقرير لصندوق النقد العربي أن التوقعات تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي البحريني سينمو بمعدل حقيقي تبلغ نسبته 4.2 في المائة خلال عام 2001، منخفضاً من نحو 5 في المائة حققها خلال العام 2000 وبقيمة 2.996 مليار دينار أي نحو 7.968 مليار دولار (الدولار = 0.376 دينار). وبالتالي فإن نسبة التراجع في الناتج المحلي خلال العام الماضي بلغت 0.8 في المائة. تراجع أسعار النفط وجاء تأثير تراجع أسعار النفط على الاقتصاد البحريني بصورة غير مباشرة، فعلى الرغم من أن البحرين ليست دولة نفطية، فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي تستورد النفط الخام وتصدره في نفس الوقت، إلا أن الاقتصاد البحريني يعتمد بصورة رئيسة على الصناعات التحويلية المعتمدة على النفط، حيث تستورد البحرين 200 ألف برميل يومياً من النفط السعودي لعمليات التكرير في مصفاتها التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 250 ألف يومياً، كما تنتج البحرين نحو 40 ألف برميل يومياً من حقولها فيما تحصل على 140 ألف طن كاملة من حقل أبو سعفة البحري الذي تتقاسم ملكيته مع السعودية، وهو ما يجعل النفط المصدر الأول للدخل الوطني وبمعدل 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي تقريباً.

انخفاض أصول المصارف الخارجية
وكان لتراجع أسعار النفط انعكاسات غير مباشرة على قطاع الخدمات المالية والمصرفية التي تقدمها المصارف البحرينية، والمصارف الأجنبية العاملة في البحرين والمعروفة باسم الأفشور، فقد أصيب هذا القطاع الذي يساهم بأكثر من 20 في المائة من الناتج الإجمالي بأضرار بالغة، حيث أظهرت بيانات رسمية نشرت في 12 آذار/مارس الماضي أن الأصول المجمعة لوحدات المعاملات المصرفية الخارجية العاملة في البحرين انخفضت بنسبة 5 في المائة العام الماضي وذلك إلى 88.37 مليار دولار مقارنة بالعام السابق كما جاء في نشرة مؤسسة نقد البحرين.
وقالت نشرة المؤسسة إن أصول البنوك التجارية المحلية زادت بنسبة 2.9 في المائة فبلغت 3.88 مليارات دينار (10.3 مليارات دولار) في نهاية العام الماضي مسجلة زيادة بنسبة 3.74 في المائة في الربع الأخير عن الربع الثالث. وارتفعت أصول المصارف الإسلامية 15.6 في المائة في نهاية العام الماضي مقارنة مع نهاية العام السابق وبنسبة 10.8 في المائة عن الربع الثالث.
ويوجد في البحرين أكثر من 100 مصرف ومؤسسة مالية تتجاوز أصولها مجتمعة 100 مليار دولار. ومن هذه المؤسسات 48 وحدة للمعاملات الخارجية و40 بنكاً تجارياً وإسلامياً جعلت من البحرين مركزاً مالياً مهماً في منطقة الخليج، فقد أكدت دراسة أعدتها مؤسسة "هيرتياج" الاقتصادية الأميركية أن البحرين احتلت هذا العام المرتبة الثالثة على مستوى دول العالم في مجال الحرية الاقتصادية بينما احتلت المركز الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتعزو الدراسة على أن البحرين وصلت لهذه المرتبات العالية للعديد من الأسباب أهمها:
1- عدم وجود قيود على رؤوس الأموال الداخلة والخارجة من الدولة.
2- سن السلطة التشريعية قوانين وأنظمة تتلاءم مع أخر التطورات الاقتصادية في العالم .
3- الإشراف والرقابة الصارمة على القطاع المصرفي، وهذا جعلها أكثر الدول الشرق أوسطية التي تجذب المؤسسات المالية.
4- عدم وجود أية قيود على تحويلات الأرباح الخاصة على أي مشروع كان، وكذلك عدم فرض أي ضرائب على شتى الاستثمارات في الدولة.

تراجع قطاع السياحة يمثل قطاع السياحة المصدر الثاني للدخل الوطني وتوفير فرص العمل بعد النفط، وهذا القطاع تعرض لنكسة أيضاً خلال العام الماضي نظراً لكونه يتألف من أربعة قطاعات رئيسية وهي: سوق الأعمال، وسوق المعارض والمؤتمرات، وسوق العطلات في دول مجلس التعاون الخليجي، وسوق العطلات في البلدان خارج مجلس التعاون الخليجي، وكل هذه القطاعات تأثرت خلال العام الماضي بشكل أو بآخر، مع الإشارة هنا إلى أن عدد السياح الذين زاروا البحرين عام 2000 بلغ نحو ثلاثة ملايين زائر. وتحتضن البحرين حالياً نحو 71 فندقاً مصنفاً، منها سبعة ذات خمس نجوم، و20 فندقاً من فئة ثلاث نجوم ويراوح العدد الباقي بين نجمتين ونجمة، كما يوجد عدد لا بأس به من الشقق السكنية المفروشة، إضافة إلى منتجعين هما البندر والمارينا.

ارتفاع عجز الميزان التجاري تقول الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء إن عجز الميزان التجاري غير النفطي للبحرين ارتفع خلال العام الماضي بنسبة 0.2 في المائة من 325.4 مليون دينار عام 2000، كنتيجة طبيعية للارتفاع الذي طرأ على قيمة الواردات والتي ارتفعت بالنسبة المذكورة من 970.9 مليون دينار، على الرغم من ارتفاع الصادرات بالمعدل المذكور آنفاً من 645.6 مليون دينار العام الأسبق.
وبلغت الصادرات غير النفطية خلال عام 2001، حوالي 690 مليون دينار، مرتفعة بنسبة 5 في المائة عما كانت عليها بنهاية عام 2000 والتي كانت قد بلغت 645.6 مليوناً، كما ارتفعت الواردات خلال العام الماضي بنسبة 4.4 في المائة إلى مليار و15.9 مليون دينار بحريني، الأمر الذي قلل بشكل طفيف من حجم العجز في الميزان التجاري غير النفطي العام الماضي.

خسائر الاستثمارات الخارجية أوردت بيانات بنك البحرين الدولي أنه مني بخسارة تصل إلى 30 مليون دولار في استثمارات في السوق الأميركي خلال عام 2001، وهو ما دفع البنك إلى اتخاذ قرار بتقليص أنشطته الاستثمارية في الولايات المتحدة. وقال البنك إن 60 في المائة من محافظ استثمار البنك وقيمتها 880 مليون دولار في الولايات المتحدة و29 في المائة في أوروبا والبقية في الشرق الأوسط. وقال "رغم الخسائر لا يزال لدينا قاعدة رأسمالية قوية ونسبة كفاية رأسمال جيدة تتجاوز 18 في المائة وهدفنا الوصول إلى عائد 15 في المائة على الأسهم في نهاية عام 2003 ونعتقد أنه هدف قابل للتحقيق".

ارتفاع معدل البطالة أما على صعيد التأثيرات السلبية للتراجع الاقتصادي الذي تعرضت له البحرين خلال العام الماضي فبرزت بشكل رئيسي في مشكلة البطالة التي تعتبر قضية اجتماعية خطيرة، فقد وصل عدد العاطلين عن العمل مع نهاية العام الماضي إلى نحو 17.402 شخص مما يشكل 13 في المائة من جميع القوى العاملة في البلاد.
وأفاد تقرير أصدرته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية البحرينية بأن عدد النساء العاطلات عن العمل قد وصل إلى 11.121 نهاية عام 2001 مما يشكل ارتفاعاً بنسبة 300 في المائة، مقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2000، أو ما نسبته 64 في المائة من جميع العاطلين عن العمل في البحرين. ويبلغ عدد سكان البحرين 651.000 نسمة حيث 33 في المائة منهم أجانب ويشكلون 59 في المائة من القوة العاملة البحرينية كافة.
ومن الجدير بالذكر أن 181.000 عامل أجنبي يستخدمون في البحرين معظمهم من شبه القارة الهندية أو من الفلبين.
وقالت وزارة العمل الشؤون الاجتماعية البحرينية إن عدد القوة العاملة في المملكة وصل إلى 308.400 نسمة في نهاية العام الماضي 2001.
وعزت المصادر البحرينية سبب ارتفاع عدد العاطلين عن العمل خلال العام الماضي إلى القرار القاضي بصرف مساعدات للعاطلين عن العمل في أيار/مايو الماضي والتي تبلغ 70 ديناراً (حوالي 185 دولاراً) للأعزب ومائة دينار (حوالي 265 دولاراً) للمتزوج، حيث بادر الآلاف للتسجيل لدى الوزارة للاستفادة من المساعدات وخصوصاً النساء، وأوضحت هذه المصادر أن أكثر من 24 ألف مواطن تقدموا إلى وزارة العمل للتسجيل كباحثين عن عمل للاستفادة من القرار الخاص بالعاطلين عن العمل.
وكانت حكومة البحرين أعلنت في أيار/مايو الماضي تخصيص 25 مليون دينار بحريني (حوالي 66 مليون دولار) لحل مشكلة البطالة عبر برامج تدريب وتأهيل وصرف مساعدات شهرية للعاطلين لمدة ستة أشهر.
وفي هذا السياق أكد صادق عبد الكريم الشهابي الوكيل المساعد لشؤون العمل البحرينية أن الوزارة حققت نجاحا متميزا وخطت خطوات واسعة في دمج العمالة الوطنية في سوق العمل من خلال تنفيذ خطط البرنامج الوطني لتوظيف وتدريب البحرينيين موضحاً أن عدد البحرينيين الذين تمكنت وزارة العمل من توظيفهم خلال العام 2001 في مختلف مواقع العمل والإنتاج بلغ 6446 بحرينياً.
وأشار الوكيل المساعد لشؤون العمل إلى أن أكثر من 60 في المائة من الذين تم توظيفهم خلال عام 2001 يقعون في الفئة العمرية ما بين 15 - 24 عاما، تليها الفئة العمرية ما بين 25 و34 عاماً وتشكل 30 في المائة من إجمالي الذين تم توظيفهم.

تخفيض الرسوم الجمركية وفي إطار سعي السلطات في البحرين للتقليل من آثار الأزمة الاقتصادية التي تعرض لها الاقتصاد البحريني خلال العام الماضي وبالتالي رفع مستوى المعيشة وتخفيض الأعباء المالية عن السكان، وحفز الاقتصاد اتخذت السلطات البحرينية مجموعة من الإجراءات أهمها القرار الذي اتخذته وزارة المالية البحرينية والقاضي بتخفيض الرسوم الجمركية على السلع الاستهلاكية والسيارات المستوردة بمقدار 5 في المائة وهو ما سيكلف ميزانية البحرين 27 مليون دينار "71.6 مليون دولار".
بكلمة أخيرة إن الخسائر التي مني بها الاقتصاد البحريني خلال العام الماضي بسبب تراجع أسعار النفط وركود الاقتصاد العالمي لم تكن كبيرة بسبب تنوع موارد الاقتصاد وتعدد قطاعاته المنتجة، الأمر الذي سيجعل من تجاوز آثار ما حدث أقل صعوبة من الدول الأخرى، وبالتالي العودة إلى مسيرة النمو وبمعدلات تسمح بالتصدي للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية وخاصة مشكلة البطالة. (ق.ب)