البحرين في تقرير فريدوم هاوس... مغالطات وأخطاء

بقلم: احمد ابراهيم

ضمن التقرير السنوي الذي تصدره منظمة "فريدوم هاوس" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، والذي يعنى بتقييم الحريات الديمقراطية من حقوق مدنية وحرية الصحافة وغيرها في جميع بلدان العالم، جاء الحديث عن مملكة البحرين هذا العام مركزا فيما شهدته من احداث واضطرابات مؤسفة خلال الفترة من الرابع عشر من فبراير وحتى اواخر مارس 2011، ليكشف عن جملة من المغالطات والاخطاء سواء المنهجية او المعلوماتية، تبرز على النحو التالي:

أولا- جاء الفصل الخاص بالبحرين تحت عنوان: "حتى لا نقتل حاملي الرسائل: القمع الوحشي في البحرين"، وهو ما يشير بجلاء إلى اتسام التقرير بداية بالتحيز غير العلمي واصدار احكام مسبقة على الاوضاع دون تحليل او فحص وتمحيص، يدلل على ذلك أن التقرير لم يرد يتضمن رصدا واضحا للتجاوزات التي ارتكبها المتظاهرون ومثلت خروجا على القواعد القانونية الحاكمة في المملكة، كما مثلت تهديدا للامن والاستقرار، فضلا عن اعتداءاتها على العديد من الممتلكات العامة والخاصة.

ثانيا- كان اسلوب التقرير في رصده للاحداث والوقائع اقرب إلى الاسلوب التقريري منه إلى الاسلوب العلمي التحليلي القائم على استعراض الاحداث وتحليلها بمنهجية علمية تقيم الدليل وتدحض الادعاءات، فاذا كان صحيحا ان ثمة اخطاء وقعت فيها بعض قوات الامن البحرينية كما جاء في تقرير لجنة تقصي الحقائق البحرينية، إلا انها غفلت الحقائق التي رصدتها اللجنة التي تعاملت مع الازمة بمنهجية وحرفية علمية، حيث كشفت اللجنة في تقريرها على الخروقات التي ارتكبت من جانب المتظاهرين سواء بالنسبة إلى السنة من السكان البحرينيين فضلا عن اعتداءات المتظاهرين على الاجانب من الجنسيات المختلفة وخاصة الاسيوية. ولم يقتصر الامر على ذلك فحسب، بل جاء التقرير ليخالف صراحة ما اثبتته لجنة تقصي الحقائق بشأن الانتهاكات التي شهدها مجمع السلمانية الطبي، ففي الوقت الذي ينص فيه تقرير فريدوم هاوس على "انه تم رصد حالات الاعتقال وتعذيب للعاملين في المجال الطبي نتيجة تمسكهم بشرف المهنة" يأتي تقرير تقصي الحقائق ليعلن بكل وضوح ان ما قام به الطاقم الطبي من ممارسات اثناء الازمة يمثل خروجا على اداب المهنة وشرفها وخلطا متعمدا بين الانتماءات السياسية والطائفية وبين اداء الواجب المهني والطبي، وهو ما يحملهم جزءا كبيرا من مسئولياتهم امام ضميرهم المهني من ناحية ومسئولية جنائية امام القضاء البحريني من ناحية اخرى، خاصة وأن التقرير قد أشار إلى عدم احترام الطاقم الطبي لخصوصية المرضي كما ينص على ذلك ميثاق الشرف الطبي من خلال السماح لوسائل الاعلام المختلفة بالدخول في غرف المستشفي وحجرات العناية المركزة به وهو ما يمثل انتهاكا صريحا وواضحا لحقوق المرضى وخصوصيتهم.

ثالثا- لم يقتصر الامر على ما سبق فحسب، بل يأتي موقف التقرير من دخول قوات درع الجزيرة ليشير إلى عدم فهم واضعي التقرير لطبيعة العلاقات الخليجية الخليجية وعدم معرفته باتفاقيات مجلس التعاون الخليجي وما تفرضه على جميع الدول الاعضاء في المجلس من التعاون سويا ضد اية تهديدات يتعرض لها اعضاءها، وهو ما عبر عنه صراحة تقرير لجنة تقصي الحقائق في اقرار هذه الحقيقية في ضوء القراءة الصحيحة لاتفاقيات الدفاع المشترك بين دول المجلس. كما اكد التقرير على احترام هذه القوات لخصوصية المجتمع البحريني دون الانغماس في خلافات ابناء، حيث ظل ملتزما للحياد دون التدخل في شئون البلاد الداخلية، فقد اشار التقرير انه لم يثبت ان ثمة تجاوزات ارتكبتها تلك القوات، وهو ما يدحض ادعاءات تقرير فريدوم هاوس.

رابعا- من المهم القول أن ما قامت به قوات الامن البحرينية تجاه هؤلاء المتظاهرين يظل مرتبطا بسعيها إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، فكل دولة مطالبة للتعامل بحسم مع من يأتون بتصرفات تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار وفقدان الأمن حفاظا على وحدة الدولة وتماسكها وحماية وحدة الوطن وهويته. وهو ما ينطبق بوضوح على موقف القوات البحرينية، وإن شهدت بعض ممارساتها تجاوزات بسبب صعوبة الاحداث وفجائيتها من ناحية، ووجود اياد خافية خارجية سعت إلى العبث بامن البلاد واستقرارها من ناحية اخري. ولكن، يظل تعهد العاهل البحريني بمحاسبة المسئولين عن تلك الانتهاكات الضمانة الاكيدة لتحقيق العدل وحماية حقوق المواطنين وصون حرياتهم. ودون الدخول في مقارنات تكشف النظرة السريعة لما أقدمت عليه السلطات الأميركية مع المتظاهرين المناهضين لوول ستريت من تفكيك لمخيماتهم واعتقال العشرات منهم وكذلك إلقاء القبض على مجموعات أخرى، تكشف عن ان الدافع وراء هذه السياسات الاعتبارات الامنية وحماية الاستقرار، وإن وقعت تجاوزات او انتهاكات تكون غير مقصودة وغير متعمدة وتظل ممارسات فردية وليست ممنهجة، حيث يظل تعامل كل الدول في سياستها الداخلية من منطلق أن أمن الوطن خط أحمر لا يجوز المساس به.

خامسا- اغفل التقرير جانب مهم في الازمة البحرينية، فاذا كان صحيحا انه اشار بصورة خاطئة إلى تدخل قوات درع الجزيرة معتبرا انها "تعزيزات اجنبية" على حد وصفه، فصحيح ايضا ان تجاهل اليد الايرانية التي برزت في العديد من التجليات سواء اعلامية او لوجستية او مادية واشعلت الازمة بصورة كادت ان تعصف بكيان الدولة واستقرارها. واذا كان تقرير تقصي الحقائق قد اشار إلى انه لم يثبت وجودا ايرانيا في الازمة البحرينية، إلا انه لم ينف في الوقت ذاته امكانية هذا الوجود بصورة غير مادية، خاصة في ظل الموقف العاقل الذي اتخذته الحكومة البحرينية في عدم تقديم ما لديها من ادلة على التدخلات الايرانية لاسباب امنية. فنظرة سريعة وفاحصة لوسائل الاعلام الايرانية يتأكد موقفها وتدخلاتها، بل يتأكد هذا التواجد فيما رُفع من لافتات وصور واعلام في التظاهرات.

سادسا- غني عن القول ان المطالبات او التوصيات التي طرحها التقرير في نهايته بشأن السياسة الاميركية – مع الاخذ في الحسبان دعم الحكومة الاميركية لهذه المنظمة- تجاه مملكة البحرين سواء فيما يتعلق بممارسة الضغوط على الحكومة البحرينية او ربط الصفقات العسكرية باستجابة الحكومة البحرينية للمطالب الاميركية. تمثل هذه المطالبات خرقا واضحا لقواعد القانون الدولي ومبادئه التي ترتكز في جوهرها على احترام سيادات الدولة وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول إلا وفقا لمتقتضيات السلم والامن الدوليين وتحت مظلة دولية وليس من خلال ممارسات ثنائية تفرض بها الدولة الاقوى سلطتها وسيطرتها على الدولة الاضعف في النظام الدولي. وهو ما يكشف التناقض الواضح في سياسات القائمين على المنظمة فكيف تطالب المنظمة في تقريرها حماية الحريات والحقوق واحترام الخصوصيات في بلدان العالم، ثم تطالب في ذات الوقت بفرض هيمنه وسيطرة اميركية على شئون البلدان وتوجيهها بما يتناسب مع مصالحها.

خلاصة القول أن تقرير منظمة فريدوم هاوس يظل مجرد رصد لواقع متحيز يكشف عن مغالطات واخطاء تستوجب على القائمين عليه ان تدركها مستقبلا وأن تراعي في تقاريرها الخصوصيات الداخلية للدول وتباين الثقافات السياسية لشعوبها واختلاف التركيبات المجتمعية دون تهوين من شأن الانتهاكات التي تقع في هذه البلدان وكذلك دون تهويل، وذلك من أجل كسب المصداقية لدي الرأي العام سواء العربي او العالمي الذي اضحى صانع فاعل في سياسات الدولة وقراراتها.

احمد ابراهيم

باحث سياسي