البحث عن الخطاب المفقود

بقلم: صباح علي الشاهر

من يتعرض لدراسة الحالة الإجتماعية والسياسية في العراق منذ تأسيس ما يُسمى بالحكم الوطني في العشرينيات من القرن الماضي، يُفاجأ بتلك المساحة الواسعة التي إحتلها ذاك الخطاب الذي كاد ان يكون مُتبنى من قبل الغالبية العظمى من الكتاب والأدباء والفنانين والمفكرين، والمثقفين والمتعلمين عموماً، والذي وسم بميسمه جميع الحركات السياسية تقريباً، بحيث وصل إلى أحزاب وتنظيمات الحكم الملكي التي تسمى بعضها بالإشتراكي.
لم يكن التطور الإجتماعي و السياسي في العراق يومئذ يبرر شيوع مثل هذه الأفكار، التي لم تنل هذا الحجم من الإتساع حتى في بلدان متطورة إجتماعياً وإقتصادياً وثقافياً، بلدان فيها طبقة عاملة متبلورة، وشغيلة فكر بحجم كبير وقدرات هائلة على التأثير.
يقول البعض أن سبب شيوع هذه الأفكار الجدة التي إنطوت عليها، وحجم التنوير والتجاوز الذي كانت تدعو إليه، بإزاء مجتمع شبه راكد وواقع يتراوح في مكانه منذ قرون.
قضية جدة هذه الأفكار أمر يحتاج إلى إعادة نظر، إذ لو أننا شذبنا هذه الأفكار من تعابيرها الجديدة المستحدثة، التي كانت في الأغلب مترجمه من حيث المعنى عن اللغات الأوربية، وعبرنا عنها بمصطلحات تفي بالغرض، مثلاً كأن نستعمل "العدالة الإجتماعية" بدلاً عن "الاشتراكية"، وهي المفردة التي إبتدعها سلامة موسى في عشرينات القرن المنصرم، وجرينا هذا المجرى على المصطلحات الأخرى، فإننا سنجد تأصيلاً تاماً لكل هذه المفردات في ثنايا تأريخ ونشاط وثقافة الأمة، ومن هنا فإن هذا النشاط التقدمي (اليساري تحديداً) سيصبح عملية إحياء لأنبل ما في ماضينا بدلا من أن يكون عملية تفارق وتجاوز وتغريب، وطبيعي أننا هنا نقصد عملية تأصيل حقيقة وكاملة، ولا نقصد عملية البحث عن مصطلحات من بطون التأريخ فقط، وليس في واردنا إعادة تلك المحاولات السقيمة والساذجة، والتي وضعت الماضي على سرير بروكست، ومدته أن كان أقصر من السرير، أو بترتت أطرافه إن كان أطول، فأمر كهذا لا يعدو أن يكون إبتساراً وتزيفاً ليس للماضي فقط، بل للفكر بمجمله.
يمكن القول أن شيوع هذه الأفكار الأفكار اليسارية والتقدمية لم يكن بسبب جدتها، أو حداثتها كما يخيّل للبعض، رغم أهمية هذا الأمر، وإنما بسبب كونها من حيث الجوهر لامست وتراً حساساً لدى المتلقي، ومن ثم فقد أحدث هذا التأثير إستجابة من قبل الفرد العراقي الذي كان يمتلك نزوعاً فطرياً إلى قيم العدالة والحرية والمساواة، بحكم البناء الروحي والأخلاقي أولاً، وبحكم المورث الذي كان في أغلبه الأعم، وبالأخص المُفتخر به، وليس ذاك المذموم، يدعو لمثل هذه القيم والمفاهيم.
أن غيمة الإشتراكية واليسارية لم تمطر على أرض صخرية جرداء، بل أرسلت شآبيبها على تربة صالحة لم تكن بحاجة إلا إلى قطرت لتحيا وتينع.
خطاب التأصيل هذا تغافل عنه اليساريون إلا ما ندر، والتجأوا إلى إستمداد مصادر القوة والثبات من قوة اليسار، وقوة المثل الذي كان يقدمه سواء في الشرق أو الغرب، وعندما إنهارت المثل الإشتراكية، بإنهيار الأنظمة، إنهار اليسار غير المتأصل هنا ايضاً، ولو كان الأمر معكوساً، أي لو أن اليسار هنا بحث عن جذوره، وأصّل فكره، فإن ما سيحدث في الغرب أو الشرق سوف لن يؤثر فيه إلا بالقدر الذي يؤثر ما يجري في الخارج في الداخل المُحصن.
كان من الطبيعي تماماً إنهيار اليسار الناقل، يسار الترجمة الحرفية، والتطابق، والنظر إلى تنوع البشر، وتنوع التجارب، وتنوع الأمزجة، كما لو أن كل هذا مجرد فرية، وأمر يتحدث عنه المنحرفون، قصد أضعاف الوحدة الفولاذية لوحدة اليسار الكونية.
لو أن اليسار الناقل كان متأصلاً بما فيه الكفاية، لو بذل جهداً فكرياً موازياً لذاك الجهد الذي بذله في تعقب كل شاردة وواردة لمفكرين وناشطين كانوا حريصين على دراسة مجتمعاتهم، وتتبع مراحل تطورها بكل دقة، ومن ثم صياغة الإفكار التي وإن إتسمت بما هو عام إلا إنها إنطلقت بالإساس مما هو خاص، وخاص جداً. لو أنهم فعلوا فعل هؤلاء لأختلف الأمر كثيراً.
ليس من المُستغرب أن يتحول اليساريون من هذا اللون إلى الضفة الأخرى، ويصبحون دعاة، ومريدين لمن كانوا يناضلون ضدهم طيلة عقود. لم يكن مثل هكذا إنقلاب مستغرباً بالنسبة لأشخاص إرتبطت أحلامهم وتطلعاتهم، وربما نضالاتهم بما هو خارج حدود الوطن الذي أرادوه، بأرضه وناسه، وفق مقاسات أخرى، ونسخة من أوطان أخرى، ناسها غير، وتأريخها غير، وموروثها غير، وقيمها غير، ومساراتها غير، رغم أن "الغير" هذا الذي كررناه، لا ينفي الإلتقاء بفضاء واحد مع الآخرين، ألا وهو فضاء الإنسانية الرحب.
لقد إغتال اليسار الناقل أهم وأبرز صفة إمتاز بها اليسار، ألا وهي الحرص على الإستقلال الوطني، والعداء الحقيقي، المبرر عملياً ونظرياً للإستعمار والإحتلال والتبعية، والوقوف بوجه الغزو الفكري، الإستئصالي لثقافات الشعوب، والمشوه للقيم الخيرة، ولم يكتف بعض اليساريين بتخليهم عن الفكر جملة وتفصيلاً، بل تحولوا ليصبحوا فرسان صحافة التخلف، وإعلام الإرتداد والظلامية، وعملوا بحماس مع جحافل الغزو، مقدمين التبريرات الساذجة لقضية لا يمكن تبريرها إلا وهي إحتلال الأوطان وإستعباد الشعوب، وبهذا شطبوا على كل التأريخ النضالي المجيد لليسار.
ثم تجاهل هؤلاء (الإغترابيون) السمة الأخرى، التي تجعل اليسار يساراً، ألا وهي الموقف الإجتماعي المتمثل بالهدف الأسمى لليسار ألا وهو العدالة الإجتماعية، عندما أصبحوا منظرين للعولمة، والعالم الجديد، وبحجة النضال ضد الإرهاب وقفوا بوجه كل عمل مقاوم، أكان في الداخل أو في الأمة، أو على نطاق العالم، وأضحوا مطالبين بالعقلانية.
لقد بات كل ما هو ممدوح سابقاً، مذموم الآن. لقد ضاعوا وضيعوا. صباح علي الشاهر