البث الفضائي العربي: الكم يفرز النوع

بقلم: د. فاضل البدراني
فشل مقولة يغيب النوع في الكم

عكس تقريرا لمنظمة اعلامية عربية تهتم بشؤون البث الفضائي والاذاعي مطلع العام الجاري انجازا نوعيا من حيث تعدد الاجناس الاعلامية الفضائية وتنافس القطاع الخاص للعام في أنشائها وقدرة ادارتها ومن خلال ذلك توصلنا الى اهمية تعدد رغبات وميول الجمهور العربي بجوانب ثقافية واجتماعية واقتصادية ورياضية وفنية واخبارية متنوعة، فاعتبر بشارة عند الوسط الاعلامي العربي والقائمين على نقد وتقييم القطاع الاعلامي ومراقبة اداءه لانه كشف عن مستوى تعافي واضح لبيئة الاعلام العربي نظرا للنمو والتطور الايجابي الملحوظ في خطابه وتعدد خدماته المعلوماتية.
واعتبرت المنطقة العربية بحسب الاحصائيات الدولية المسجلة بانها من ضمن افضل الساحات العالمية فاعلية وانتشارا وتنوعا لمختلف انواع التقارير الاعلامية التي تبث عبر المحطات الاذاعية والشاشات الفضائية، وهذا قضى على حكم وتصور سابق نعتقد بانه خاطئا من وجهة نظرنا، بان الانسان العربي اكثر ما يستمع للاخبار والتقارير الاخبارية انطلاقا من كثرة المشكلات والهموم التي تكتنف حياته اليومية فرضتها ظروف الحروب ومفاعيل ذلك من فساد وفقر واضطهاد وحرمان وفقا للنظرية التقليدية التي ما يزال يتمسك بها بعض المراقبين والخبراء الاعلاميين.
وان كنا نتفق جميعا على هذه المعاناة المضنية لكنها لن تتمكن من احباط الانسان العربي عن البحث واثراء النقاش في ثقافات وافكار وتطلعات عديدة لا تقتصر عند حدود الاخبار حصريا.
واثبتت الاحصائيات الدقيقة الحالية التي تبناها اتحاد اذاعات الدول العربية مؤخرا بان القنوات الاخبارية هي الاقل حظورا وحظوظا عند الجمهور العربي بين نظيراتها الاخريات، بحيث بلغ عددها 34 قناة، بينما تنفرد القنوات التي تتعلق بالموسيقى والمنوعات من قضايا تنمية وبيئة وفكر وتعليم بأعلى نسبة في مجموع القنوات المتخصصة في البث الفضائي العربي، بحيث يصل عددها إلى 115 أي بنسبة مرتفعة تصل إلى 23.4%.
كما يستأثر قطاع الدراما والسينما والمسلسلات والثقافة العامة بعدد مرتفع من القنوات يصل إلى 75 قناة. وتاسيساً لهذه الميول والاتجاهات المتنوعة، شكلت هذه المسالة نوعا من التخصص في الاعلام يحسب للمواطن العربي فرضتها رغباته واتجاهاته الملحة.
ولا يغيب عن الاذهان بان الرياضة والنشاطات الشبابية هي الاخرى تشكل مقاسا نوعيا هاما لدى خبراء الاعلام عند قياس توجهات الجمهور عليها، الامر الذي جعل عدد القنوات الفضائية الرياضية في عالمنا العربي يبلغ بنهاية 2009 بحدود 56 قناة من مجموع القنوات المتخصصة وهي نسبة جيدة .
ان هذه الاحصائيات تؤكد من دون شك بان المجتمع العربي يعد مجتمعا ديناميكيا وشفافا في تفكيره، ولا يتوقف الحال عند ذلك بل نجد ان الاعلام العربي اصبح يغطي معظم ساحات الكرة الارضية تقريبا عندما نجده يصل الى استراليا ونيوزلندا والاميركيتين بفضل دخول القطاع الخاص لميدان السباق مسجلا تجربة توسع في المساحة الجغرافية للبث باستعمال سواتل جديدة.
وبختام سنة 2009 يتحدث المختصون العرب عن 696 قناة متعددة اللغات والاصناف والاهداف مستعملة في ذلك سبع عشرة قمرا صناعيا وفي مقدمتها الأقمار الصناعية العربية "عرب سات ونايلسات ونور سات" بالإضافة إلى الباقة العربية الموحدة لتغطية كافة مناطق العالم.
أما بخصوص أصناف التخصص، فبلغ عدد الهيئات العربية التي ثبت أو تعيد بث قنوات فضائية على شبكاتها حوالـي 398 هيئة، منهـــــا 26 هيئة حكومية و372 هيئة خاصة، وتعكس هذه المسألة حصارا لافكار مطلقي نظرية "يغيب النوع في الكم" ونعتقد بان "الكم يفرز النوع".
وتتركز ملكية تلك القنوات بالخصوص بين أيدي أربعة هيئات خاصة من عمالقة البث الفضائي العربي هي "شبكة راديو وتلفزيون العرب 88 وشبكة شوتايم 48 وشبكة أوربيت 33، تليها شركة المجد للبث الفضائي 13".
ويعكس اتحاد اذاعات الدول العربية الذي يتخذ من تونس مقرا له في مضمون تقريره السنوي لنهاية 2009 قراءة ورصدا موضوعيا حول إحصائية ومعلومات أضافية تحصي القنوات وتصنّفها، وتبيّن نظام بثها ومداه الجغرافي، واللغات التي تستعملها.
كما يقدم قراءة نقديّة لبيان مدى مواكبة البث الفضائي العربي للتطور العالمي للقطاع، والوقوف عند ظاهرة تكاثر القنوات الفضائية وانعكاساتها على الجمهور.
ان هذه الطفرة النوعية في واقع الاعلام الفضائي التي تستحق ان تنال تسمية "ثورة الاعلام الفضائي العربي" تستدعي ان نتجاوز مفهوم "القرية العصرية" الى مفهوم "الشاشة الصغيرة" لطالما ان شاشة الموبايل اصبحت تؤدي خدمات الانترنت ونقل الصورة والمعلومة من استراليا الى داخل الوطن العربي في اسرع لحظة، وهذا تطور يتسع ضمن منظومة دولية وليست عربية.
لا شك ان هذا النهوض الاعلامي بدأ مطلع تسعينيات القرن الماضي عندما كان عدد الفضائيات العربية بين عمومية وخاصة محدودا جدا لا يتعدى العشرين قناة معتمدا في فكرة ولوجه على تجارب غربية تتمثل بقناتي الـ (CNN) و (BBC) اللتان فاجأتا المشاهد العربي في حرب الخليج العربي الثانية 1991، ثم بدأ تكاثر الفضائيات العمومية خلال النصف الأول من التسعينيات.
ولكن قد لا نجد دورا للقطاع الخاص انذاك لان تقييدات الانظمة الرسمية ما زالت صارمة وان النظرة لواقع وخدمات الاعلام الفضائي هي الاخرى تحدث ريبة لدى المسؤولين المختصين الحكوميين بحقل الاعلام، ولكن ما يميز واقعنا الحالي عن سابقه مع عولمة الاعلام، هي الطفرة الحالية التي تجسدت بفضل تطور القطاع الخاص بعد ما فاق القطاع الحكومي بامتلاكه وادارته للقنوات الفضائية.
وما من شك فان "اتحاد اذاعات الدول العربية" كونه احدى واجهات جامعة الدول العربية معنية بان تعطي المؤشرات والرصد الحقيقي لحركة تطور ونهضة الاعلام الفضائي العربي والاذاعي او أية مؤشرات سلبية تمس واقعه، كونها تمتلك ادوات مختصة في المتابعة.
وفي ندوة مختصة بتونس في كانون الثاني يناير 2010 كشف مديره العام صلاح الدين معادي بان 515 قناة تتناول خطابها باللغة العربية بنسبة 74% تقريبا، ولم يتوقف الامر لهذا الحد بل تبع هذه الخطوة وجود 142 قناة تتحدث باللغة الانكليزية، وبمرتبة ثالثة ومن خلال 14 قناة تأتي اللغتان الفرنسية والهندية.
ويشمل البث أيضا باللغة الإمازيغيّة في أربع قنوات والإسبانية في ثلاث قنوات، والعبرية في قناتين والفارسية في قناتين، والأوردو في قناة واحدة والماليزية في قناة واحدة.
وقد أصبحت المنطقة العربية تستقبل العديد من القنوات الأجنبية الناطقة باللغة العربية والموجهة خصيصا إلى الجمهور العربي، ومن بينها "قناة BBC Arabic وقناة فرانس 24 وقناة DW الألمانية الناطقة بالعربية وقناة RAI الناطقة بالعربية وقناة روسيا اليوم وقريبا قناة هنا أمستردام الناطقة بالعربية" وتحمل سنة 2010 امالا كبيرة نحو توجه عربي رسمي بإنشاء قنوات جديدة تتناول الجوانب التربوية والثقافية مقابل بروز بوادر مشرقة للقطاع الخاص بانشاء عدد كبير من القنوات الاقتصادية والاجتماعية من اجل تنمية وتأصيل قيم التكافل الاجتماعي عند الانسان العربي.
وعلينا عندما نشخص اين هو موقع الاعلام الفضائي العربي من حيث البنى الارتكازية ورؤية جمهوره اعتمادا على رصد وتحليل المنظمات المختصة لادائه، فاننا نطالبه بمزيد من المسؤولية والجهد لانجاح الحراك الفاعل والتلاقي الايجابي بينها وبين المتلقين حسب نظرية "التغذية العكسية المشتركة".
وينبغي هنا بالقائمين على الخطاب الاعلامي ان ياخذوا بما يفكر به الجمهور، وفي جانب اخر أن يكون الهدف بناء المجتمع وتحصينه وتحقيق التكافل الاجتماعي فيما بينه.
وخلاصة القول فالتوسع بحقل وسائل الاعلام وربما الفضائية منها تحديدا اعطى ثمرة ايجابية وتطورا نوعيا لدى المراقبين والفعاليات الاعلامية المختصة تؤكد على اهمية هذا التوسع الصحي حسب الاعتقاد، كونه جاء ملبيا لرغبات وميول الانسان العربي وفق دراسة نفسية تقف عند حدود ما يرغبه من النسخ الاعلامية، وليس ما يريده قائد المشروع الاعلامي، والاهم من كل ذلك، ظهور فضائيات ووسائل اعلام متخصصة بالرياضة والفن والثقافة العامة والاسرة والمجتمع والتدبير المنزلي والاقتصاد والصحة والتعليم والاخبار وغير ذلك.

د. فاضل البدراني: متخصص بشؤون الاعلام الدولي - بغداد