البتراء مدينة الدهشة والابهار

بقلم: ماجدولين الرفاعي
أريد تسجيل كل لحظة وكل حجر

كانت مفاجأة غير متوقعة أن نذهب في رحلة إلى مدينة البتراء الأثرية. كنا نتصور أن الرحلة ستكون إلى جرش. وبكل الأحوال كنا سعداء بخبر التجوال في الأماكن الأثرية في الأردن الشقيق. ولكن المفاجأة الأجمل أننا سنزور البتراء تلك المدينة الساحرة التي طالما حلمت بزيارتها قرأت عنها الكثير ورأيت الصور في التلفاز ستعانقها عيوننا أخيرا.
بعد أن أمضينا يوما حافلا بين السلط وعمان ولقاء الأصدقاء والسهر في مكان جميل في عمان مع خوفنا من صعوبة الاستيقاظ في السادسة والنصف صباحا بعد سهرة امتدت حتى الثانية بعد منتصف الليل، لكن الاجتماع بالأصدقاء جعلنا نتناسى أننا سنستيقظ مبكرين.
وخفنا الا يكون صوت فيروز المصاحب لمنبه الموبايل كافيا لإيقاظنا فاستعنا بعامل الرسبشن الذي أيقظنا تماما في السادسة والنصف وكان علينا الاستعداد في اقل من ساعة.
بدأنا الرحلة بصوت فيروز الملائكي الذي أزال عن أجفاننا النعاس لنستقبل الصباح بابتسامة وفرح.
بدأنا نخرج من عمان رويدا رويدا ليبدأ امتداد لصحراء مغبرة قاحلة لا جمال فيها إلا الوعد بالوصول إلى البتراء كلما قطعا شوطا آخر فيها.
الجو حار والمناظر على جانبي الطريق باهتة تماما. كان مدير الجمعية التي استضافنا السيد نذير عواملة يحاول التخفيف من صعوبة الأجواء بالتعريف عن الأماكن التي نمر من قربها
وكنت وصديقتي إيمان نستمع له ثم نتابع أحاديثنا وضحكاتنا فالرحلة بالنسبة لنا كانت فرصة كبيرة لزيادة أواصر الصداقة بيننا وكما قالت أن "السفر يعرف الناس على بعضهم بشكل كبير".
أمضينا الجزء الأول من الرحلة في استعراض ما حصل معنا في اليوم السابق. فالأمسية الأدبية في مدينة السلط الجميلة والإطلالات الرائعة لجبالها المكسوة بالخضرة وجلسة النقد التي دارت بعدها والتعرف إلى أشخاص رائعين وطيبين وزيارة أقدم ثانوية خرجت كبار رجالات الدولة من أهالي السلط واللقاءات الجميلة إضافة إلى السهرة التي دعانا إليها الزميلان الدكتور محمد سناجلة والقاص مفلح العدوان انتهاء بمصطفى واهتمامه الرائع بكل شيء لإنجاح الأمسية وتامين الراحة لنا أثناء زيارتنا لعمان.
الطريق بين عمان والبتراء طويل نسبيا يستغرق حوالي أربع ساعات بسرعة متوسطة لكننا تحايلنا على الوقت وانتظار رؤية عظمة البتراء تلك المدينة الوردية الجميلة بالأحاديث تارة وبالشرود تارة أخرى.
حتى بدأت معالم المدينة تلوح لنا من خلال الجبال المميزة ذات الأشكال المختلفة الغريبة كنا نظن أننا سنرى المدينة الأثرية فورا لكن تبين فيما بعد أننا سنذهب إليها سيرا بعد حضور الملتقى الإعلامي الأول المقام في فندق المفين بيك. وفي البداية كان علينا مهمة استلام غرفنا في الفندق والراحة قليلا ثم تناول الغداء والتوجه فورا إلى مكان المؤتمر حيث كان عدد من الفنانين التشكيليين يقومون برسم الجبال المقابلة للفندق كل حسب ما يراه مناسبا حيث تعرفنا على مجموعة منهم كما أتيحت لنا فرصة اللقاء بوزير الثقافة الدكتور عادل الطوسي وهو رجل رائع جدا مثقف ومهتم بالثقافة بشكل كبير شكرناه على حسن رعايتها لنا أثناء الإقامة في الأردن ثم التقطنا الصور التذكارية معه ومع مجموعة المشاركين في الملتقى.
كانت أفكارنا معلقة بالمدينة الوردية لهذا تعجلنا الرحيل بعد شرب فنجان من القهوة مع الفنانين والأدباء المشاركين الذي احتفوا بقدومنا.
عشر دقائق فقط كانت كافية لنكون على استعداد تام للتوجه إلى مكان الآثار الشهيرة في البتراء والتي تحتاج إلى مسير طويل قبل أن نبتدئ بالمرور من الشق الهائل بين الصخور الذي يسمونه بالسيق حيث بدأت الكاميرات بالتقاط الصور لكل جزء من المكان بينما عدد كبير من السياح من مختلف الجنسيات كانوا يسيرون في الطريق المعاكس عائدين من جولتهم التي ابتدءوها في وقت مبكر في حين تأخرنا نحن بالذهاب بسبب حضور المؤتمر وخوفا من الحرارة المرتفعة لهذا الوقت من السنة فالجو الحار ساد جميع المناطق وفي البتراء ترتفع الحرارة أكثر بسبب جوها الصحراوي الجاف.
يتمثل سحر البتراء في حجارتها الرملية، المنحوتة بشكل أعمدة باسقة وأقواس وأروقة تزين معابدها ومقابرها الأسطورية.
كنا نشعر بالانبهار أمام روعة هذه المدينة النبطية المنحوتة في الصخر في جنوب الأردن.
مدينة البتراء التي بناها العرب الأنباط قبل أكثر من 2000 عام والتي تأمّلها الكثيرون بإعجاب
عند البوابة الرئيسية للموقع تجمع عدد من أبناء المنطقة مع بعض الخيول التي يستخدمونها لنقل الركاب إلى داخل المنطقة الأثرية والمسافة حوالي كيلو متر واحد إضافة إلى عربات تجرها الخيول أيضا ولكن ما يلفت النظر أن الأجرة مرتفعة جدا فقد سألنا احدهم عن الأجرة فلم يتنازل عن اقل من عشرين دينار علما أن بطاقة الدخول أيضا عشرون أخرى وهذا المبلغ بالنسبة لنا في سوريا مرتفع جدا، لهذا كان خيار المسير بإضافة بعض الوقت والجهد أفضل ويتيح لنا فرصة للتأمل اكبر.
أول ما يطالعك في المدخل سد شيده الأنباط قرابة سنة 50 ميلادية لحماية مدخل البتراء من فيضانات نهر وادي موسى المدمرة.
بدأنا بعبور السيق، وهو ممر طوله 1.2 كيلومتر تحده من الجانبين جدران عالية عمودية من الحجارة الرملية يبلغ ارتفاعها 200 متر وتنتشر على طول جدران السيق الذي يتراوح عرضه بين 3-16 متراً وعند مختلف المستويات بقايا أثرية محفوظة جيدا تعود إلى ألفي سنة لنظام نقل المياه الذي اعتمده الأنباط، ويتضمن مجموعة متشابكة من الخزانات الواقعة تحت الأرض التي تجمع مياه الأمطار وتوزع المياه من وادي موسى إلى وسط المدينة.
مشاهد مكللة بالدهشة والسحر كنت اشعر أن هنالك من ينظر إلينا من بين الآثار ربما أرواح السكان الأصليين اللذين أدهشتني دقتهم في فن النحت وعمل المجسمات.
أي حياة عاشها هؤلاء؟
أجمل ما في هذا العبور للسيق اطلالة الشمس على الصخور التي تبدو رخامية او هكذا خيل إلينا فحين تتعانق تلك الصخور مع أشعة الشمس تعطي لونا وبريقا أخاذا انه السحر بعينه
اخبرني الصديق محمد سناجلة قبل الذهاب بان هنالك مكان عندما نصل إليه قد نبكي انفعالا باللحظة الرهيبة او نصرخ فرحين ولم يخبرني أي مكان هو لكي يترك لي فرصة الانبهار باللحظة ولمسها بنفسي.
عند المنعطف قبل الأخير وبعد مسير طويل في السيق المظلم صرخت بفرح وصفقت دون شعور مني. ها قد وصلنا وظهرت المدينة الوردية انه إحساس يفوق الوصف حين تنتقل من ممر ضيق معتم إلى النور المبهر للشمس والخزنة الوردية واستعصت علي الدموع لكني بفرح غامر. ركضت صوب المكان وانا التقط الصور العشوائية هنا وهناك أريد تسجيل كل لحظة وكل حجر وهذا النقش النافر للخزنة وأعمدتها المحفورة بدقة بالغة في جدار الوادي. ويُعتقد أن الخزنة المحفورة في الصخر والتي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد والتي يتوهج صخرها الوردي تحت أشعة الشمس الذهبية كانت عبارة عن ضريح أو مقام مقدس.
توقفنا أمام الخزنة طويلا في تأمل وإعجاب لحظات لا تنسى وكنا نظن أنا وصديقتي أن هذا آخر المطاف لكن مرافقنا قال لازال هنالك الكثير فلم تروا بعد أي شيء وكنت قد سمعت وزير الثقافة الأردني الدكتور الطوسي وهو يقول انه يلزم للزائر أربعة أيام كي ينهي التجول في كافة أرجاء المدينة فكيف يمكننا في غضون ساعات قليلة من الانتهاء من رؤية كل شيء.
تجاوزنا الخزنة الضخمة باتجاه باقي أجزاء المدينة ثم وصلنا إلى المسرح الكبير الذي يضم حسب ما ذكروا لنا حوالي ستة الاف مقعد.
وتذكر الكتب أن تاريخ البتراء تراوح دائما بين مدٍ وجزر. فقد تأسست المدينة عاصمة لإمبراطورية الأنباط قرابة سنة 312 قبل الميلاد، وازدهرت كمركز عالمي واتحدت مع روما وتحولت إلى محطة هامة على طريق التوابل. إلا أنها بدأت بالانحطاط عندما حوّل الرومان التجارة إلى المرافئ التي يسيطرون عليها عند الجانب المصري للبحر الأحمر، ولحقت بها أضرار فادحة عندما ضربها زلزال عظيم عام 363 ميلادي. وقد اختفت المدينة من الخرائط والذاكرة البشرية حتى عام 1812، عندما أعاد المستكشف السويسري يوهان لودويغ بوركهارت اكتشافها. ولكن بما أن الأنباط كانوا يتكلمون لغة نادرة متفرعة من الآرامية ولم يخلّفوا سوى القليل من السجلات المكتوبة، لم يُعرف الكثير عن جوهر المدينة في أوجها.
بعد جولة رائعة جدا شعرنا بعدها بالإنهاك ولكننا لم نفكر بالعودة لولا خوفنا من حلول الظلام وما قد يخبأه لنا من مفاجأة غير متوقعة مع العلم أن المنطقة كما يقال محروسة برجال الأمن تماما ولكن لامان أكثر قررنا العودة فورا.
ولو كانت زيارتنا بغير يوم الجمعة لكنا شهدنا ليلا ساحرا مضاء بالشموع في هذا المكان الأسطوري فقد اهتمت وزارة الآثار بإنارة السيق والخزنة بالشموع على مدى ثلاثة ليال في الأسبوع ليتحول ليل البتراء إلى مهرجان فرح تتعانق فيه الشموع مع الأوابد التاريخية لترسم للزائر لوحة خلابة.
كما تسعى الوزارة جاهدة إلى أن تصبح البتراء احد عجائب الدنيا من خلال تصويت على الانترنت كما شرح لنا صديق من وزارة السياحة تعرفنا عليه في الفندق
في طريق عودتنا مجددا عبر السيق كان الليل قد بدا يلامس الصخور ويحول لونها إلى رمادي لتنام بهيبة وجلال بعد يوم صاخب بأصوات الزوار وعشاق المكان وتوحي لهم أن هنالك الكثير من الأسرار الغامضة لاختزال بحاجة إلى من يكتشفها.
عدنا إلى الفندق متعبين وبعد حمام دافئ جلسنا أمام مسبح الفندق المطل على الجبال التي لازالت رغم الظلام تبدو لنا وتهب من بينها نسمات عليلة لفحت وجوهنا وأشعرتنا بالراحة والسكينة بعد يوم طويل متعب فتوجهنا إلى النوم دون أن نباشره قبل أن نستعرض شريط النهار بكامله ونخطط للعودة في الصباح الباكر قبل ارتفاع الحرارة في نهار الصحراء الحار. ماجدولين الرفاعي
سوريا
1/6/2006