الببلاوي: عملية توحيد العملة في الخليج اسهل من اوروبا

الببلاوي: احداث سبتمبر اكدت سيطرة اميركا على العالم

ابو ظبي - ذكر الباحـث الاقتصـادي العربـي الدكتور حازم الببلاوي، مستشار صندوق النقد العربي في أبو ظبي، في محاضرة له بمركز زايد للتنسيق والمتابعة، بعنوان "العملة الأوربية الموحدة وتأثيراتها على الاقتصاديات العربية والعالمية"، أنّ الشروط المتوافرة حالياً لدى دول مجلس التعاون الخليجي تجعل عملية توحيد العملة أسهل بكثير من أي منطقة أخرى، فأغلب الدول مرتبطة بالدولار وسعر العملة المحلي ثابت مع الدولار وبالتالي فإن العملات بين بعضها ثابتة، وجميعها تسمح بنظام حرية دخول وخروج رؤوس الأموال، وتسمح أيضاً بالاستثمار والتملك لأبناء دول الخليج، وهذا يوفر من الناحية العملية منطقة نقدية واحدة.
ولتأمين وحدة نقدية كاملة هناك أمور تحتاج لسرعة في اتخاذ القرارات، وأوّل شيء مطلوب هو توحيد نظم الرقابة على البنوك وشروط ممارسة العمل المصرفي حتى تكون متقاربة بين بعضها. وأكد أنه بالرغم من أن توحيد العملة يعتبر عادة أدق وأصعب خطوات التعاون والاندماج الاقتصادي، فإن الأمر في حالة دول الخليج يبدو أكثر سهولة ويمكن تحقيقه بشكل سريع في هذا الميدان. وأوضح أن إصدار عملة نقدية خليجية موحدة شأن لا يعدو أن يكون عملية فنية ليس لها آثار اقتصادية كبيرة.
وعن مدى تأثير تفاوت الدخل لدول مجلس التعاون على توحيد نظام العملة ذكر أنه طالمـا أن هذه الدول قادرة على الاحتفاظ بسعر صرف ثابت بين عملاتها، وطالما أنها قادرة على السماح بحرية انتقال رؤوس الأموال بينها، فانها تستطيع توحيد العملة بالرغم من وجود اختلاف في مستويات المعيشة. فعندما ننظر إلى مستوى الدخل في لوكسمبورج في أوروبا فهو تقريباً ضعف مستوى الدخل في جنوب إيطاليا أو في جنوب إسبانيا، والمهم هو أن البلد يستطيع الاحتفاظ بثبات سعر الصرف وحرية دخول وخروج رؤوس الأموال، كما أن الفروق في الدخول بين دول الخليج ليست كبيرة إذا ما قارناها ببقية الدول العربية.
وحول مدى الفائدة للدول العربية والخليجية في إحداث نوع من التوازن ما بين الدولار واليورو، بحيث يكون لها سلة عملات لمواجهة أي ظروف طارئة، كالتي حدثت في الأرجنتين حيث تمّ ربط عملته ربطاً كاملاً بالدولار، أشار لاختلاف الوضع بين الحالتين، لأن الأرجنتين عندما ربطت عملتها بالدولار وهي تُصدّر سلعاً متعدّدة أصبحت قدرتها على التصدير قليلة لأنها تُصدّر نفس سلع دول أميركا اللاتينية التي قامت بتخفيض عملتها بالنسبة للدولار فأصبحت نفس السلعة متوفرة بثمن أرخص مما هو عليه في الأرجنتين. وبالنسبة لدول الخليج فإن السلعة المصدرة تقريباً واحدة وهي البترول، وطالما أن هذه الدول لها فائض كبير فهي تتمتع بحرية نسبية في تحديد سعر عملتها.
وفيما يتعلّق بموضوع الفوائض في دول الخليج، أشار إلى أننا كلما اقتربنا من حاجز نقص الفوائض كلما كان هناك ضرورة في أن توضع ضوابط على الإصدار النقدي لضمان السيطرة على البنوك والأسواق في إصدار النقود في غير الاتجاه مع الدول الأخرى.
وبسؤاله عن مدى تأثير إصدار اليورو وبدء التعامل به على إعادة توزيع أفضل للفوائض المالية العربية بشكل يحميها من المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بدور الولايات المتحدة السياسي في العالم أو بأوضاعها الاقتصادية الخاصة أوضح الدكتور حازم الببلاوي أن القوة التي تضمن الحقوق الاقتصادية للبلاد العربية تتمثل في أنها إما أن تصبح قوية اقتصادياً وسياسياً بما يجعلها قادرة على الدفاع على حقوقها، أو أن تجعل الآخرين محتاجين إليها في المستقبل وهو ما يحتم عليهم مراعاة مصالحهم المستقبلية في التعامل.
وعن مدى تأثير القيود التي فُرضت على حركة الأموال بعد 11 سبتمبر 2001 على الاقتصاديات العربية أوضح أن ما تم هو أصعب من مجرّد قيود على حركات رؤوس الأموال، وستؤثر بالتأكيد على النشاط الاقتصادي بشكل عام، وهذا سيؤدي إلى إبطاء في هذا النشاط.
وحول ما يُثار عن المخاطر التي تتعرّض لها الأموال العربية وعودتها للاستثمار في المنطقة العربية أشار إلى أنّ ما حصل بعد 11 سبتمبر كشف على أن بعض الدول تتخذ كل الإجراءات لحماية ما تعتقد أنه مصالحها، ولو كان على حساب مبادئ كنا نعتقد أنه لا يجوز المساس بها. وقد كان هناك انطباع عام بأن هذه الدول مؤمنة بحرية انتقال الأموال وسرّيتها ولا تتدخل في الأمور الشخصية، لكن أحداث 11 سبتمبر كشفت على أن الذي يتحكم ليس المبادئ وإنما المصالح، إضافة إلى أنّ الطاقة الاستيعابية في الدول العربية ما تزال غير قادرة على استيعاب كل هذه الأموال في ظروفنا الحالية.
كذلك أشار الببلاوي إلى أن التوحيد النقدي للدول العربية كافة يعتبر أصعب خطوات التكامل الاقتصادي العربي، وعادة يأتي كمرحلة أخيرة وبعد أن تزول كافة العقبات أمام النشاط الاقتصادي، والتي تتلخص في اختلاف الهياكل الاقتصادية للدول العربية، فهناك دول تواجه مشاكل نقص شديد في الموارد المالية، في حين أن البعض الآخر يُواجه قصوراً في الموارد البشرية، وقد انعكس هذا الاختلاف في شكل السياسات والنظم الاقتصادية السائدة، وأحياناً في مستوى النمو الاقتصادي والاجتماعي، كما لا يخفى أن الأوضاع السياسية لم تصل بعد إلى توفر الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق مثل ذلك.
وفي الوقت الحاضر فإنه يصعب الانتقال مباشرة إلى مرحلة التوحيد النقدي، ويجب الأخذ بشكل من أشكال التدرج كما فعلت أوربا، ويُعتبر الأخذ بإنشاء المنطقة العربية للتجارة الحرة خطوة أساسية في هذا السبيل.
وعن توقعاته بأن تحتل منطقة اليورو الصدارة في الاقتصاد العالمي بعد الانهيار أو الركود الذي حصل في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر قال إنه لا يرى أن الولايات المتحدة تمرّ بركود كبير، فهناك ركود كبير في اليابان وركود أقل في أوروبا، وأيضاً فإنّ الولايات المتحدة قد حققت في الفترة الأخيرة إنجازات لا يمكن التقليل من شأنها وما تحققه في جانب الإنتاجية أكبر بكثير مما تحققه اليابان أو أوروبا، إضافة إلى ما يتوفر لديها من قوة تكنولوجية وقوة عسكرية وأيضاً إرادة سياسية، وأوروبا ما تزال قوة اقتصادية ليس وراءها إرادة سياسية تجعل هذه القوة الاقتصادية تخدم لنفس الأهداف. ولفترة قادمة ستظل سيطرة الولايات المتحدة قائمة وأحداث 11 سبتمبر الأخيرة أكدت ذلك عندما اكتشفت أن لها قوة السيطرة على العالم.
وعن الإجراءات التي يتطلبها قيام أي وحدة اقتصادية أو نقدية أكد أنّ أي وحدة اقتصادية فيها مزايا ولاشك، لكن لا توجد مزايا مجانية ودائماً هناك بعض التكلفة قد تأخذ في بعض الأشكال تنازلاً عن بعض مظاهر السيادة، ففي حالة أوروبا هناك ضوابط أصبحت تحكم الحكومات الأوروبية كمعدّلات التضخم مثلاً، والإرادة السياسية هي أن يقول صاحب السيادة أنه في سبيل تحقيق الوحدة أن يلتزم بمجموعة من الضوابط التي تحدّ من حريته السياسية.
وعندما ننظر إلى ما تمّ الاتفاق عليه سنة 1997 بإنشاء منطقة عربية للتجارة الكبرى فإن ذلك كان موجوداً سنة 1953 ولم يتم لأنه وفقاً لـ 1953 تمّ الاتفاق على إزالة كافة الرسوم الجمركية على السلع الزراعية ثم على السلع الصناعية بالتدريج سنوياً، والذي حصل أنه في كل مرة يتم فيها وضع القائمة السلبية التي تتضمن السلع التي يمكن أن تكون فيها تجارة، أما السلع التي لا يهم فيها التجارة فهي لا مانع في قبولها!
وأوضح الببلاوي في سياق محاضرته أن إحياء فكرة الوحدة الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن أمراً منبت الصلة عن التاريخ السابق، بل إنه كان تعبيراً عن آمال و تطلعات قديمة، وأن العمل من أجل الوحدة الأوروبية يمثل إرادة سياسية و رؤية تاريخية لا يمكن التهوين من أهميتها. وكان مهندس التفكير لإنشاء هذه الوحدة هو المفكر الفرنسي جان مونيه الذي بذل جهوداً كبيرة في إقناع السياسيين ، بأهمية العمل على تحقيق الوحدة الاقتصادية الأوربية كخطوة على طريق إنشاء أوروبا الموحدة.
وأشار إلى أن الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الأوروبية هي أن تحقيق الوحدة الاقتصادية هو نتيجة لسياسة اقتصادية مُخطّط لها وتعبير عن إرادة سياسية قبل كل شيء، لأن الدول الأوروبية عند نهاية الحرب لم تكن تمثل أية وحدة اقتصادية بل كانت دولاً ممزّقة وعلاقاتها الاقتصادية محدودة، مُضيفاً أن نجاح أوروبا في هذا الصدد يتمثل في خطوات متدرجة مع التصميم على مواصلة التقدم إلى الهدف النهائي.
وقال إن أوروبا التي لم تكن مرتبطة اقتصادياً ببعضها البعض، نجحت في أن تصبح سوقاً اقتصادية واحدة مع خلق شبكة متكاملة من العلاقات الاقتصادية المختلفة، إذ يُقدّر حجم التعامل الأوروبي بين دول الاتحاد حالياً بما يقارب ثلثي المعاملات الأمر الذي يجعل من أوروبا إحدى مناطق العالم الأكثر اندماجاً.
وأشار المحاضر إلى أن التجربة الأوروبية تؤكد أن التكامل الإقليمي لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، وأن العولمة لا تتم دفعة واحدة وإنما تتم بشكل موجات متتابعة من الاندماج والتكامل الإقليمي، وهكذا فإن الإقليمية ليست متعارضة مع العولمة بل قد تكون خطوة في اتجاهها. كما أنّ التقارب الاقتصادي يُمكن أن يكون خطوة في سبيل التوحيد السياسي.