'الباسيوناريا' معكوسة في شوارع بيروت

"لقد أصبحت أسبانيا جافة بين مياه الشمال ومياه الجنوب وأضحت أبراجها حمراء ينطبق عليها وصف القديس يوحنا حول خراب أوروشليم". بهذه الكلمات وصف الشاعر التشيلي بابلو نيرودا أجواء الحرب الأهلية في أسبانيا (1936 ـ 1939) إذ كان شاهداً عليها كسفير لبلاده في مدريد حينذاك. وكان الكاتب الفرنسي الرقيق أنطوان دو سانت أكزوبيري الذي شارك في الحرب كطيار مقاتل ضمن ألوية المتطوعين الأمميين ـ مازالت جثته مجهولة الموقع حتى اليوم بعد تحطم طائرته الحربية ـ كان يشبه سقوط الناس في تلك الحرب باجتثاث أشجار غابة عامرة بواسطة منشار آلي ليتحول المكان إلى صحراء لا حياة فيها.
الثابت أن أحدا في أسبانيا لا يريد اليوم استعادة تاريخ الحرب الأهلية وأحدا لا يرغب في التذكير بشعاراتها خصوصا أن صفحة طرفيها البارزين الجنرال فرانكو والحزب الشيوعي قد طويت ولعل أسبانيا لم تنتقل من الهامش إلى متن الصفحة الأوروبية إلا بعد أن نجحت في طي صفحة هذه الكارثة ومعها آداب وشعارات الحرب البشعة ومن بينها شعار «pasaran no» الذي يعني بالعربية: لن يمروا!
للعلم أطلقت الشعار السيدة "دولوريس ايباروري" المعروفة باسمها المستعار " الباسيوناريا" وهي كانت عضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأسباني إبان الحرب ثم أمينة عامة للحزب من بعد وكان شعارها "لن يمروا " موجها ضد التحالف النازي ـ الفاشي ـالفرنكوي في الحرب الأهلية الأسبانية مقابل تحالف السوفييت وبعض الدول الأوروبية مع اليسار الأسباني مع التذكير أيضا أن الحرب الأهلية الأسبانية كانت بمثابة تمرين مصغر للحرب العالمية الثانية وقد نجم عنها سقوط عشرات الآلاف من البشر وانتشار الخراب والجفاف الموصوف على لسان بابلو نيرودا وسانت أكزوبيري في المطلع.
دولوريس ايباروري دخلت قبل أيام على خط الأزمة اللبنانية بين الموالاة والمعارضة عبر شعار: لن يمروا. لقد جاء بها أحد زعماء الموالاة في لبنان خلال كلمة ألقاها في مؤتمر الاشتراكية الدولية في البرتغال ليضعها في مواجهة خصومه المعارضين الذين يطالبون بحكومة وحدة وطنية مفترضا ـ ربما عن سؤ تقدير ـ أن هذا الاستحضار يدغدغ مخيلة الاشتراكيين الأوروبيين الذين يستفاد من معرفتنا بهم أنهم يفضلون التفاخر بإرث آخر غير الحروب الأهلية وصفحاتها الدموية.
بيد أن سء التقدير لا يقف عند هذا الحد فالزعيم اللبناني الموالي للحكومة بدا كمن يستعين بشعارات تلاءم معسكر خصومه المعارضين أكثر مما تلاءم موقعه ومن بينهم الحزب الشيوعي اللبناني الذي قال في ساحات الاعتصام في وسط بيروت التجاري كلاما ضد الموالاة كانت ستطرب له "الباسيوناريا" الشيوعية لو بعثت حية في شوارع العاصمة اللبنانية.
وإذا تجاوزنا الشعار الذي لم يستخدم يوما للدفاع عن حاكم أو عن سلطة في أي مكان في العالم فان اختياره في ظروف لبنانية بالغة الحساسية ينطوي على احتمالين كلاهما سيء: الأول أن الرجل يدرك ظروف الحرب الأهلية الأسبانية ويعرف ماسيها وما آلت إليه وبالتالي يرغب في سيناريو لبناني لا يقل هولا عن سيناريو الحرب الأهلية الأسبانية وفي هذه الحالة يتوجب على اللبنانيين أن يقطعوا الطريق على هذه الرغبة الجهنمية وأن يطالبوا زعماءهم بان "يخيطوا بمسلة" أخرى غير "مسلة" الحروب الأهلية خصوصا إذا كان تاريخ بعض هذه الزعامات قاصرا على الحروب اللبنانية البائدة ولا شيء غيرها.
الاحتمال الثاني أن يكون الزعيم المعني قد استحضر الشعار من الذاكرة أو من الكلام المرسل دون إحاطة كافية بظروف وتاريخ انتشاره وفي هذه الحالة يتوجب أيضا على اللبنانيين أن يتنبهوا إلى أن بعض زعمائهم يختزن في لا وعيه ثقافة الحروب الأهلية إلى حد استدراج شعاراتها من أربع بقاع الأرض مرة من اجل طلب السلطة كما في حروب السبعينات من القرن الماضي ومرة من اجل الدفاع عن السلطة كما هي الحال اليوم.
انه لمن المحزن حقا أن يطلق زعيم لبناني وارث للسلطة والزعامة أبا عن جد منذ ثلاثة قرون شعار "لن يمروا" في منبر دولي يتمثل المشاركون فيه وفق قواعد التداول السلمي للسلطة مبرمجا في دورات زمنية قاطعة ووفق ثقافة هي الأبعد عن الفتنة والحروب الأهلية دون أن يمتعض احد من الحاضرين ودون أن يثير الخطاب فضيحة مدوية لكن الاستغراب سرعان ما ينحسر عندما نعلم أن قتلة من حزب العمل الإسرائيلي اعتلوا ويعتلون منصات هذا المنبر لإلقاء دروس في حقوق الإنسان وحقوق الشعوب وسط تصفيق عاصف من مندوبين أوروبيين درجوا على النظر إلى أخلاق التسامح والعدالة ونبذ الفتنة كشرط حاسم للممارسة السياسية في بلدانهم الغنية وليس في بلدان العالم الثالث الفقيرة.
ثمة من يرى في بيروت أن لبنان كان على الدوام ضحية لحروب الآخرين على أرضه وأن اللبنانيين شعب مسالم لا ناقة لهم ولا جمل في حروب بلدهم المدمرة.ربما يصح هذا القول في تفسير موقف الناس البسطاء الذين دفعوا ثمنا باهظا لحروب لبنان العبثية المدمرة لكن القول نفسه يجب ألا يستخدم لتبرئة أولئك الذين يستوردون من صفحات الأجانب المطوية ثقافة الحروب الأهلية وشعاراتها لتسليح العامة في بلدهم بثقافة القتل والتفرقة والفتنة.
يبقى القول أن تعيين الآخرين كمسؤولين عن الحروب الاهلية اللبنانية بوصفهم مصدرين للبنادق التي نستخدمها يخفي الأصل في هذه الحروب أي ثقافة الفتنة السياسية التي بدونها يمكن للبنادق أن تبقى في مخابئها حتى الصدأ. فيصل جلول