'الباب الوهمي'.. جسر يربط بين عالم الأحياء والموتى

تجسيد فكرة 'السيمترية'

تحتفظ الحضارة الفرعونية بالكثير من أسرارها، والتي تكمن في غالبيتها في المقابر القديمة، التي تحوي طقوس ومعتقدات الحضارة القديمة، واحداً منها هو "بيت الأبدية"، ما يُعرَف عند الأثريين بـ ”الباب الوهمي”، والذي يبدو باباً من شكله، ويعتقد أنه يربط بين عالم الأحياء والموتى.

كان الباب الوهمي عند قدماء المصريين هو أحد الوسائل لتجسيد فكرة "السيمترية" في المقبرة، وهي نظرية تفترض وجود كون آخر هو صورة مرآة معكوسة من الكون الذي نحيا فيه، وأن الإنسان عندما يولد ثم يموت، إنما هو ينتقل بين الكونين من الذي يعيش فيه إلى آخر أبدي.

كل جانب من "الباب الوهمي" هو صورة مرآة معكوسة من الجانب الآخر، ولكن ما يلفت النظر أنه فوق هذه السيمترية نجد منطقة وسطى تشبه الجسر تقع في المنتصف تماماً، وكأنها تصل بين الكونين، حيث تجلس "كا" المتوفى وأمامها مائدة القرابين لتتلقى عليها القرابين من عالم الأحياء.

وكانت القرابين هي وسيلة الاتصال بين عالم الأموات وعالم الأحياء في مصر الفرعونية، ووسيلة تفعيل الـ "آخ"، وهي الجسد المشع أحد الأجسام التسعة الذي يمكنه الانتقال بين العوالم، حيث كان المصري القديم يذهب لزيارة المقابر ومقامات الأولياء في مناسبات فلكية معيّنة، والتي تعتبر أحد أهم التقاليد التي حرص المصري عليها طوال التاريخ وحتى الآن، فتحول الأمر إلى تراث شعبي، حيث يحرص المصريون على زيارة مقابر الأحبة والأهل الذين رحلوا، وأيضاً زيارة مقامات الأولياء في مناسبات معيّنة، وأهم ما يميّز تلك الزيارات هو حمل القرابين، ما يُعرف شعبياً بـ "طلعة القرافة"، ويُسمى الخبز الذي يحمل في زيارة المقابر "فطير القرافة".

ويمثّل الدليل على تقديم القرابين ما نجده في آثار الملك سنوسرت الأول الذي قال إنه عندما كان يبني المعابد ويقدّم القرابين للوزير، فإنما هو يفعل ما من شأنه تفعيل الـ "آخ"، أي إقامة الجسر بين عالم الأحياء وعالم الأموات.

وفي مصر القديمة لا يعني مفهوم القرابين إطعام الـ "كا"، فأجسام الطاقة الروحية لا تحتاج لطعام مادي، ولكن الفكرة في القرابين هي "المشاركة"، فهذه المشاركة وتقديم الطعام للآخرين بنية طيبة، تتولد عنه موجات من الطاقة الإيجابية، ويزيد من إيجابية تلك الطاقة أيضاً مشاركة أرواح المتوفين هذه المشاعر الطيبة فتحل عليهم البركة (با – رع – كا)، وهي جزء من الطاقة الحيوية للمتوفى ينقله للزائرين، فيعود الزائر من تلك الزيارات محملاً بالطاقة الإيجابية وبركة الأحباب الراحلين وبحب الأحياء الذين شاركهم الطعام.

ويشير د. مصطفى عطا الله، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، إلى أن اعتقاد بعض الأثريين بأن بيت الأبدية هو عبارة عن باب وهمي، لأن شكله يبدو مثل الباب بدون فتحة، بهدف تضليل اللصوص، ما هو إلا اعتقاد ساذج لا يتناسب مع العبقرية الهندسية والفنية الموجودة في المقابر وكل الآثار المصرية، موضحاً أنه وفقاً لاعتقاد المصريين القدماء، فإن هذا الباب هو أحد الوسائل لتجسيد فكرة "السيمترية"، والعبور من الكون الذي نحيا فيه، حيث إن الإنسان عندما يولد ثم يموت إنما هو ينتقل بين الكونين من الذي يعيشه في حياة إلى آخر أبدي.

ويضيف عطا الله: جسّد المصري القديم فكرة الكونين المتقابلين كصورة مرآة معكوسة "السيمترية" في شكل الباب الوهمي، فكل جانب من الباب هو صورة مرآة معكوسة من الجانب الآخر، مشيراً إلى أن علماء الفيزياء استدلوا على هذه الفرضية من تتبع الضوء، حيث اكتشفوا أن الكون يتمدّد بسرعة الضوء، وأن الضوء في حالة سفر دائم في كل الاتجاهات، ولكن هذا السفر يقف عند نقطة معيّنة ينكسر فيها الضوء، ويعود مرة أخرى بشكل معكوس وكأنه اصطدم بمرآة تقع عند حافة الكون، ومن هذه المعلومة الفيزيائية جاءت فرضية أن حدود الكون مرآة وأن هناك كونا آخر هو صورة مرآة معكوسة من الكون الذي نعيش فيه.

ويوضح د. محمد بكير، الباحث في علم المصريات، أن مفهوم القرابين اختلف في مصر القديمة، بالإضافة إلى أنه وسيلة الاتصال بين عالم الأموات وعالم الأحياء عند الفراعنة، فكان أيضاً له مضمون من تجمع الأحباب من الأحياء بأمواتهم، وهو المشاركة التي تولد الطاقة الإيجابية، فالزيارة الجماعية للمقابر ومقامات الأولياء هي مناسبة يجتمع فيها الأحياء والأموات.

ويحمل الزائر معه الطعام بنية إهداء هدية لروح المتوفى، وبعد ذلك لا يترك الطعام في المكان ليفسد بل يقدّم للزائرين الآخرين الفقراء بنية طيبة، وإذا لم يوجد فقراء يتشارك كل الزائرين في تناول الطعام، لافتاً إلى أن تصوير الفنان المصري القديم للمتوفى فوق "سيمترية" الباب الوهمي وفي المنطقة الوسط بين الكونين وهو يتلقى القرابين، إنما هو إشارة إلى أن القرابين هي الجسر الذي يربط بين الأحياء وبين المتوفين في العالم الآخر. (خدمة وكالة الصحافة العربية)