البابا 'الجنرال' يبدأ عملية بريسترويكا كنسيّة مثيرة للجدل

يجري مشاورت كثيرة ويتخذ القرار وحده

الفاتيكان - خصّ البابا فرنسيس، اول بابا قادم من النصف الجنوبي للكرة الارضية والذي يحتفل الثلاثاء بعيد ميلاده السابع والسبعين، العفويّة بمكانة هامة في الكنيسة، وبدأ عملية "بريسترويكا" (اصلاح) شعبية لكنها قد تكون مخيبة من شدة ارتفاع سقف التطلعات.

وبعد تسعة اشهر على انتخابه في 13 اذار/مارس، استقطب البابا اليسوعي جمهورا كبيرا في اوساط غير المؤمنين.

وذكرت مجلة "التايم" التي اختارته "رجل العام" انه "عرف ان يتموضع وسط المواضيع الاساسية المطروحة في زمننا الحاضر، اي الثراء والفقر، النزاهة والعدالة، والشفافية ودور المرأة...". و"يتابعه" على التويتر اكثر من عشرة ملايين شخص.

وصورة الكنيسة التي كانت بالغة السوء اواخر 2012، بسبب الفضائح الكثيرة التي استفاقت من الماضي (التحرش بالاطفال والفساد...) بدأت تتحسن. وأخذ الفاتيكان يستأثر بمزيد من الاهتمام.

وبقدر ما أسيء فهم بنديكتوس السادس عشر الذي كان متحفظا ويتعرض كل ما يقوله للانتقاد على ما يبدو، توافر الإجماع حول فرنسيس، حتى لو انه ينادي بالمواقف المحافظة نفسها في شأن عدد كبير من المسائل التي يتبنى مواقف اسلافه منها.

فهل بدأ البابا الارجنتيني عملية "بريسترويكا" و"غلاسنوست" (شفافية) في الكنيسة على غرار ما فعل غورباتشيوف في الاتحاد السوفياتي؟

لقد بدأ اصلاحا طموحا لكنه بطيء للادارة الفاتيكانية باحاطة نفسه بمجلس استشاري من ثمانية كرادلة. وشكل لجانا حول مالية الفاتيكان وادارته ومكافحة للتحرش بالاطفال كما أعرب عن امله في مزيد من العمل الجماعي. ومن المتوقع ان تبدأ العام المقبل الاصلاحات الاولية في الادارة الفاتيكانية و"مؤسسة النشاطات الدينية" (البنك البابوي).

واعتاد فرنسيس الذي لا يتقيد بالبروتوكول ان يقوم ايضا بخطوات مفاجئة كزيارته في تموز/يوليو الى جزيرة لامبيدوزا الايطالية، للإعراب عن تضامنه مع لاجئي افريقيا الذين غرقوا في البحر المتوسط، او اعلانه يوم الصلاة العالمي من اجل السلام في سوريا ضد تدخل عسكري اجنبي في ايلول/سبتمبر.

وقد ازدادت شعبيته بسبب رفضه مظاهر الترف واحتفالات التكريم الدنيوية، وتصرفاته الودودة والحنونة التي خلدتها صور جابت الكرة الارضية، وعباراته القوية حول المغفرة للجميع واحتضان الأشخاص "الشاذين" كمثليي الجنس.

وكان لرسالته الاجتماعية التي تشدد على "عولمة اللامبالاة" و"امبريالية" المال وقع كبير. حتى ان الاوساط الليبرالية الاميركية وصمته بـ"الماركسي".

ورد الخبير في الشؤون الفاتيكانية ماركو بوليتي هذا الاتهام ووصفه بأنه "مثير للسخرية".

ولا تحظى "ثورة" البابا فرنسيس باستحسان الجميع. فهو يدلي بخطابات تتسم بحرية كبيرة يسهب فيها بعرض ارائه، ويوافق على اعطاء مقابلات توصف بالارتجالية احيانا، ويتخلى عن التقيد بطقوس احتفالية معروفة، ويرفض ادانة التطورات المجتمعية التي انتقدها كل من يوحنا بولس الثاني وبنديكتوس السادس عشر. وهذا ما حمل الاوساط الكاثوليكية المحافظة على توجيه النقد له.

وينتقد الخبير في الشؤون الفاتيكانية ساندرو ماجيستر "تأرجح" خطابه. ويقول انه "يوجه ويقود مستندا الى الرؤية بالعين المجردة، ثم انه يسرع الخطوات ثم يفرملها: هذا هو سلوك البابا برغوليو".

ويقول المتحدث باسم الفاتيكان الاب فديريكو لومباردي ان "تركيز اقصى درجات الاهتمام على البابا فرنسيس يطرح مشاكل على قدرة الكنيسة على التواصل".

وتلاحظ مجلة "فانيتي فير" التي تستشهد بالأب لومباردي ان بنديكتوس السادس عشر كان يحمل رسالة الكنيسة وينقلها الى الاخرين، فيما يكمن الخطر مع البابا فرنسيس في التركيز على شخصه حتى لو انه لا يحب عبادة الشخصية.

فخورخي ماريو برغوليو، احد مشجعي نادي سان لورينزو في بوينوس ايرس والذي يهوى رقصة التانغو، ليس رجلا ساذجا ومتساهلا كما يصفه بعض وسائل الاعلام. فهو يخص بدفئه الحقيقي المتواضعين والمرضى والمعوقين والاطفال، ويتصل بهم ويكاتبهم احيانا. لكنه يوصف بالمتسلط والفظ احيانا في عالم الفاتكيان الضيق.

وحتى لو انه يلتقي اعدادا كبيرة من الناس، فهو يعيش حياة تتسم بالتقشف. ويعمل كثيرا، انه "جنرال" يسوعي يجري مشاورت كثيرة لكنه يتخذ القرار وحده.

ويتخوف المحافظون من ان يؤدي حرصه الشديد على العمل الجماعي واضفاء الديمقراطية على الكنيسة الى اصابة هذه الكنيسة بالشلل والفوضى.

وينتظر التقدميون الكاثوليك من جانبهم بفارغ الصبر التغيرات حول زواج الكهنة وسيامة النساء وتخفيف قيود العقيدة حول الاجهاض والموت الرحيم او زواج المثليين. ويتخوفون من ان يصابوا بالإحباط السريع.