الانقلاب على حقوق الإنسان

في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 1948 صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أي ثمانية وخمسون عاما بالتمام والكمال، ورغم هذا العمر المديد لم يتحول هذا الإعلان إلى واقع ملموس، بل شهد الكثير من الانتهاكات الفاضحة من قبل كثير من الدول التي تدّعي القتال لحماية حقوق الإنسان، فما الذي جرى في العقد الأخير؟ وما هو دور الأمم المتحدة؟ وما هي الملاحظات التي تساق على النظام العالمي في معرض انتهاكات القوانين والشرائع المتعلقة بهذه الحقوق؟ أولا: حقوق الأنسان بعد 11 أيلول بعد انهيار الاتحاد السوفياتي شهدت الكتلة الاشتراكية وبعض الدول اللاتينية والشرق أوسطية حراكا لافتا على المستوى الإجرائي، وشرعت في إجراء إصلاحات سياسية تواءمت مع بنية الفكرة الديمقراطية وتزامن ذلك مع اتخاذ قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان مركز الصدارة في سجلات النخب الثقافية والسياسية.وفي موازاة ذلك كانت الولايات المتحدة الأمريكية تبسط سطوتها على النظام العالمي وتنصب نفسها داعيًا لنشر فلسفة النموذج الديمقراطي وحارسا له، متقاطعة مع أطروحة "فوكوياما" حول نهاية التاريخ.. معتبرًا أن البشرية أصبحت مرهونة بهيمنة النموذج الليبرالي الغربي الذي أغلق سقف التطور التاريخي لصالحه.وفي نفس السياق استغلت موقعها وقدرتها في النظام الاقتصادي الدولي لتمارس أقصى الضغوط عبر المؤسسات المالية الدولية ضد الدول التي تغرد خارج سرب الديموقراطية وفقا للمقاييس الغربية.و ظلت لافتات: الحريات، حقوق الإنسان، الرفاهية، تطرح كمحفزات تستخدمها الوسائل الثقافية والإعلامية الغربية وأنصارها في بقاع كثيرة من العالم؛ لإغراء الآخرين بإسراع الخطى نحو قطار الديمقراطية.
واللافت في الأمر انه لم يكن بوسع أحد قبل أحداث 11 أيلول 2001 أن يجنح به الخيال لتصور تحول الأمور بهذه السرعة. فمسحة التفاؤل وأحاديث الديمقراطية وتحولاتها، وقضايا حقوق الإنسان تحولت إلى هواجس ومخاوف من الدخول في نفق مظلم على المستويين العالمي والداخل الأمريكي نتيجة القوانين التي سُنَّت والتدابير التي اتُّخذت في أعقاب أحداث 11 أيلول في دفع البعض إلى تبنِّي مقولة: إن المجتمع الأمريكي بهذه الحالة بات أسفل سلم الحريات، وإن دولة القانون باتت على مقربة من دول العالم الثالث التي طالما لاحقتها الهيئات الأمريكية بتقاريرها حول أدائها السيئ في هذه الميادين.
فقد ركَّزت الإدارة الأمريكية على البُعْد الأمني، ورفضت إجراء أي محاولات تقويمية لتفهم الظروف والأسباب الموضوعية. وبدلاً من أن تشرع الإدارة الأمريكية في إعادة النظر في الملفات التي جلبت السخط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، اعتبر الرئيس جورج بوش أن سبب هجوم الإرهابيين على أمريكا يكمن في حقدهم على الديمقراطية والحريات التي يتمتع بها المجتمع الأمريكي، متجاهلا العديد من القضايا كالصرع العربي – الإسرائيلي، والتدخل في بعض القضايا الدولية بشكل غير عادل، والبيئة، والعولمة.. وكأن هذه الملفات لم تخلق مشاعر عدائئية.
ورغم أن ديمقراطية العلاقات الدولية تعاني منذ زمن بعيد، فإن ما جرى في أعقاب 11 أيلول ذهب بهذه المعاناة أشواطًا بعيدة. وقد فشلت كل الجهود في إقناع الإدارة الأمريكية على التقيَّد بمظلة الشرعية الدولية، والتشاور مع نظرائها في الأسرة الدولية للتداول حول خطر الإرهاب. وكرَّّست الإدارة الأمريكية بمساعيها سياسة الانفراد، ودأبت على توجيه أوامر خالية من معاني الدبلوماسية إلى أعضاء الأسرة الدولية. وطلبت وانشطن انصياع الجميع لإرادتها والاصطفاف خلفها. وقد حاول البعض تلمس تبريرات لهذه المواقف في بداية ألازمة، باعتبار أن الحدث كان فوق الاحتمال، إلا أن توالي الأيام لم يغيِّر الإدارة الأمريكية عن لهجتها. ولعل أخطر ما تمخضت عنه تداعيات 11 أيلول في هذا المجال، القانون الذي صدر في 5 تشرين الثاني 2001 وأقرته وزارة الخارجية الأمريكية، والذي يسمح للولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية لإطلاق سراح أي مواطن أمريكي أو مواطن من الدول الحليفة لأمريكا يكون قد تم القبض عليه في دول أخرى. وهكذا تصبح الصورة أكثر سوادا، ويصبح التساؤل مشروعًا: هل ثمة ديمقراطية في مجال العلاقات الدولية؟.
وقد اعتبرت الإدارة الأمريكية أن فضاء الحريات في المجتمع الأمريكي شكل مساحات مناسبة لتمدد الأنشطة الإرهابية. وحاولت الإدارة الأمريكية إفهام الشعب الأمريكي بأن الأمن ينبغي أن يكون الشاغل الأكبر في مرحلة استثنائية في حياة المجتمع الأمريكي. وقد وفرت أجواء الرعب التي خلفتها أحداث 11 أيلول وما تبعها من كابوس الجمرة الخبيثة أجواء مواتية مكنت الإدارة الأمريكية من تمرير قوانين واتخاذ تدابير غير مسبوقة في الخبرة الأمريكية. فقد استهل الرئيس الأمريكي إجراءاته في تعزيز الأمن الداخلي بإضافة حقبة وزارية جديدة تسمى وزارة الأمن الداخلي، التي ظلت مثارًا للسخرية باعتبارها علامة على النظم الشمولية. وقد كان التطور الأبرز في مجال تقليص الحريات القانون الذي وافق عليه الكونجرس لمكافحة الإرهاب، الذي حصل على أغلبية 9 أصوات من أعضاء الكونجرس في حين عارضه عضو واحد. والذي يمثل لحظة فارقة في تاريخ حقوق الإنسان والحريات في المجتمع الأمريكي؛ وقد أعطت مواد القانون صلاحيات هائلة لوكالة الاستخبارات الأمريكية بحيث أصبح مخولاً لها: توقيف الأجانب واعتقالهم دون تهمة، والتنصت على المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني، وتفتيش المنازل سرًّا والإطلاع على سجلات الشركات.
ثمَّة اعتقاد أن تلك القوانين وهذه التدابير لم تحرك ثائرة المجتمع الأمريكي؛ باعتبار أن الأمريكيين قد ذهلوا بما حدث في 11 أيلول وما تبعها، ولأن هذه القوانين وتلك التدابير ستتوجه إلى الأجانب وذوي الأصول غير الغربية. غير أن استمرار مفاعيل هذه القوانين وتلك التدابير ربما يطال المجتمع الأمريكي، الأمر الذي يفتح الآفاق على توقع حدوث تصادم بين عقلية الإدارة السياسية البراغماتية وآمال وطموحات الشعب الأمريكي. فالأول سيُلِحّ على الأمن، والثاني سيبحث عن استعادة الحقوق والحريات التي سلبتها منه قوانين وتدابير مكافحة الإرهاب؛ وربما دفع هذا إلى حدوث توترات وصراعات غير مسبوقة في النسيج الأمريكي تضع أمريكا على مشارف مرحلة جديدة. ثانيا: مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هزيمة سياسية لأميركا

منذ الإعلان عن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 /3/2006 بإنشاء المجلس الدولي لحقوق الإنسان، ليكون بديلا من اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، سادت حالة من الارتياح داخل المنظمات الدولية والأهلية المعنية بحقوق الإنسان• كما عبّرت دول كثيرة مهتمّة بالإصلاح وتعزيز مسيرة الحقوق والحريات عن الرضى لعدم تشكيل مجلس محدود من الدول الكبرى، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، الهدف منه رسم سياسات وأدوارا للمجلس الجديد، لإلزام الدول الأخرى به وجعله محكمة عليا لحقوق الإنسان تفرض قراراتها على بقية الدول.
وسيتولى المجلس الجديد إستعراض تقارير الدول والمنظمات غير الحكومية وتقارير المنظمات الخاصة بحقوق الإنسان التي رُحِلّتْ إليه، بعد أن ينتهي دور اللجنة في 9/5/2006 عقب تصويت الجمعية العامة على اختيار أعضاء المجلس الجديد من الدول المرشحة. على ان يباشر المجلس انعقاد جلساته في 19/6/2006. ولقد أدى تشكيل المجلس الجديد لحقوق الإنسان بالصيغة التي أقرتها الجمعية العامة، إلى منح أفريقيا 13 مقعدا و آسيا 13 مقعدا و6 لأوروبا الشرقية و7 لأوروبا الغربية و8 لأميركا اللاتينية، بحيث يتكون المجلس من 47 دولة أعضاء في الأمم المتحدة، ما يوفر حدا" ملائما لتمثيل كل منطقة جغرافية، شريطة حصول الدولة الفائزة بالعضوية على الأغلبية المطلقة أثناء التصويت على 96 صوتا" عن طريق الاقتراع السري، ما يجعل المجلس الجديد أكثر ديمقراطية وقبولا في تشكيله من جانب دول العالم الثالث.
ووضع المجلس الجديد قاعدة مهمة هي عدم جواز إعادة إنتخاب الدول، لمرة ثالثة مباشرة، بعد شغلها ولايتين متتاليتين بالانتخاب. وحدّد المجلس مدة العضوية في كل فترة بثلاث سنوات. وهو ما يتطلب ضرورة تنسيق الدول العربية المسبق لأدوارها، مّما يعتبر كسبا" وفرصة لها لكي تكون فاعلة، وتسعى للحصول على جانب من المقاعد من المخصصة لدول أفريقيا أو آسيا، وعدم الربط في عضوية المجلس الجديد، بين وجود مجالس أو لجان وطنية بها لحقوق الإنسان، في التقدم لعضوية المجلس الجديد• ذلك أن الابتعاد عنه سيؤدي إلى فرض سياسات مؤثرة في المستقبل على الدول الغائبة عنه. المجلس الجديد خطط له بحيث يكون عمله تشاوريا حقيقيا بين الدول في مجال حقوق الإنسان، مع الالتزام بالتعامل مع جميع الدول بمستوى واحد، دون تمييز بغضّ النظر عن هويّة الدولة وعن نظامها، إذا خالفت قوانين ومبادئ حقوق الإنسان. وبالتالي فالرؤية العامة لدور المجلس هي ألا يقتصر على الدول المتقدمة في مجال حقوق الإنسان. لذا لن يكون في ذلك ظلم للدول التي ما زالت في بداية الطريق، وغير عادل في توصياته أو إدانته لها. وأتى توزيع تمثيل المناطق الجغرافية ليعبر عن الواقع الدولي بأهمية وجود تنوع حتى يتمكن من تأدية دور أكبر على الساحة الدولية. وساهمت الجهود التي شهدتها عدة عواصم أوروبية وتبِنّى الاتحاد الأوروبي لمشروع إيان إلياسون رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، لإنشاء المجلس الدولي الجديد ودعوة منظمة العفو الدولية للدول الأعضاء للموافقة عليه، دون إبطاء، في إقناع الدول التي ليست لديها مجالس وطنية أو لجان استشارية لحقوق الإنسان بالتصويت لصالحه.
إن المجلس الجديد سوف يتعامل مع جميع الدول دون أفضلية أو تسييس، كما يقول بيان للأمم المتحدة • على أن يعمد المجلس إلى آلية جديدة مختلفة في نشاطه تحد من الممارسات السيئة القديمة للجنة الدولية. وسوف يقوم برفع قراراته للجمعية العامة وليس للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وستضبط المعايير الجديدة لتعليق عضوية الدول بالمجلس الجديد في حالة ثبوت ارتكابها لانتهاكات لحقوق الإنسان، بشكل منظم ومتعمّد، للقضاء على سياسة ازدواج المعايير والمواقف المتخاذلة للجنة الدولية السابقة. وقد لعبت الجهود الأوروبية في كسب تأييد عدد كبير من الدول الأعضاء بعدم طرح سجلات الدول في مجال انتهاك أو احترام حقوق الإنسان، والالتزام بمعيار آخر لعضوية المجلس هو مدى التزام الدولة بتنفيذ ملاحظات اللجان التعاقدية وغير التعاقدية لحقوق الإنسان، في نشاطاتها في هذا المجال واهتمامها بتطبيق الاتفاقيات الدولية ومعايير الأمم المتحدة والانضمام إليها• ولم تخف عواصم عربية وشرق أوسطية ترحيبها بهذه الخطوة واعتبرتها بداية للديمقراطية الدولية داخل الأمم المتحدة ودعوتها للمجلس الجديد، بدعم وترسيخ حقوق الإنسان والدفاع عنها على المستوى الدولي وعدم حصرها في منطقة محددة.
وحددت الرؤية الجديدة لعمل المفوضية السامية لحقوق الإنسان بجنيف التي تعد جهازا منفصلا إداريا عن المجلس الجديد ضمن الأمم المتحدة، حيث سيكون المجلس تابعا للامين العام للأمم المتحدة مباشرة. إذ ستسعىالمفوضية إلى تطوير وسائل حماية حقوق الإنسان على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، لأن الهدف سد النقص الناتج عن غياب تطبيق حقوق الإنسان من الناحية العملية، والتأكد من أن الحقوق قد أصبحت واقعا فعليا، وأن التعاون والتفاعل مع المنطقة العربية يشكل جزءا أصيلا من خطة الأمم المتحدة في هذا الشأن. وأشارت تعليقات المراقبين إلى أن المجلس الجديد سيكون ملتزما"من خلال مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالعمل مع الحكومات والمؤسسات الوطنية والمجتمع المدني لتطوير طرق فاعلة لتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات والحضارات والديانات، مبنية على أساس احترام عالمية حقوق الإنسان، لأن تعزيز هذه الحقوق سيساهم في تحقيق التنمية والأمن للوصول إلى عالم أكثر سلما ورفاهية. من اللافت في الموقف الأميركي اعتراضه على طريقة تكوين المجلس التي تمنع تسييس الموضوع وكانت أميركا هي التي صوتت وحيدة ضده وقال مندوبها إننا سنراقب عمل المجلس الجديد لمدة عام لمعرفة النتائج التي ستتمخض عن نشاطه• وبهذا الموقف يخشى أن لا تحظى أميركا بعضوية المجلس بعد عام نظرا لانتهاكات حقوق الإنسان لدى الإدارة الأميركية في الممارسات والتشريعات التي استحدثت بعد أحداث 11 أيلول 2001. ثالثا: ملاحظات حول حقوق الإنسان في ظل النظام الدولي ألآحادي ثمة العديد من الملاحظات التي يمكنان تساق في مجال تطبيق حقوق الإنسان في الدول المتقدمة والنامية لا سيما في ظل النظام الدولي القائم وأبرزها:
- إن ما يميز حالة ووضع حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة هو التدهور والانحطاط والمعاناة الكبيرة من اختراقها والتعدي عليها ليس كما تعودنا على ذلك في المجتمعات الدكتاتورية والتسلطية والاستبدادية فحسب وإنما أصبح الأمر يتعلق بالدول التي تتغنى بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية وما إلى ذلك من شعارات ومصطلحات.فالقابعون في غوانتنامو وأبو غريب وفي غيرها من السجون والزنزانات عبر العالم بدون مساءلة ولا محاكمة ولا حتى الحق في الإدلاء بكلمة أو رأي أو الاستعانة بمحام، يتساءلون عن مصيرهم وعن حقوقهم كبشر في الكلام والتعبير والدفاع عن أنفسهم.
- لقد أدت الحرب على الإرهاب إلى انهيار الشرعية الدولية وأصبح العالم يشاهد على الهواء الاعتداءات على حقوق الإنسان في فلسطين بداعي محاربة الإرهاب و في العراق بداعي التحرير وإعادة البناء وفي المدن الأميرية والأوروبية ومختلف بقاع العالم بداعي احتواء القاعدة والقبض على إتباعها. والتطورات بعد 11 أيلول 2001 شكلت منعطفا خطيرا واثر سلبا على حقوق الإنسان في العالم وحتى تلك الدول القليلة التي كان ينعم الفرد فيها بهامش كبير من حرية الفكر والرأي والتعبير والصحافة وما إلى ذلك وضربت هذه القيم والمبادئ باسم الحرب على الإرهاب وراحت تتجسس حتى على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني وغير ذلك من خصوصيات البشر. فأميركا حطمت كل ما بنته خلال القرون الثلاثة الماضية في شهور معدودة بعد أحداث 11 أيلول فتدخلت في شؤون المؤسسات الإعلامية وتدخلت في خصوصية الأفراد ليس فقط داخل حدودها وإنما في سائر دول العالم وكما يحلو لها.
- منذ البداية الأولى كانت الانطلاقة خاطئة إذ كانت هناك ازدواجية في المقاييس والمعايير حيث انه في العام 1948 تاريخ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كانت دول وأمم وشعوب ترزح تحت نير الاستعمار ولم يتطرق لها الميثاق لا من قريب ولا من بعيد ولم يولها أي اعتبار. فما هو الوضع في أيامنا هذه أيام الهيمنة الأميركية والحرب على الإرهاب؟. وما هو الوضع ونحن في نظام القطبية الأحادية وهل تمَّت عولمة ميثاق حقوق الإنسان؟ أم أن هناك فاعلون في النظام الدولي يستعملون المصطلح والمفهوم وفق معطياتهم ومصالحهم وهل بامكاننا الكلام عن عالمية حقوق الإنسان أم عولمة حقوق الإنسان؟.
- ما يمكن قوله أن حقوق الإنسان أصبحت أداة ضغط في يد القوى لفرض برامجه على الضعفاء، وأصبحت سلطة تمارس وتوظف في لغة السياسة والدبلوماسية وأصبحت تستعمل كوسيلة ضغط على عدد كبير من الدول التي تخرج عن سيطرة صانعي قرارات النظام الدولي. ففي الحوار بين الشمال والجنوب أو في العلاقات الثنائية أو حتى متعددة الأطراف تثار قضية حقوق الإنسان كما يحلو للطرف الأقوى.
- إن إشكالية حقوق الإنسان معقدة وأصبحت في عصر العولمة والحرب على الإرهاب وسيلة ضغط في يد الدول القوية ومبررا للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وللتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحها وأهدافها، ومن أهم المتناقضات التي يعيشها العالم بشأن حقوق الإنسان إن دولة مثل الولايات المتحدة الأميرية المدافع الأول عن حقوق الإنسان لا تعير اهتماما لهذا المبدأ في داخلها إذا تعلق الأمر بالأقليات مثل السود والهنود والأقليات الأخرى ومنهم العرب ونلاحظ كم من مواطن عربي اتهم وسجن وطرد من أميركا بدون محاكمة وبدون أدلة قاطعة وبدون سند شرعي. وما ينسحب على أميركا ينسحب على معظم الدول الأوروبية والدول المتقدمة. فرنسا مثلا في تعاملها مع المسلمين ومع مواطني شمال أفريقيا تبتعد كليا عن حقوق الإنسان وقصة الحجاب الإسلامي تبقى وصمة عار على دولة تدعي في شعاراتها «الحرية ـ الأخوة ـ المساواة».
- ويلاحظ كذلك أن الدول الفاعلة في النظام العالمي تساند وتدعم أنظمة مستبدة دكتاتورية في العالم الثالث وهذا يتناقض جذريا مع مبدأ حقوق الإنسان باعتبار أن هذه الدول وبحكم نظامها السياسي السلطوي لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تحترم حقوق الإنسان إذا غابت الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي والتعبير والفصل بين السلطات، والغريب في الأمر أن الدول الغربية تساند هذه الدول النامية لفترة زمنية معينة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والاقتصادية وبعد فترة معينة تنقلب عليها.
- يلاحظ أن الولايات المتحدة التي نصَّبت نفسها رقيبا على حقوق الإنسان في العالم تكيل بمكيالين إذا تعلق الأمر بإسرائيل وبأطفال فلسطين وبالغارات على جنوب لبنان واحتلال الجولان، أما بالنسبة لإسرائيل فتوصف بالدولة الديمقراطية المتمتعة بحقوق الإنسان وبالحريات المختلفة وتستفيد سنويا من 12 مليار دولار ومن الأسلحة الاميركية المتطورة لقتل الأبرياء وتحطيم البنية التحتية لفلسطين. والحرب على أفغانستان والعراق حيث أصبحت قناة سي.أن.أن هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه خبرا أم لا؟ وفي مقابل ذلك تمنع العديد من المحطات من البث كالمنار وكذلك الكشف عن تهديد كان أصدره الرئيس الأمريكي جورج بوش بقصف قناة الجزيرة إبان غزو العراق، أين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الإعلام؟.
- إن بعض المنظمات غير الحكومية التي تعنى بشؤون حقوق الإنسان قد تم اختراقها واستغلالها واستعمالها وانحازت لدول ولمصالح ولإيديولوجيات معينة على حساب خدمة مبدأ إنساني عالمي لا يعرف في الأساس لا بالحدود ولا بالجنسيات ولا بالديانات ولا بالأعراق وإنما يعترف بالمباديء العليا للإنسانية وللبشرية.
- هل البشرية بحاجة إلى عولمة حقوق الإنسان أم إنها بحاجة إلى عالمية حقوق الإنسان؟ وإذا تكلمنا عن العالمية فهذا يعني احترام خصوصية الشعوب والأمم والحضارات. وكيف يكون مستقبل حقوق الإنسان في ظل العولمة، عولمة لا تؤمن بخصوصية الشعوب ولا بالشعوب الضعيفة والمغلوب على أمرها، عولمة تقوم على سلطة المال وسلطة السياسة ونفوذ القوة فالشركات المتعددة الجنسيات تسيطر على المال والأعمال والصناعات بما فيها صناعة الأفكار والقيم والرأي عبر الصناعات الثقافية المختلفة.ثمة أسئلة تطول بطول لوائح الانتهاكات التي ترتكب بحق الشعوب والأمم والتي تحتاج إلى إجابات محددة لكي تفضح المبررات التي وقفت وراء العديد من الحروب في هذا القرن تحت ستار حقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب وغيرها!.
د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني