الانقسام الفلسطيني: حتى لا تضيع الفرصة الأخيرة

بقلم: معتصم حمادة

الترحيب باتفاق 20/5/2012 (عزام ـ أبو مرزوق) لا يلغي حق المراقبين في النظر إليه بارتياب، بسبب افتقاد الاتفاقات السابقة إلى الصدقية، مما أبقاها حبراً على ورق. فاتفاق مكة تحول كارثة وطنية ما زالت الحالة الفلسطينية تعيش تداعياتها المأساوية. واتفاق صنعاء مات قبل أن يولد. وكثير من اتفاقات القاهرة تبخرت، رغم أنها كانت حصيلة إجماع وطني، اخترقه وانتهكه "طرفا الانقسام" ـ التعبير لأحمد يوسف أحد قادة حماس ـ أما اتفاق 4 أيار (مايو) 2011، فقد جرجر نفسه لأكثر من عام، ولم يتخذ طريقه نحو التنفيذ، رغم إسناده باتفاق الدوحة الذي نص على تولي الرئيس عباس رئاسة الحكومة الانتقالية.

عشية التوقيع على اتفاق 20/5/2012، كانت الأجواء ملتهبة بين الطرفين، إذ رأت حماس في الحكومة الجديدة في رام الله خطوة قطعت الطريق على خط المصالحة. وقد أسهب الناطقون باسم الحركة في انتقاد خطوة عباس ـ فياض هذه، غير أن التطور الأخير أظهر خطأ هذا التقدير، وأن حكومة جديدة في رام الله يمكن أن تستقيل، كما قال الرئيس عباس، فور الوصول إلى اتفاق على آلية تنفيذ ورقة 4/5/2011.

ما يدعو للتشكيك بحسن نوايا الطرفين (وإن بنسب متفاوتة أحياناً) أنهما لم يجريا أية مراجعة للأسباب التي قادت إلى تعطيل التنفيذ لأكثر من عام. وما يدعو للتشكيك أيضاً، هذا الانتقال المفاجئ، من حالة الاضراب الإعلامي، الصاخب، إلى حالة التوافق، وكأنه لم تكن هناك عوائق تحول دون تطبيق ما كانت القوى الفلسطينية قد أجمعت عليه في القاهرة، العام الماضي.

كذلك يشكل الاتفاق، في حد ذاته، اعترافاً صريحاً وواضحاً أن من بإمكانه أن يسهل الطريق أمام التطبيق هو من كان يعطل هذا التطبيق. لذلك لا نتحامل على الحركتين إن نحن قلنا إنهما تتحملان مسؤولية إدامة الانقسام، ولا نظلم أياً من الحركتين إن نحن قلنا أن في كل منهما تياراً باتت مصالحة الخاصة تلتقي مع إدامة الانقسام، وتعطيل اتفاقات المصالحة.

وبعدما كان الرئيس عباس يشترط أن تنجز اللجان المختلفة أعمالها، بما في ذلك لجنة الانتخابات المركزية، وبعد أن تعلن هذه اللجنة أنها باتت جاهزة للإشراف على تنظيم الانتخابات، تتشكل الحكومة الانتقالية، ولمدة 3 أشهر فقط، هي الفترة القانونية التي تفصل بين تاريخ إصدار مرسوم تنظيم الانتخابات وموعد هذه الانتخابات (90 يوماً) الجدولة الجديدة في 20/5/2012 مدت في عمر الحكومة الانتقالية إلى ستة أشهر بدلاً من ثلاثة.

هذه يعني أن الحكومة الانتقالية لن تكون معنية، بإجراء الانتخابات، فحسب، بل وكذلك بالإشراف على عمل باقي اللجان، كلجنة الحريات، المعنية بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في السجون في غزة ورام الله ولجنة المصالحة المجتمعية، المعنية بإجراء المصالحات بين العائلات في القطاع، ووضع حد لنزاعاتها التي نشبت بسبب ما شهده الانقسام من قتل وخطف للأفراد.

أما قانون انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني فنعتقد أنه ليس من صلاحيات هذه الحكومة، بل تعود صلاحياته إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وإلى اللجنة التي تشكلت لهذا الغرض برئاسة رئيس المجلس أبو الأديب، غير أن هذه الحكومة معنية بالضرورة بإدخال التعديلات على قوانين الانتخاب، خاصة انتخاب المجلس التشريعي، بحيث يعتمد نظام التمثيل النسبي الكامل، في سياق توحيد قوانين الانتخابات، بين "محلية"، و"تشريعية" و"وطنية" (أي المجلس الوطني).

هنا لا يغيب عن البال أن حماس ما زالت ترفض التمثيل النسبي الكامل لانتخاب المجلس التشريعي، وتصر على المختلط (75% و25% دوائر فردية) وفي إصرارها هذا تكون حماس قد خالفت مبدأ الإجماع الوطني، ومبدأ التوافق الوطني، إذ من المعلوم أن الفصائل كافة دعت إلى التمثيل النسبي الكامل في مجمل العمليات الانتخابية في الحالة الفلسطينية (نقابات، تشريعي، مجلس وطني، محليات...الخ).

وأن تكون الحكومة الجديدة مرشحة لتعيش ستة أشهر، في خضم أعمال ولجان ومشاريع قوانين وغيره، معناه أنها سوف تصطدم بالعقبات والعوائق التي لا يمكن تجاوزها، أو التغلب عليها إلا بروح التوافق الوطني. وروح التوافق تفترض مراعاة رأي الأغلبية، واحترام مبدأ الشراكة الوطنية.

هنا نلحظ أن نص الاتفاق يتحدث عن لقاء تشاوري بين عباس ومشعل للاتفاق على صيغة الحكومة الانتقالية. خطورة هذا "الاستئثار" في التشاور، وبمعزل عن باقي القوى أنه سيحشر الحكومة الجديدة، بما عليها من مهمات في الدائرة الضيقة للتفاهم الثنائي، بينما التشاور الجماعي سيوفر لهذه الحكومة فضاء سياسياً أكثر اتساعاً، وأكثر رحابة وأكثر ديمقراطية. والتجارب العديدة تؤكد صحة هذا الاستنتاج.

تبقى مسألتان تحتاجان إلى تسليط الضوء عليهما.

• الأولى هي مسألة إعادة الحياة إلى المجلس التشريعي، المشلول، المنقسم على نفسه، والذي شكل تجربة فاشلة، من تجارب السلطة الفلسطينية. فالحكومة معنية بنيل ثقة المجلس، حتى تستقيم الأمور، خاصة وأنها حكومة الإشراف على الانتخابات القادمة، والمجلس معني بسن القوانين الجديدة، في مقدمها القانون الجديد لانتخاب المجلس التشريعي الجديد. وبدون مجلس تشريعي، ستبقى الأمور موضع تشكيك وطعن دستوري، لا يستطيع أي كان أن يتفاداه.

• أما المسألة الثانية فهي مسألة انتخاب المجلس الوطني. الجدولة الزمنية تتحدث عن انتخاب مجلس تشريعي، ورئيس السلطة، ومجلس وطني في عملية انتخابية واحدة، تتم في ثلاثة صناديق منفصلة. هنا علينا أن نلاحظ أن الناخبين في غزة والضفة والقدس ليسوا معنيين بانتخاب أعضاء المجلس الوطني في صندوق مستقل. فأعضاء المجلس التشريعي هم أيضا أعضاء في المجلس الوطني، وبالتالي فإن عملية انتخاب أعضاء المجلس التشريعي عملية مزدوجة، فالأعضاء هم في التشريعي، وهم في الوقت نفسه في "الوطني". ومسألة عضوية أعضاء "التشريعي" في "الوطني" مسألة خضعت لنقاشات صاخبة، إلى أن أقرت الصيغة النهائية، لأنه من الخطورة بمكان أن يكون "التشريعي" منفصلاً عن "الوطني"، ما يضعنا أمام ازدواجية مصطنعة تفتح الباب للطعن بالشرعية الفلسطينية والتلاعب بها، في ظروف لا يستطيع أي منا أن يقدر طبيعتها.

في القضية ذاتها: لا بد من تأمل حول إمكانية تنظيم انتخابات شاملة في الشتات لانتخاب المجلس الوطني، خاصة في ظل الأوضاع العربية المعروفة. مع التأكيد على ضرورة أن يكون "الوطني" القادم نتيجة عملية ديمقراطية، أي منتخباً من الداخل والخارج معاً، وألا يتم إعادة تشكيله وفق الأساليب السابقة التي فقدت مبرر وجودها في ظل التطورات التي دخلت على مجمل الحالة الفلسطينية، وفتحت الآفاق لتكريس الديمقراطية في العلاقات: ما بين المواطن والمؤسسة، وما بين المؤسسات نفسها، وبما يفتح الباب لتكريس الشراكة الوطنية على أسس متوازنة، بعيداً عن كل أشكال الهيمنة والاستفراد، ومع التأكيد أن موازين القوى لن تبقى ثابتة على ما هي عليه، فالانتخابات تعكس في كل دورة الحالة الجديدة لموازين القوى، هذا ما علمتنا وتعلمنا إياه تجارب الشعوب الأخرى التي اعتمدت الديمقراطية خياراً استراتيجياً، بكل ما يحيط بالديمقراطية من معانٍ (حريات فردية، وجماعية، وتعددية سياسية، وقوانين أحزاب وصحافة حرة، وانتخابات دورية، وفصل بين السلطات).

أخيراً، وليس آخراً، نتوقف أمام ما قاله عزام الأحمد، من أن هذه الجدولة هي "الفرصة الأخيرة" وأنه إذا لم يتم الالتزام بها فإن الأمور "ذاهبة نحو المجهول". وهذا ما على الجميع أن يتجنبه ويعمل على استبعاده بكل الوسائل.

معتصم حمادة