الانفجار الأصولي من قندهار الى الموصل

في وقت واحد وأزمة كونية واحدة سيُسمَع صوت الأنفجار ولن يسمع احد الأنين الأخير للضحايا وقد مدّوا ايديهم لبعضهم عابرين للأوطان وللزمان والمكان، اعدادهم غير معروفة ولم يُحصِها احد بعد.

ضحايا من اعراق مختلفة، ينطقون شتى اللغات لكنهم يشتركون بأنهم من يسميهم التنظيم العالمي "هلكى" الغزوات الجهادية الاصولية التكفيرية.

التفجيري أو الأنغماسي هو نفسه بسحنته الداكنة ولحيته الكثّة وشعره المرسل واشتعال نيران الكراهية في نفسه تجاه من وقر في نفسه انهم اعداء الدين القويم.

هكذا يجري تأثيث المشهد الكوني بالهلكى والانغماسيين وما بينهما مجتمعات مأزومة اصابها العطب في قرارة بناها العائلية والتعليمية، مجتمعات قادرة في كل يوم ان تنتج انغماسيين جدد وعلى العالم ان يتقبّل صانعي القفاطين المفخخة.

هذا ما انتجته المجتمعات المنخورة بالتكفير وكراهية الاخر. ليست عقولا مكرّسة للأبداع وانتاج التكنولوجيا والاختراعات بل التفنن في نسج قفاطين الموت ورصّها بالمسامير والكرات المعدنية لايقاع اكبر عدد ممكن من "الهلكى" كما تسميهم وكالة "اعماق" التي يستمد منها اعلاميون موتورون ووسائل اعلام يعتريها الفرح من مشهد السترات الناسفة والهلكى الكونيون.

بالامس قرأت لصحافي يقيم في المملكة المتحدة اصوله من احدى المدن السورية التي صار فيها صنّاع القفاطين المفخخة هم سادة المشهد. وبدل ان يبحث في مكتبات لندن عن قصة صراع الغرب مع الاصولية الكنسية والفظائع التي سجلها الكهنوت السلطوي حتى تحقق مجد الدولة المدنية الحديثة، فأنه يحثّ قراءه على اقتفاء اثر وكالة اعماق واعتمادها مصدرا اساسيا لمعرفة اخبار معارك مدينة الموصل. مجرد عيّنة لثقافة التوحّش الفصامي، للأنغماسي في شكل صحافي وكاتب يحمل شهادة دكتوراه ويعيش في كنف ارقى المجتمعات.

هذا المثقف بشعره الممشوط بعناية وربطة عنقه وهو يسمع سماعا عن الكتب الاكثر مبيعا في البلاد الانجلوساكسونية ويتحدث عن كثرة اسفاره ينشر مقاطع الفيديو التي ينشرها صناع القفاطين المفخخة من دون ان يخفي مشاعر التشفي من "الهلكى".

الكائنات المعطوبة التي تستعر في داخلها عقيدة الانغماس لا يمكن وصمها كلها بالجهالة والامية بل ان احصائيات معتبرة اثبتت ان مثقفين واصحاب شهادات كثرين كانوا وما يزالون مشاريع انغماسيين.

الأنفجار الأصولي وهو يتحول الى جائحة كونية يضع العقل الجمعي في موضع جدل ومحاكمة ويجعل المؤتمرات المنتجة للنصائح في موضع الفضيحة.

هذه الاخيرة تنظمها دول عربية واسلامية تستمتع بأقامتها مرة بعد مرة وتكرر بلا كلل ولا ملل نفس التوصيات تصدرها في طبعات جديدة من جهة فيما تنتج تلك المجتمعات نفسها طبعات جديدة من الانغماسيين.

المناهج الدراسية المفروضة قسرا على التلاميذ الصغار تبشّر بالانغماسيّين وتعرّف بالهلكى.

مناهج مشغولة بشتيمة الكفّار واهمّية قطع رؤوسهم.

واذا سأل الطفل الصغير من هم الكفّار فستكتمل في عقله صور وصفات الهلكى الذين لا بد من هلاكهم لكي يرضى الله عن الطفل وأهله وذويه وصحبه عندما يكبر.

الطفل يتم تصنيعه هنا على انه مشروع اصولي، مجرّد تكفيري وانغماسي صغير وجاهز لأداء المهمة ساعة الإيذان بالتكليف الشرعي. الاعلان عن اطفال الجهاد رافقته قصص عن التدريب على ذبح البهائم كان يجري لأولئك لأطفال في الرقة والموصل وقندهار على السواء من لدن معلّمي الجهاد.

ترّبى الصغار جيدا متشبعين بالسم فصاروا انغماسيين او جمهورا عريضا مساندا للأنغماسيين ينتظمون تارة في شكل خلايا نائمة او ذئاب منفردة وما بين هذا وذاك المأزق يبقى كبير وكبير جدا.

جمهور الانغماسيين وقاطعي الرؤوس مازال يعيش ويتنفس ويتسقّط اخبار ايّة عملية انغماسية واي تساقط للهلكى فيهلل ويكبّر ويأمر أهله بالشكر على تلك النعمة والمنّة. التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي التي هي ارقى ما وصل اليه العقل البشري، تكنولوجيا انتجها "مشاريع هلكى" كما يسميهم خطاب التكفير انهم "كفار" وما صنعوه صار ـ ويا للمفارقة ـ في خدمة صانعي قفاطين الانغماسيين ومعلميهم، تنشر تويتر بكل اريحية افرازاتهم واحتقاناتهم ونتفا من فتاويهم ودعوتهم "الضالين" ممن يتواجدون على تلك المنصة التواصلية للهداية والتوبة.

الانغماسي التفجيري بأمكانه ان يخدع اي أحد، لا عهد ولا ميثاق. عنده فتوى بذلك. يتسلل لاجئا بين اللاجئين حتى اذا حانت لحظة الغدر نزع عنه جلد اللاجئ الى جلد الانغماسي الذي يبحث عن طرائده من الغافلين الامنين الذين آووه واطعموه واحتضنوه ليدرجهم في قوائم الهلكى.

ما نعيشه امس واليوم هو مشهد يحمل في ثناياه تناقضات لا حد لها ولا حصر واعراض فصامية كارثية تعصف بمجتمعات مأزومة في مناهجها واعلامها وتعليمها وخطابها الديني وحاضرها ومستقبلها، مجتمعات وصلت بنفسها الى درجة الصراع مع نفسها لا تجد مخرجا ولا حلّا وإن تخيّلت ما هو خلاف ذلك.