الانفتاح يستوعب 'الخروج الى الذات' لهيا صالح

تفاعل متبادل

عمان - يقيم محترف رمال في السادسة من مساء الأربعاء 13/12/2006 أمسية توقّع فيها الكاتبة هيا صالح كتابها "الخروج إلى الذات: مقالات في القصة الأردنية المعاصرة"، ويتحدث في الحفل الروائية سميحة خريس والناقد الدكتور شكري عزيز الماضي، وذلك في مقر المحترف الكائن في جبل اللويبدة، طلوع وزارة المالية، مقابل فندق قصر فراس.

تكشف الناقدة هيا صالح في كتابها "الخروج إلى الذات" أن تلك الدائرة من الأحكام النقدية التي اقتصر إطلاقُها على المنجَز التسعيني في القصة الأردنية، تتسع لتشملَ -إلى حدّ كبير- المشهدَ القصصي الأردني المعاصر عموماً، الذي يشترك بكون "العودة إلى الذات" ملمحُه العام، لافتةً أن التجارب الأخيرة لكتّاب أردنيين من أجيال سابقة أخذت هذا المنحى وتبنّته.

وتضيف صالح في كتابها الذي صدر حديثاً عن دار نارة للنشر والتوزيع وتتناول فيه 24 تجربة قصصية أردنية، أن هذه "العودة إلى الذات" وجدت تجسيدَها، بـ"الخروج إلى الذات"، (عنوان الكتاب) لبضعة اعتبارات، موضحةً أنه عدا التقابل في المعنى الذي تنطوي عليه المفردتان (حيث "العودة" نكوصٌ يقود إلى التقوقع والانغلاق على الذات، بينما "الخروجُ" انفتاحٌ وتفاعل)، فإن اعتماد مفردة "الخروج" يؤشر على أن هذه العودة لا تتوقف عند الذات ولا تتقوقع عليها ولكن تعتمدها وتغلب حساسيتها لدى النظر إلى الخارج.

وتبيّن صالح أن ذلك يتطلّب تقنياتٍ سرديةً خاصة، وملمحُها الأساس هو الاسترجاعات الذهنية، واستحضار الماضي بانتقائية الذات وحساسيتها بدل العودة إليه، إضافة إلى الخلخلة في التتابع الزمني الطبيعي، والعناية الأقلّ بالمكان، كما يحضر في سياق ذلك "الراوي كليّ العلم".

وتورد صالح الاعتراضات البديهية التي اعتاد المشهد الثقافي على إلصاقها بالنصّ النقدي، وهي تتمحور في ثلاثة اتجاهات: الاعتماد على المقالة الصحفية، والميل إلى التطبيقي مع الإغراق بالانطباعية، وغياب التناول النظري الشامل للأدب بوصفه ظاهرة أو مجموعة من الظواهر المترابطة.
وثمة اعتراض رابع يسوق حججاً وجيهة تتوقف عند بنية الكتاب النقدي العربي، الذي يأتي في غالب الأحيان "تجميعاً" لمقالات متفرقة، أو "تلفيقاً" من خلال تحرير هذه المقالات ومحاولة إعادة توضيبها في هيئة نصّ واحد ربما يغيب عنه التماسك ويفتقر اجتماعُ موضوعاته إلى المبررات والمسوغات الكافية، ويعوزها الانسجامُ والترابط.

وتشير صالح، بعد إقرارها بوجاهة كلِّ هذه الاعتراضات أو بعضها، إلى جملةٍ من الحقائق الموضوعية التي من شأنها أن تنْزَع عن هذه الاعتراضات صفةَ التعسّف والإطلاقية التعميمية التي قد تُفقدها الدقةَ والحصافة، وفي مقدمة هذه الحقائق، ثمة الموقع المتميز الذي تحتلّه القصة القصيرة في المشهد الأدبي العربي، فهي قد تمثل المنجزَ الأهمّ في هذا المشهد. وعليه، فقد تكون النوعَ السردي الأكثر تعبيراً وملاءمةً للواقع الاجتماعي والثقافي من جهة، والأكثر استجابةً لشروط الإنتاج الثقافي العربي وآلياته من جهة أخرى.

والقصة القصيرة بذلك حسب صالح، وبهذين العاملَين اللذَين يفسّران رواجَها قد تبرر المقالة وضرورتها كنَصّ نقدي، إذ من حيث يقترح النوعُ الأدبي (ودورُه الاجتماعي الثقافي) الشكلَ النقدي الذي يستجيب له، فإن المقالة تبدو بذلك النصَّ الموازي والمناسب للقصة القصيرة نقدياً. ولأن الصحافة ما تزال البيتَ الأول والأساسَ للمنجز الأدبي والنقدي على حدٍّ سواء، فإن المقالة تبرز في هذا المقام بوصفها النصَّ النقدي الأكثر فعالية في استجابته لهذا الواقع، ولا يجدي عدم الاعتراف بها أو التقليل من شأنها بنعتها بـ"المقالة الصحفية"، ولكن هذا يوضح بدوره ويبرر إلى حدٍّ ما، ميلَ هذا النصّ إلى التطبيق، أكثر من ميله للجانب النظري.

وترى صالح أنه إذا كان من الصعب الدفاع عن الإغراق بالانطباعية، فإن الميل إلى "التطبيقي" لا يبدو بعيداً عن المسوّغات الموضوعية أو مفتقراً للضرورات والمبررات الثقافية المتعلّقة بالمشهد الثقافي نفسه، فيما يبدو غيابُ التناول النظري الشامل للأدب هو الآخر سمةً طبيعية من سمات هذا المشهد تنسجم مع عمر الأدب العربي الحديث، ومع الحراك النقدي الذي يسير بالتوازي مع مشهد أدبي ما يزال قيد التشكّل في العديد من البلدان العربية، ناهيك عن أن أسئلة ثقافية رئيسة حاسمة في هذا المجال ما تزال خارج نطاق التبلور النهائي.

وهكذا، تخلص صالح إلى أنه يمكن ملاحظة الفارق الكبير ما بين إصدار كتابٍ يُبنى على قاعدة جمع مقالات مستقلّة يمتلك كلٌّ منها مشروعيته كنصّ نقدي معتَمَد يقترحه الواقعُ الثقافي والنوع الأدبي موضوع التناول على حدٍّ سواء.. وبين "تلفيق" نصّ نقدي "موحَّد" ينظر إلى المقالة كنصّ متدنّ الأهمية، ويحاول تجاوزها بتركيبها قسراً إلى جانب مقالات أخرى في بنيةٍ تدّعي التماسك وتتقمّص البعدَ النظري.

وعليه، فضّلت صالح الحفاظَ على الشكل الأصلي الذي كُتبت به المقالات التي يتضمّنها هذا الكتاب لا سيما وأنها كُتبت أصلاً في أوقات مختلفة، ومن زوايا نظر متباينة ونُشرت في الصحافة الثقافية متفرقةً، وهي تُخْلص للمقالة وتحمل سماتها شكلاً ومضموناً.
وكان من شأن العمل على إعادة إنتاج هذه المقالات في بنية موحَّدة –كما تؤكد صالح- أن تكون محاولة متعسّفة لأن المقالة تبقى الوسيلة الأكثر شيوعاً ونجاعةفي متابعة المنجز الأدبي ورصده.

ورغم ما يبدو من استقلالية العروض التي يقدمها الكتاب لعدد من التجارب القصصية في الأردن بعضها عن بعض، فإن القارئ لن يعجز عن إدراك الظواهر المشتركة في التجارب المتناوَلة، والتي تؤشر بدورها على التقاسيم الرئيسة في وجه اللحظة المعاصرة من القَصّ الأردني الحديث في السنوات الأخيرة.

وأخيراً، يأتي هذا الكتاب وفق صيغته التي هو عليها، ليواصل تقاليد الكتابة النقدية العربية باعتماد المقالة، وليحتكم إلى شروط الإنتاج الثقافي العربي وآلياته، وهو ينضمّ إلى جملةٍ أخرى من الإصدارات المشابهة التي تناول فيها أصحابها المشهد القصصي الأردني، في سياق صنع الأرضية اللازمة لإنتاج نصّ نقدي نظري يستجلي ملامح هذا المشهد.