الانسحاب من القرار 1559

بقلم: محمد جمال باروت

ظهر الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه المعد بإتقان على الرغم من الخروج "الارتجالي" عليه؛ أكثر استعجالاً لتنفيذ المواءمة ما بين اتفاق الطائف والقرار 1559، من المحور الفرنسي- الأمريكي للقرار 1559، عبر دمجه ما بين المرحلتين اللتين ينص عليهما اتفاق الطائف، مع إبقاء مساحة "رمادية" وحيدة تتعلق بمفهوم الانسحاب حتى منطقة الحدود السورية - اللبنانية وفق ما يتماشى مع القرار 1559، وليس وفق ما نص عليه اتفاق الطائف حرفياً. ويستبق ذلك "التردد" الأمريكي الظاهر، لكن ربما المحسوب وفق تكتيك "ضربة على النعل وضربة على الحافر"، بين مطالبة الرئيس بوش بالانسحاب السوري العسكري والأمني كلياً وفورياً إلى خارج لبنان من دون أنصاف حلول، أو إعادة تمركز القوات المنسحبة، وبين حرص وزيرة خارجيته كونداليزا رايس على السكوت عما إذا كان القرار 1559 يلغي اتفاق الطائف، وبين تصور ساترفيلد المبني على أفكار لارسن في تحقيق الانسحاب الكامل خارج لبنان حتى نهاية العام الحالي.
مهما كانت كلمة منطقة الحدود السورية - اللبنانية تعني من مساحة رمادية بين وضوحيْ الأبيض والأسود، فإنها تشير إلى استعداد سوري للانسحاب الكامل إلى داخل الحدود السورية، عبر دمج المرحلتين اللتين ينص عليهما اتفاق الطائف فعلياً في مرحلة واحدة، وبالتالي محاولة سحب البساط من تحت تفسير القيادة الأمريكية - الفرنسي للشق السوري من القرار 1559 المتعلق باتفاق الطائف. لكن الخطاب بقدر ما يؤكد التزام سوريا بمقتضيات القرار 1559 من ناحية وجودها في لبنان فإنه لا يضع الشق الثاني من القرار ضمن الالتزامات السورية، بل يعطي لسورية الحق بتفسيره وفق ما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية؛ التي تمّ تمييزها لأول مرة عن مصالح الانتفاعات الخصوصية والسياسية المحلية، والاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت. وفي هذا الحق بالتفسير بما يترتب عليه من تقديرات الموقف؛ تبرز مؤشرات أن سوريا ستغادر لبنان من الباب العسكري - الأمني المباشر ما دام الحديث قد تمّ عن انسحاب كامل، لكنها ستبقى مهتمةً به من الباب السياسي - الاستراتيجي المتعلق بسلاح المخيمات والمقاومة من جهة، ومن العمل ضمن قواعد اللعبة اللبنانية نفسها، دون الحاجة إلى الوجود العسكري - الأمني في منع ما وصفه الرئيس السوري باتفاق 17 أيار جديد، وتعهد بدعم إسقاطه مجدداً. ولعل المقصود بذلك هو اتفاقية السلام الإسرائيلية - اللبنانية التي أعرب الإسرائيليون أكثر من مرة عن ترقبها في "جني الحصاد".
إن خطاب الرئيس الأسد يحمل وجهين متمايزين: ففي الوجه الأول اعتبر أن سوريا التي تدخلت في لبنان لمنع التقسيم لن تكون مصدر انقسام جديد بين اللبنانيين، بينما ميّز في الوجه الثاني بين "قوى وطنية" و"قوى مرتبطة بالخارج"، ولمز في هذا السياق ما سماه بـ "تجار المواقف السياسية"، محيلاً بشكل أساسي وفق ما يمكن أن يفهم في المجال التداولي للمز ومراجعه؛ إلى زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. وفي هذا التمييز كان طبيعياً من ناحية الاستراتيجيات النصية أن يستخدم في مقطع محدد معجم الحرب الباردة، بينما استخدم في بقية الخطاب معجماً عصرياً براغماتياً معقلناً بشدة، من ناحية التمييز بين المصالح الاستراتيجية للدولة السورية وبين المصالح الفئوية، ومن ناحية اعتبار خطوة الانسحاب إلى البقاع فالحدود السورية - اللبنانية، والأرجح على الجانب السوري من الحدود، أنها استمرار لخطوات انسحاب سابقة بدأت منذ أواخر عام1999، وأن الانسحاب العسكري لا يعني الانسحاب من الدور السياسي المتجذر تاريخياً.
لقد ذهب الرئيس السوري بفهمه البراغماتي للقرار 1559؛ إلى أبعد حد منتظر من رئيس دولة يتعرض إلى مثل هذا القرار، بل وذهب إلى عدم اعتباره "شراً مطلقاً أو خيراً مطلقاً"، بقدر ما ذهب إلى أن ما يتضمنه من تطبيق الشق السوري العسكري من اتفاق الطائف هو فرصة لسورية؛ المعنية بمصالحها الاستراتيجية، وليس بالمصالح الفئوية التي ترعرعت تحت مظلة الطائف، غير أنه حرص على قراءته بعيون الطائف، واعتبار أن سوريا تكون بانسحابها الكامل قد وفت بالتزامات الطائف، وبما يتماشى مع القرار 1559، والتي اعترف بها الأسد في عداد عبوره بالأخطاء. وتلك هي من أعلى حالات البراغماتية، في تحويل الإرغام إلى فرصة، من حيث الرد باليد الثانية على الدعم السياسي لممانعي الشق الثاني من القرار 1559، فيما يتعلق بسلاحي المخيمات وحزب الله. ويعني ذلك؛ أن سوريا تخرج عسكرياً من لبنان، لكن دورها يبقى مستمراً فيه سياسياً، في مواجهة الشق الثاني من القرار 1559 أو في مواجهة اتفاقية إسرائيلية - لبنانية على غرار اتفاق 17 أيار / مايو، وكأنها تنسحب من القرار 1559.
يعني ذلك؛ أن الفصل ما بين المسارين السوري - اللبناني؛ الذي توخاه استراتيجياً الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار / مايو 2000، لن يكون طريقه ممهداً، في ظل إعلان الأسد عن أنه سيتم إسقاط اتفاق 17 أيار الجديد، أي اتفاقية لبنانية - إسرائيلية يجري الشغل عليها. وفي ذلك رسالة بأن تطبيق اتفاق الطائف عنصر استقرار، لكن تطبيق الشق المتعلق بالمخيمات وسلاح المقاومة عنصر توتر مفتوح. وربما يتعدى ذلك حدود الرسائل الموجهة في القتال التراجعي خطوتين إلى الوراء الذي تجد دمشق نفسها محكومةً به اليوم، إلى خطوة نحو الأمام في الحسابات الأمنية الاستراتيجية السورية التي تعتبر حزب الله والجيش اللبناني جزءاً من مفهوم الأمن الدفاعي السوري، لكن ذلك يعني أيضاً أن سوريا ستعيد بناء مفهومها للأمن في ضوء المتغير الجديد.
في القراءة الأولى، فإن الأسد رمى القرار 1559 في مرمى القوى التي أصدرته، والتي من الطبيعي أن تطالب بالمزيد في إطار استراتيجيات الضغط. وسيمكنه ذلك من تيسير اتخاذ المنظومة الإقليمية العربية في مؤتمر القمة لنوع من مظلة إقليمية عربية على الرغم من كل الوهن الذي أصاب هذه المنظومة، كما يفترض أن ينعكس إيجابياً في تقرير كوفي عنان في نيسان / أبريل القادم. وفي المنظور الأمني الدفاعي، فإن إعلان الرئيس السوري انسحاب قواته إلى البقاع فالحدود السورية - اللبنانية؛ هو أفضل استثمار براغماتي - سياسي للقرار 1559 في إنقاذ هذه القوات مما غرقت به في مستنقع الوحل المصالحي اللبناني - السوري المافيوزي أو الشبكي المشترك. ومن المرجح في الطريق بين الإعلان عن الانسحاب الكامل وبين تنفيذ الالتزام السوري بما نصّ عليه "الطائف" في مرحلتيه تقريباً؛ الذي ليس متحققاً الآن بل عندما يكتمل الانسحاب حسب تعبير الأسد، أن يتم ذلك بشكل سريع نسبياً، وأن يترافق مع تسلم المخابرات العسكرية اللبنانية للمفارز الأمنية السورية. وخلال ذلك، لن تتوقف الضغوط، لكنها ستكون محكومةً بعنصر مستجد: هو انسحاب سوريا من الاتفاق 1559، مع التلويح المدروس بأنهم سيحتاجون إلى سوريا حين يشرعون في تطبيق الشق الثاني من القرار. والجوهري في ذلك، هو الانسحاب من القرار 1559 الذي يعطي لعبة الصراع ديناميات قد تنطوي على بعض مفاجآت ما.(اخبار الشرق) * محمد جمال باروت، كاتب وباحث سوري - حلب