الانتفاضة ومشكلة المرجعية: قضية المقاومة المسلحة نموذجا

مازالت الانتفاضة الفلسطينية تواجه العديد من المشكلات، ومن ضمن ذلك مشكلة القيادة، أو بمعنى آخر، مشكلة المرجعية السياسية (من الناحية الاستراتيجية) التي باتت تحتل موقعا مركزيا بين مجمل المشكلات التي تعاني منها الانتفاضة والتي تحد من فعالياتها ومن قدرتها على تحقيق أهدافها.

فالانتفاضة، حتى الآن، تبدو وكأنها خليط من العفوية والتجريبية، أكثر من كونها تخضع لحسابات سياسية مدروسة. ويمكن الإشارة في هذا الإطار مثلا إلى واقع اشتغال كل فصيل أو حتى كل جهاز من أجهزة السلطة، وكأنه المعني بتوجيه الانتفاضة وتقرير مساراتها، يضاف إلى ذلك تضارب الخطاب الإعلامي والفوضى في استخدام المناطق السكنية في الأنشطة المسلحة، وفي الجدل القائم حول جدوى العمليات الاستشهادية، وأيضا في المظاهرات التي يطلق فيها الملثمون الرصاص في الهواء وفي رفع كل فصيل لرايته على حساب العلم الفلسطيني.

ولكن مشكلة القيادة بدأت تبرز بوضوح في تنازع المرجعيات على خلفية التعارضات السياسية الفلسطينية، في لحظة سياسية ـ صراعية هي على غاية من الاحتدام. ففي وقت تبدو فيه الانتفاضة، أحوج ما تكون إلى أعلى أشكال التناغم والانسجام في خطابها وعلاقاتها العربية والدولية، من دون أن يخل ذلك بالتعددية الوطنية أو بالعلاقات الديمقراطية، تبرز مرجعيات وخطابات مختلفة تشكك بوحدتها وبصورتها وحتى بسلامة توجهها.

وهذا الواقع يفرض حدا أعلى من الحكمة والمرونة السياسيين من الطرفين السلطة والمعارضة، وبخاصة فإن هذا الوضع يفرض على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الاهتمام بتعزيز وحدة الصف الداخلي وبخلق حالة من الثقة والوضوح السياسيين مع أطراف الطيف السياسي الفلسطيني، وترسيخ العلاقات الديمقراطية والمؤسسية، والعمل بحزم ومثابرة وجدية من أجل تكريس الشفافية والمحاسبة في عمل السلطة. وتنبع أهمية المبادرة من قبل القيادة الفلسطينية، في هذا الاتجاه، إلى حقيقة أن هذه القيادة استفردت، طوال المرحلة الماضية، بالقيادة السياسية والميدانية وبالعملية التفاوضية، ولذلك فهي المسؤولة عن تكريس القيادة الجماعية وبمفاتحة القوى السياسية بتفاصيل العملية التفاوضية وبالمعطيات العربية والدولية المستجدة، لأن هذا التوجه هو الذي يعمق الثقة والتفهّم بين جميع الأطراف الفلسطينيين.

ولعل القيادة الفلسطينية، اليوم، هي في وضع أفضل من السابق، إذ أنها يمكن أن تبني على صورتها التي تعززت بناء علي صمودها وتمسكها بالحقوق الفلسطينية في مفاوضات كامب ديفيد2 (تموز2000)، هذا الموقف الذي أعاد لها الاعتبار وعزز مكانتها في الساحة الفلسطينية، وبيّن الطابع الصراعي للعملية التفاوضية التي تخوضها، كما يمكن لهذه القيادة أن تبني على مصداقيتها وقدرتها في الصراع مع إسرائيل على مختلف الأصعدة طوال عام من الانتفاضة.

ومن جهة ثانية فإن القوى الوطنية والإسلامية التي تنافس على المرجعية والقيادة أثبتت، في أحوال عديدة، أنها تدرك بأن لكل مرحلة ظروفها وخصائصها، ما يفرض عليها الاستمرار في نهج تغليب الوحدة الداخلية والتركيز على الشعارات وأشكال العمل النضالية التي تجمّع والتي تفوّت الفرصة على العدو لتحقيق الاختراقات لإضعاف الساحة الفلسطينية. وبالطبع فإن تغليب الوحدة لا يعني حرمان القوى الوطنية والإسلامية المعارضة من حقها في طرح مشروعها السياسي: القومي أو الإسلامي، ولكن ما يجب أن تأخذه هذه القوى بعين الاعتبار، أيضا، التعامل بمسؤولية ووعي كبيرين مع الإشكاليات المحيطة بالانتفاضة والتخفيف من الخطابات النظرية والدعاوية التي ليس لها علاقة مباشرة، الآن، بالانتفاضة وقدراتها وساحة عملها، التي هي في إطار الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي إطار الحديث عن مشكلة المرجعية والقيادة يمكن الإشارة مثلا إلى تصاعد الجدل حول قضية اضفاء الطابع العسكري على الانتفاضة. وفي الواقع فإن النشاط المسلح طغى على فعاليات الانتفاضة على حساب أشكالها الشعبية، وأحيانا لم يخضع هذا النشاط لحسابات سياسية، ولهذا فإن القوى المعنية، بهذا النشاط، مطالبة بمراجعة هذه التجربة ونقدها لصالح تنظيم هذا الشكل النضالي وتوجيهه بما يحافظ على استمراريته وعلى سلامة مقاصده ومردوده ارتباطا بالحركة السياسية.

أيضا فإن المعنيين بالانتفاضة مطالبون بفتح نقاش جدي حول جدوى العمليات الاستشهادية (البطولية). والمعنى أن هذه العمليات وبرغم الضرر الكبير الذي تلحقه بإسرائيل، من النواحي السياسية والنفسية والبشرية والاقتصادية، تلحق أضرارا بالشعب الفلسطيني، من النواحي البشرية والاقتصادية. وبالتأكيد فإن المشكلة المطروحة لا تتعلق بالأضرار على رغم فداحتها، بالنظر إلى روح التضحية لدى الفلسطينيين، ولكنها تتعلق بالجدوى السياسية لهذه العمليات، وبالإجهاد الزائد للانتفاضة الذي يؤثّر على طول نفسها وعلى مدى التحمّل لدى بعض القطاعات الشعبية، هذا إلى جانب أن هذا الشكل يخلق مجالا لضغوط واسعة على القيادة الفلسطينية، ويشوّش على صورة الكفاح الفلسطيني ويضعف من عدالة القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي.

ويبدو أن مراجعة دور العمليات الاستشهادية التي تجري في إسرائيل (فلسطين المغتصبة) مستهدفة المدنيين، باتت حاجة ملحة، خصوصا على ضوء التطورات الحاصلة. فهذه العمليات ليست غاية في حد ذاتها لاسيما وأن العمليات التي حصلت، حتى الآن، أدت الغرض منها، وبات من الممكن سحب هذه الورقة من التوظيف الإسرائيلي الرامي لوصم النضال الفلسطيني بالإرهاب والتي تستخدمها إسرائيل في الحقيقة للتغطية على إرهابها الموجه ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

وبصراحة فإنه في قضية دولية مثل القضية الفلسطينية، وخصوصا في ظل هذا الوضع العربي، من الخطورة تجاهل المزاج الدولي، في هذه المرحلة التي بات فيها الحرب على الإرهاب يشغل اهتمام العالم، على حساب القضايا الأخرى ومن ضمنها القضية الفلسطينية. وفي الحقيقة فإن الفلسطينيين معنيون بمراجعة دور العمليات الاستشهادية، أيضا، لأن هذه العمليات باتت تخلق حساسيات وخلافات في الساحة الفلسطينية هي في غنى عنها، لأن هذه الخلافات تضر بسلامة ووحدة مسار الانتفاضة. وربما أنه يمكن تعزيز المقاومة المسلحة بتركيزها ضد المستوطنين والمواقع العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما أكدت كل الفصائل الفلسطينية قدرتها عليه، ومن ضمنها حركة حماس والجبهتين الشعبية والديمقراطية.

* كاتب فلسطيني يقيم في دمشق