الانتفاضة حتمية وضرورية وممكنة

في الوقت الذي تتحرك فيه شعوب وجماعات موظِفة كل الوسائل بما فيها العسكرية ضد أنظمة مستبدة من اجل حريتها أو من اجل مشاريع دينية أو إثنية حتى بات العالم العربي يعيش حالة تفكك وفوضى غير مسبوقة، يشكك البعض بإمكانية وبجدوى قيام الفلسطينيين بانتفاضة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بل وبعضهم يشكك بشرعية مثل هكذا عمل، ولا ندري إن كانت الدكتاتورية أسوأ من الاحتلال؟ وما إذا كانت كراسي الحكم أكثر قدسية وبالتالي أحق بالدفاع عنها من الدفاع عن القدس واستقلال شعب وتحريره من نير الاحتلال؟ وما إن كانت الشعوب العربية أكثر رجولة وشجاعة وأكثر غيرة على كرامتها وحريتها من الشعب الفلسطيني؟

يعود سؤال الانتفاضة والمقاومة مجددا في الذكرى الثالثة عشر لانتفاضة الأقصى التي بدأت يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 2000 ولا احد من الفصائل الفلسطينية يقول لنا متى انتهت الانتفاضة بالتحديد وما هو حصادها أو انجازها الوطني؟ وإن كنا نعتقد أن نهايتها كانت مع الانقسام الذي أدى إلى تفتيت الحالة الوطنية التي تشكل حاضنة لوحدة الفعل الثوري المقاوم وإلى انشغال كل طرف بالصراع على السلطة بدلا من مواجهة الاحتلال. إلا أن عودة الحديث عن الانتفاضة هذه المرة يأتي خجولا وملتبسا بدو ن إرادة حقيقة عند كل الفصائل وفي ظل حالة احتقان وإحباط شديدة عند الجمهور الفلسطيني سواء في الضفة أو غزة، ليس إحباط غياب الإرادة، أو إحباط القبول بالأمر الواقع، بل إحباط من النخب ومن الحكومتين والسلطتين.وهو إحباط يؤشر إلى انتفاضة تجرف في طريقها الاحتلال والسلطتين معا.

الحالة الفلسطينية بكل تشعيباتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية توفر الشروط المناسبة للانتفاضة بل للمقاومة بكل أنواعها بما فيها العسكرية، ولا ندري إن لم ينتفض الفلسطينيون اليوم حيث كرامتهم تُمتهن من الاحتلال والحصار وأرضهم تسرق كل صباح ومقدساتهم تُدنس كل يوم وأفاق المستقبل مظلمة مدلهمة لا تمنح ولو بصيص أمل لأجيال المستقبل، فمتى سينتفضون ويثورون؟!. ولكن مقابل ذلك فإن الحكومتين والسلطتين تشكلان عائقا أمام الانتفاضة والمقاومة، لتضارب مصالحهما مع حالة الانتفاضة والمقاومة، ولأن السلطتين تملكان أدوات تستطيع من خلالها قمع الانتفاضة في مهدها أو قبرها قبل أن تولد، ومن هذه الأدوات قوة قمع الأجهزة الأمنية وقوة ردع الخوف على الراتب.

الحق بالمقاومة والانتفاضة ثابت وطني ما دام الاحتلال قائما على أرضنا، إنه حق يستمد شرعيته من القانون الطبيعي والشريعة الدينية والشرعية الدولية، وبالتالي ليس من حق احد آن يتصرف بهذا الحق ما دام الاحتلال جاثما علي أرضنا. الحق بالمقاومة يستمر ما دام الاحتلال موجودا، وحتى من منطلق الإستراتيجية السياسية سيكون من غير المنطقي والعقلاني أن يُعلن أي مسئول فلسطيني التخلي عن الحق بالمقاومة ولا يجوز التصرف به، من خلال هدنة مع العدو أو اتفاقات موقعة معه، إلا بقرار من الشعب وبإرادته الحرة، حتى الدساتير لا يجوز أن تتضمن نصوصا تقول بإلغاء الحق بالمقاومة.

مع افتراض أن الحق بالمقاومة، وخصوصا المسلحة، غير قابل لصيرورته راهنا ممارسة منتجة لمُنجَز سياسي، فلا يجوز التخلي عنه لان هذا التخلي يُفقد القيادة السياسية الراهنة والأجيال القادمة ورقة قوة قد تحتاجها إن فشلت نهائيا العملية التفاوضية أو إن انتهكت إسرائيل اتفاق التهدئة، أيضا لا يجوز لأي مسئول أن يسقط الحق بالمقاومة وفي نفس الوقت يطالب المجتمع الدولي بتطبيق قرارات الشرعية الدولية لان الحق بالمقاومة جزء من الشرعية الدولية.

ولكن...، الإشكاليات محل النقاش لا تُدرج في باب الجدل النظري أو الترف الفكري النخبوي، لان هناك فرقا بين الحق وممارسة هذا الحق. لقد أسيئ استعمال الحق بالمقاومة والجهاد في أكثر من بلد، حيث تحولت بعض الحركات الجهادية لتصبح أدوات لحروب أهلية، فتصارعت علي السلطة وشلت السير العادي للمؤسسات بل دمرتها وشوهت البنية الاجتماعية من خلال تأجيج النعرات الطائفية والعشائرية والعائلية، وجرَّت المجتمع لمستنقع الاقتتال والحرب الأهلية، هذا ناهيك عن لجوء هذه الجماعات ـ التي تحمل زورا وبهتانا اسم المقاومة أو الجهاد ـ لأطراف خارجية للاستقواء علي الجماعات الوطنية المنافسة، ونسوا الاحتلال أو العدو الخارجي الذي ما شُرعت المقاومة إلا لمواجهته.

وعليه، فكثير من سوء الفهم وسوء الممارسة يكتنف تطبيق الحق بالمقاومة والجهاد أو الانتفاضة. على مستوى ممارسة الحق بالمقاومة، فالمقاومة لا تعني مجرد حمل السلاح أو تصرفات مسلحة فردية حني وان وجهت بنادقها أحيانا ضد الاحتلال، هناك فرق بين وجود أفراد مسلحين أو مجموعات تحمل السلاح أو انتشار السلاح بيد الناس من جانب، والمقاومة الوطنية بما هي إستراتيجية عمل وطني من جانب آخر.وفي الحالة الفلسطينية هناك فرق بين الحالات العسكرية والفصائل المسلحة التي تمارس المقاومة والجهاد منفردة وفي كثير من الحالات في خدمة أجندة أجنبية أو كأداة للوصول إلى السلطة من جانب، والمقاومة الحقيقية من جانب آخر.

لعبت جماعات مسلحة دورا سلبيا في انتشار ثقافة السلاح والانفلات الأمني وكانت السبب في الاقتتال الداخلي. إن انتشار السلاح دون إستراتيجية عمل وطني لا يعني وجود مقاومة وطنية، كل حركات التحرر الوطني التي حققت الهدف الوطني المتمثل بالاستقلال كانت تعمل في إطار إستراتيجية عمل وطني سياسيا وعسكريا، هذا ما كان عليه الحال في الجزائر وفي فيتنام وعند جميع حركات التحرر الناجحة، أما الحركات التي تمارس المقاومة والجهاد خارج إطار الإستراتيجية الوطنية فقد تحولت لأدوات للحرب الأهلية كالعراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين، وفي دول ما يسمى بالربيع العربي – ليبيا وسوريا.

عندما تفشل جماعات المقاومة والجهاد في الانتصار على العدو فإنها لا تعترف بأخطائها بل تُحَمِل المسؤولية إما للعدو ـ وكأن العدو يحتاج لمن يكشف لنا بأنه عدو ومجرم ومتفوق عسكريا ـ أو تحملها لخصومها السياسيين، بل قد يصل الأمر باتهامهم بالتواطؤ مع العدو، فتدخل معهم بصراعات قد تكون أكثر دموية من مواجهاتها مع العدو، هذا إن لم يصبحوا العدو من باب "أن العدو القريب أولي بالجهاد من العدو البعيد"، حول قيادة العمل العسكري أو السلطة أو صراعات إيديولوجية مصطنعة.

فشل الجماعات المسلحة في تحقيق ما وعدت به الجماهير من شعارات كبيرة، يدفع الشعب للابتعاد عنها ويدفع عناصرها المسلحة للتمرد عليها أو استعمال ما يُفترض بأنه سلاح مقاومة وجهاد ليتحول لسلاح أجهزة قمع وفرض خوات وضرائب واستعراضات استفزازية، وعندما تفقد هذه الجماعات ثقة ودعم الشعب تبحث عن الدعم الخارجي وقد يكون الدعم من تجار السوق السوداء أو تجارة المخدرات والممنوعات أو من خلال الارتباط بقوى خارجية، ومع مرور الزمن تفقد هذه الجماعات شعبيتها ووطنيتها بالتدريج فتزداد قمعا وإرهابا ضد شعبها لتحافظ على وجودها، وتصبح البنادق الموجهة للشعب أكثر من البنادق الموجهة للاحتلال مع استمرارها بالقول بأنها حركات مقاومة وجهاد، وقد يحتاج الأمر لبعض العمليات العسكرية الاستعراضية ضد مواقع عسكرية للعدو لا تصيب مقتلا ولا تُلحق ضررا.

هذه الإشكالات النظرية وتجسداتها العملية تفرض نفسها بشدة على الساحة الفلسطينية ونحن نسمع بدعوات للانتفاضة بل وللمقاومة، ونحن مع العودة للانتفاضة بل للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال ليس فقط دفاعا عن القدس والمقدسات بل عن حقنا الوطني بالحرية والاستقلال، ولا نعرف إن لم ينتفض الشعب اليوم فمتى سينتفض؟ ولكن علينا التوافق على إستراتيجية وطنية للانتفاضة والمقاومة، أو على الأقل على السلطتين الحاكمتين عدم الوقوف في وجه أي حراك شعبي ضد الاحتلال، فاتفاق أوسلو والتنسيق الأمني في الضفة الغربية، كذلك اتفاق الهدنة الذي وقعته حركة حماس، لا يبرران الوقوف في وجه شعب يريد أن يدافع عن وطنه ومقدساته وخصوصا بعد فشل المراهنة على أتفاق أوسلو وعلى الهدنة ومن كان يقف وراءها. الحق بالمقاومة وبالدفاع عن النفس فوق كل اتفاقات والتزامات، واخشى ما نخشاه أن يؤدي قمع السلطتين للتحركات الشعبية ضد الاحتلال إلى انتفاضة دموية ضد الاحتلال وضد السلطتين معا ومؤشرات هذه الانتفاضة تلوح في الأفق.