الانترنت ينقذ سكان بغداد من العزلة

بغداد - من هبة موسى
وخير جليس في الشدة كمبيوتر موصول بالانترنت

وسط المعركة اليومية المتواصلة ضد الخوف والعزلة في حياة خلف أبواب مغلقة اكتشف سكان بغداد وسيلة لابقاء مدينتهم حية.. ألا وهي التنقل عبر شبكة الانترنت.
وبدلا من الاستمتاع بتناول وجبة بأحد مطاعم الاسماك على ضفاف نهر دجلة تقضي دنيا سعد (28 عاما) وهي ربة منزل أوقات المساء أمام الكمبيوتر داخل غرفة المعيشة تدردش مع أصدقائها عبر خدمة ياهو ميسينجر.
ويعيش أغلب أقاربها على الضفة الاخرى من نهر دجلة وتعد مشاهدتهم رأي العين أمرا شبه مستحيل.
وتنهدت قائلة "من المحزن ألا ترى أصدقاءك كما في الايام الطيبة الخوالي." غير أنها تضيف "لكن الدردشة عبر الانترنت جعلت الامور أفضل".
ومنذ أشعل تفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري في مدينة سامراء في فبراير/شباط موجة من العنف الطائفي تحول الانترنت من هواية للمولعين العالمين بالتكنولوجيا الى بديل شامل للتعاملات اليومية الخاصة بالحياة في المدينة.
فالمتاجر تغلق أبوابها مبكرا في بغداد ولا يسمح للسيارات بالمرور بعد التاسعة مساء كما أن مناطق كثيرة بالمدينة تصبح مهجورة بالكامل مع غروب الشمس.
واضطر مئات الآلاف من السكان الى الانتقال الى مناطق بالمدينة لا يعرفون فيها جيرانهم.
وقالت زينب (35 عاما) والتي تعمل سكرتيرة بمكتب وطلبت ذكر اسمها الاول فقط "لا أخرج سوى للامور الطارئة فقط مثل حضور جنازة أو زيارة طبيب". وأضافت "صراحة.. الجنون في الخارج يفقدني السيطرة على أعصابي".
ولم تر زينب أصدقاءها منذ شهور. وبدلا من ذلك تلتقي بهم عبر الدوائر التلفزيونية المغلقة على شبكة الانترنت.
وقالت "نتحدث أغلب الوقت عن الوضع الامني. من قتل أو خطف أو فر مؤخرا من البلاد".
وتحويل بغداد الى شبكة من أجهزة الكمبيوتر عمل من ابداعات السوق الحرة.
وربما كانت الكهرباء هي الجزء الاصعب. وكانت معظم مناطق بغداد تحصل على الكهرباء لفترات تتراوح بين 12 و18 ساعة يوميا قبل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003. أما الان فتحصل أغلب الضواحي على الكهرباء من الشبكة لمدة تتراوح بين أربع وست ساعات يوميا فقط.
وأغلب الاسر من الطبقة المتوسطة تحصل على الكهرباء من مولدات في الحي تعمل بالديزل تزودها بكهرباء مقابل ما يعادل نحو 10 دولارات للامبير تدفع شهريا لاصحابها. وعادة ما يكون ستة أو سبعة أمبيرات كافية لتشغيل كمبيوتر وتلفزيون ومبرد.
وسيقوم مقهى انترنت باحدى الضواحي ببيع اشتراك للحصول على خدمته الخلوية عبر القمر الصناعي مقابل نحو 40 دولارا.
ولم يمارس أغلب العراقيين الدخول على الانترنت الا بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين في عام 2003.
وكان صدام حسين ربط العراق رسميا بشبكة الانترنت عندما أنشأت حكومته شركة لخدمات الانترنت في عام 2000. غير أن الاتصالات الخاصة كانت محظورة وأغلق مزود الخدمة القانوني الوحيد الوصول الى مواقع البريد الالكتروني ومواقع الدردشة.
أما اليوم فقد انتشرت الشركات في أنحاء بغداد مستغلة الاتصالات الجديدة عالية التردد عبر الاقمار الصناعية والتي تجعل من الممكن انشاء مزود صغير بخدمة الانترنت دون الاعتماد على الاطلاق على أي بنية تحتية تخضع لسيطرة مركزية.
ويقول علي يوسف الذي تدير شركته "انفوزون" أربع مزودات بخدمة الانترنت في مناطق مختلفة ببغداد انه يشترك في اتصالات عالية التردد عبر القمر الصناعي لدى شركات بالكويت والامارات العربية المتحدة.
ويتمتع أحد مزودات الخدمة التابعة له بسرعة اتصال تصل الى اثنين ميجابايت في الثانية وتتكلف نحو سبعة آلاف دولار شهريا عبر القمر الصناعي. وهذه السرعة مشابهة لسرعة الاتصال عبر التردد العالي من منزل واحد في معظم البلدان الغربية.
ويبيع هذا المزود الخدمة الى 200 مشترك في ثلاث ضواح ببغداد محققا عائدا اجماليا يبلغ نحو ثمانية آلاف دولار.
وتقوم المولدات الخاصة بتزويد المناطق التي توجد بها مستقبلات لاسلكية بالكهرباء خلال النهار بواسطة بطاريات تنتج نحو 200 أمبير حتى تظل عاملة دون انقطاع خلال الليل.
والانترنت بالنسبة للصحفي الذي يعمل بالقطعة عمار علي (30 عاما) مكان للبحث عن الحب في مدينة قد يتعرض فيها الرجل للخطف أو القتل بسبب مغازلته امرأة.
ويدخل علي على الانترنت منذ نحو عام فقط غير أنه بات لديه بالفعل قائمة طويلة من "الصديقات" اللاتي يتصل بهن بصفة يومية تقريبا. وبعضهن يعيش في ضواح أخرى بينما تعيش أخريات في بلدان اخرى.
ويقول "ليس الامر كالواقع. لكنني أستمتع به." واضاف "انها وسيلة جيدة للهرب من واقعنا التعيس. الى أن يأتي صباح جديد على الاقل".