الانتخابات المقبلة في العراق.. الطموح والواقع

بقلم: موفق الرفاعي

في ظل وجود الملكوت الأميركي في العراق نمت وترعرعت أحزاب وقوى وتيارات طائفية - دينية ومذهبية واقلوية- وكان بعضها قبل ذلك قد استنبتته بعض دول الجوار وتعهدته بالرعاية، وأخرى التقت مصالحها جميعا على تقويض الدولة العراقية، بدعوى تقويض نظام يشكل خطرا عليها وعلى السلم والأمن الدوليين.
هذه الأحزاب لا يمكن أن تنمو وتستمر إلا في ظل الفوضى وعدم الاستقرار ووسط وجود أجنبي فاعل – أميركي أو غيره- يحميها ويوفر لها الأجواء المناسبة لذلك. وهي لهذا ستبقى متمسكة بالوجود الأجنبي كحاضنة لها لا يمكن الاستغناء عنها. وعلى هذا أيضا فإن كل حديث عن مطالبتها بانسحاب القوات الأميركية من العراق أو جدولتها لهذا الانسحاب على المدى القريب او المتوسط هو "حديث خرافة.." ولا يعدو كونه ركوبا للموجة الوطنية وتخدير أو تسويف لتأجيل تنفيذ المطالب الوطنية حتى تستمكن تماما من السلطة المطلقة والتي تسعى اليها وتعمل من اجلها.
كذلك فإن مجتمعا تتصاعد فيه نسب الأمية والبطالة؛ مجتمع مفكك متناحر؛ مجتمع متخلف، سيشكل هو الآخر أرضية خصبة لهذه القوى والتي نراها لا تحاول تقديم حلول لأيٍ من هذه المشكلات بل بالعكس فهي تعمل على كل ما يكرسها ويزيدها تعميقا.
منذ العام 2003 وحتى الآن تكاد تمضي ست سنوات، لم تترجِم خلالها أي من أقوال "المسؤولين" الكثيرة إلى واقع عملي، وبقي الوضع في العراق بجميع أركانه وجوانبه يتداعى، واستمكن اليأس من نفوس الكثيرين حتى ما عدنا نرى بريق أمل في عيون العراقيين سوى أن يجد احدهم له دولة في هذه الأرض تقبل به لاجئا أو تعيد توطينه فيها.
فحتى الآن لا يكاد العراقيون يخرجون من أزمة حتى يدخلوا في أخرى مثلها أو أسوء منها، ولا احد من "المسؤولين" يكلف نفسه ولو تبرير هذه المتوالية من الأزمات التي طحنت البلاد بين حجري رحاها الثقيلين، ما يكشف عن إهمال وعدم اهتمام بالِغَين بمعاناة هذا الشعب المنكوب، كونهم يراهنون على ما توفره لهم اشكاليات الواقع العراقي الاجتماعية والسياسية والأمنية وحتى الفكرية، ومر الحديث بها فيما تقدم.
الآمال جميعها وبدلا من تعلقها بمؤسسات الدولة العراقية فهي تتعلق بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وببعض المنظمات في دول شاركت حكوماتها في مأساة العراقيين وتحاول مساعدتهم ربما كنوع من التكفير عن الذنب الذي تشعر بها شعوب تلك البلدان، أو قد يكون تعبيرا عن موقف إنساني رافض للحرب ونتائجها ومساند للشعب العراقي وإحساس بالمأزق الوجودي للعراقيين.
لقد أضحى الشعب العراق قسمين: قسم يعيش بالداخل وقسم في الخارج، وبالرغم من الاختلاف في نوعية المعاناة التي يعانيها الاثنان إلا أن ذلك يؤدي إلى نتيجة واحدة هي اليأس والقنوط من تحسن أوضاعهم.
يكاد يجمع المراقبون للأحداث في العراق على أن الفجوة آخذة في الاتساع بين العراقيين كشعب وبين من باعوهم الأوهام قبيل وبعيد الاحتلال، حتى أضحت هناك هوة تفصل ما بين الأحزاب السياسية والشعب الذي ما عاد يشكل قاعدة جماهيرية لها فاضطرت تلك الأحزاب إلى (توظيف) الأعضاء، أي أن العضو في الحزب السياسي أصبح موظفا وله مرتب شهري وامتيازات تعده بتوفيرها له. هذه الفجوة يعتقد المراقبون السياسيون أنها ستقود حتما إلى رفضٍ لكل الوجوه التي تتصدر المشهد السياسي العراقي الآن والتي فقدت مصداقيتها، سوف تتضح معالمه في الانتخابات المقبلة، لكن من المؤكد أن تلك الأحزاب ما زالت تراهن على تبدلات ربع الساعة الأخيرة، حيث اللعب بالورقة الطائفية (الدينية- المذهبية-العرقية- العشائرية) التي تَعرف بالضبط متى تكشف عنها وتؤجج بها المشاعر وبالتالي تكسب الانتخابات.
إن الواقع الاجتماعي الذي افرز هذه القوى في آخر انتخابات جرت، وكذلك آليات عمل مفوضية الانتخابات والتي لم تتغير كثيرا عما كانت عليه من قبل، يضاف إليهما العامل الإقليمي المتمثل بالتدخل الإيراني السافر في توجيه بعض القوى السياسية ودعمها لها، كل هذه الأسباب تجعل من الصعب الاطمئنان إلى مراهنات البعض على إمكانية حصول تغييرات واضحة في الخارطة السياسية المقبلة.
إن إلغاء حيادية صوت الناخب عن طريق استنهاض مشاعره الدينية او القومية او المذهبية او المناطقية وتزييف وعيه في انتخابات وطنية، يعتبر من اشد أنواع التزوير ضررا بالوطن والمواطن، وقد عاش الجميع ما أفرزته الانتخابات السابقة ورأوا النتائج الكارثية التي أدت إليها وما زالت تداعياتها تتفاعل حتى الآن وآثارها لم تُمحَ من النفوس بعد، ومع هذا فما زالت القوى السياسية الطائفية تصر على ذات النهج غير عابئة بما أدى إليه وإلى ما سيؤدي اليه هذه المرة من مآسي ونكبات. موفق الرفاعي