الانتخابات التشريعية الإيرانية تكشف الصراع على الرئاسة والولاية

بقلم: أسعد حيدر

"شجرة" الانتخابات التشريعية في إيران تخفي "غابتين" بدلاً من الواحدة. الأولى "غابة" الانتخابات الرئاسية التي يجب أن تجري في أيار من العام المقبل، وخلافة المرشد آية الله علي خامنئي المفتوحة لأنّ "الأعمار بيد الله" كما يُقال.

أفرزت الانتخابات التشريعية، توجّهات جديدة على مستوى السلطة في إيران، وليس داخل مجلس الشورى الجديد. ولا شك أنّ الانتخابات أثبتت هيمنة "الأصوليين" على المجلس، لكنها في الوقت نفسه أكدت أنّ "بيت" الأصوليين من عدّة "منازل"، وأنّ التنافس والصراع فيما بينهما عميق جداً يتناول مستقبل إيران كلها وليس على مواقع ومقاعد محدودة أو محدّدة فقط.

يصرّح كل فريق من الأصوليين بأنّه فاز بالأغلبية المطلقة. في الواقع تحديد الفائز معلّق على الفرز الذي سيتم على جبهة المستقلين. فقد تجسّدت ظاهرة كانت موجودة في السابقة لكنها تبلورت أكثر في هذه الانتخابات حيث انتُخب 98 مرشحاً تبنّت عدة قوائم ترشيحهم في وقت واحد. وجاء هذا التشتيت بعد عدم التزام الناخبين الإيرانيين بدعوات رجال الدين بانتخاب القوائم كما هي. ويمكن رسم خريطة مؤقتة للمجلس المُنتخب على النحو التالي:

* "الجبهة المتّحدة للأصوليين" التي تُعتبر "الابنة" الشرعية للمرشد خامنئي، وهي فازت بـ65 مقعداً، وهي معادية كلياً للرئيس أحمدي نجاد.

* "جبهة استقامة الثورة الإسلامية"، الملتحقة بعباءة آية الله مصباح يزدي، وهي فازت بـ25 مقعداً.

* "قائمة الصمود" القريبة من سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام والقائد الأسبق للحرس الثوري الجنرال محسن رضائي وقد فازت بأكثر من 14 مقعداً.

يبقى أنّ الانتخابات أنتجت إبعاد أو إسقاط 200 نائب من المجلس السابق أبرزهم نبي الله حبيبي الأمين العام لـ"حزب المؤتلفة الإسلامي" الذي هيمن لعقود على تمثيل الأصوليين، وأنّ علي مطهري فاز في الدورة الثانية عن طهران على رغم عدم إدراج اسمه على اللوائح الأساسية، وأنّ الإصلاحيين رغم استبعادهم حصلوا على 35 مقعداً، والمستقلون 39 مقعداً وأهل السنّة 16 مقعداً.

في جميع الأحوال، المجلس الجديد لن يُسهِّل مهمّة أحمدي نجاد في سنته الأخيرة. المعركة مفتوحة بينه وبين الجبهتين المنضويتين تحت لواء "الأصوليين". ومنذ الآن رفضت لجنة برلمانية خطة الحكومة لرفع الدعم عن السلع الأساسية بنسبة نصف المبلغ الذي طلبه نجاد وهو 44 بليون دولار، إلى جانب ذلك فإنّ المعركة فُتحت بين نجاد والشقيقين علي لاريجاني رئيس المجلس المنتهية ولايته وشقيقه رئيس القضاء صادق لاريجاني. الواضح أيضاً أنّ لاريجاني سيترك رئاسة المجلس للنائب العائد غلام حداد عادل القريب جداً من المرشد واللذين يرتبطان بعلاقة مصاهرة عائلية.

أياً تكن التقييمات للمجلس الجديد، فإنّ انتخابات الرئاسة، قد بدأت. وهي تدور أولاً بين الأصوليين. فالمرشحون عديدون منهم علي لاريجاني، ومحمد قالبياف المرشح السابق للرئاسة. ولا شك أنّ للمرشد كلمة حاسمة في هذا التنافس.

الجديد على صعيد الانتخابات الرئاسية، أنّ جبهة الإصلاحيين، أو الأصح قوى هامة منهم، تستعد منذ الآن لخوض الانتخابات الرئاسية، وهي تدرسها بعناية. اثنان من قيادة الإصلاحيين يتوليان استكشاف امكانية المشاركة والفوز وهما: الرئيس الأسبق محمد خاتمي ووزير الداخلية الأسبق عبدالله نوري، الذي سُجن عدة سنوات بسبب طروحاته حول ولاية الفقيه والثورة.

محمد خاتمي مهّد لهذا الدور، بالدعوة إلى المشاركة بالانتخابات التشريعية تحت بند "المحافظة على الأهداف الإصلاحية". الأهم في هذه الدعوة قوله: "ما زلت أنتظر من الجميع عدم البقاء أسرى الماضي، بل التطلّع إلى المستقبل الذي يمكنه بناء البلد".

خاتمي قد يصبح هو المرشح للرئاسة المقبلة والمقبول من المرشد، إذا نجحت المفاوضات الأميركية – الإيرانية، أو إذا وجدت القيادة الإيرانية أنّ من المصلحة الوطنية تقديم وجه معتدل إذا ما فُتح مسار المفاوضات وتطلّب الأمر بناء الثقة. أما عبدالله نوري فإنّه أيضاً أحد المرشحين المحتملين.

الجديد في هذا المجال، كان اجتماع أحمدي نجاد مع حفيد الإمام الخميني السيد حسن أحمد الخميني في نهاية نيسان الماضي. وقد سرّب نجاد أنّه أبلغ حسن الخميني "استعداده لدعمه في حال ترشحه للرئاسة"، لكن المقرّبين منه نفوا ذلك، مؤكدين أنّه ما من اقتراح لترشحه للرئاسة. لكن في الواقع يبدو أن اسمه مطروح جدّياً، لأنّه يشكِّل إحراجاً كبيراً للأصوليين خصوصاً وأنه حفيد الإمام الخميني ومعروف بحُسن سلوكه وتعمّقه في الدراسة الدينية وقربه من الخط الإصلاحي. وكان قد سبق لقاء حسن الخميني مع نجاد، لقاءً علنياً آخر مع هاشمي رفسنجاني الذي يلعب دوراً في إعادة دفع جبهة الإصلاحيين إلى الواجهة.

يبقى على جبهة خلافة المرشد علي خامنئي، فإنّ قفزة آية الله مصباح يزدي إلى واجهة المسرح السياسي وهو الذي اعتمد التحرّك طوال السنوات الماضية في الظلال، وتزايد المعلومات حول سعيه بأن يتم تعيينه نائباً للولي الفقيه يؤكد طروحاته. وكان يزدي قد قام بانقلاب على نفسه حيث أعلن تأييده لولاية الفقيه وللمرشد خامنئي بعد أن كان "مرشداً" لنجاد خصوصاً ما يتعلق "بالمهدوية" التي ينتج عن الأخذ بها إلغاء ولاية الفقيه وقيام الإمارة على مثال إمارة "الطالبان" في أفغانستان، ولا يُعرف ما إذا كان "انقلابه على نفسه هو تكتيك لكسب المواقع أم أنّه تغيير كامل في خدمة ولاية الفقيه؟".

أمام إيران، معارك حامية على السلطة ومساراتها خصوصاً وأنّ الجمهورية الإسلامية تبدو بعد ثلاثة عقود على مفترق طرق تستعد طبقة سياسية جديدة تسلم "الوديعة"، كل ذلك تحت ملاحقة "العين الساهرة" للحرس الثوري، وفي ظلال ضغوط أميركية وأوروبية عنوانها الملف النووي أما مضمونها فهو مستقبل النظام كله.

أسعد حيدر