الانبعاث الروسي في الشرق الأوسط

لم تكن روسيا بالدولة البعيدة جيوبولتيكيا عما يجري من تفاعلات في الشرق الاوسط، وبشكل خاص في اكثر نطاقاته اضطرابا في الفترة الاخيرة. فقد كانت سوريا تمثل الفرصة الاخيرة لاعادة انبعاث الدور الروسي الذي يتميز بمقدار مهم من البراغماتية وايضا الركون الى شرعة الامم المتحدة ومجلس الامن. ولاعتبارات عديدة ذات علاقة بموضوعات تتجاوز مساحة الجغرافيا السورية باتجاه ما يجري من تفاعلات في منظومة العلاقات الدولية، كانت روسيا تنظر الى الموضوع من زاوية اكثر حذرا وتفهما من بقية الاطراف.

ظن البعض باننا مقبلون على مرحلة اوسع من الصراع في سوريا حيث تعاد الى الاذهان فصول من تاريخ الصدامات المباشرة بين القوى العظمى. روسيا بوتين لم تكن لتسمح لنفسها بالتورط في مثل هذا السيناريو وهي المثقلة بتحديات داخلية وخارجية عديدة قد تفضي بالنتيجة الى تكرار مشهد التفكك الذي اصيبت به في اعقاب الانهيار الكبير الذي حصل في بنيتها الجغرافية – السياسية في السابق. لكنها بالمقابل كانت تبحث عن خيارات اخرى تجدد من خلالها دورها وتنشط مكانتها في الساحات المؤثرة على الخريطة العالمية. يأتي كل ذلك في ظل القناعة المتنامية بعدم جدوى الحديث عن فكرة النظام الدولي احادي القطبية.

حروب النيابة التي توسعت رقعتها في الفترة الاخيرة للاضرار بالمصالح الروسية في اوكرانيا – العراق وسوريا، لم تكن حربا خاطفة في حقيقتها، بقدر ما كانت اختبارا كبيرا لسعة صبر وحكمة الروس في المطاولة وعدم الاستنزاف في هذه الساحات. استمرت موسكو بالعمل وفقا لقناعات محددة تقوم على فكرة منع خروج الامور عن نطاق السيطرة عبر ابقاء ابواب الحوار مفتوحة مع واشنطن. على اعتبار ان التطورات في الساحات المذكورة لابد ستفضي بالنتيجة الى حوار سياسي ما تتحول فيه نتائج هذه التطورات الى اوراق مساومة مباشرة بين الاطراف الفاعلة. لذا فان فكرة انتاج حرب باردة جديدة وجذب الاخرين لمصيدتها لم يكن خيارا روسيا.

من جانبها واشنطن كانت تعيش حالة من التردد ازاء فكرة الانغماس التام في اعادة احياء تاريخ العداء مع الروس في فترة زمنية تمر فيها الادارة الاميركية بانتكاسات غير قليلة. ففي الملف السوري اثبتت الاحداث بان استراتيجية واشنطن كان يشوبها كثير من الغموض وايضا الفشل. فهي لم تصل الى غايتها في اسقاط النظام هناك، كما لم تصل الى غايتها البديلة في ايجاد حليف استراتيجي موثوق على الارض ضمن صفوف ما يسمى بالمعارضة السورية المعتدلة. الفضيحة الاخيرة المتعلقة بتسليم السلاح اميركي الذي زودت به هذه المعارضة الى الفصائل الاسلامية المتشددة، كانت اشبه برصاصة مباشرة وجهت الى ما تبقى من مصداقية لدى الاميركان في هذا الملف. مما يعني بان الاستمرار في النظر الى الموضوع السوري من زاوية ما قبل 2011 لم تعد فكرة مجدية على الاقل في اطار التعامل مع المتغير الروسي الذي بات حاضرا بشكل مؤثر.

حصل الاندفاع الروسي الجديد باتجاه تصعيد وتيرة التعاون العسكري مع سوريا بهدف معلن للجميع اساسه محاربة التطرف الاسلامي. هذا الاندفاع جاء في اعقاب الحديث عن الدور الخجول للتحالف الاميركي لمحاربة داعش وما يثار حوله من شكوك فعلية في ظل التراخي الاميركي من عملية التعاطي معه من جهة، وفي ظل الحديث عن امكانية التوصل الى مقايضات ضمنية مع الاتراك حول المنطقة العازلة من جهة اخرى، مضافا لها تأكيدات بان البديل الحتمي لانهيار الدولة السورية وتشظي سوريا الى دويلات هو قيام دولة متشددة في المنطقة تشكل تهديدا مباشرا للسلام الاقليمي. لذا وجدت روسيا ان الوقت قد حان لاحراج الاخرين الحالمين بابقاء الامور تحت سيطرتهم بهذه الطريقة الخطرة التي ستعيد رسم الخرائط بشكل يتوافق ومصالح القوى التي انتجت داعش.

اشار بعض المراقبين الى ان روسيا ارادت فعليا تغيير قواعد اللعبة في سوريا، فهي خلقت بخطوتها تلك واقعا جديدا اسهم في تغيير سريع لموازين القوى. ففي مقابل التواجد الاميركي في قاعدة انجرليك هنالك تواجد روسي في اللاذقية. هنالك ايضا اعلان عن مناورات قريبة في شرق البحر المتوسط. كل ذك اسهم في توجيه رسائل جديدة غيرت من صورة الاحداث. صدمة التفكير بخطورة الادوات التي استخدمت خلال السنوات الماضية في تدمير سوريا باتت تلقي بظلالها على العديد من العواصم التي اصبحت تنظر بجدية لعواقب الدور الروسي في حال عدم الركون الى لغة العقل في التعاطي مع الاحداث الحالية.

الرئيس التركي كان من بين المبادرين بالذهاب سريعا الى موسكو لمناقشة التطورات والاتفاق على عدم الخوض في أي صراع مباشر مع الروس على الارض السورية. ذاكرة الحروب التاريخية بين الطرفين تكفي لتجنب شرارة أي صراع مهما كان صغيرا في هذا الفترة الحرجة. حيث يدرك اردوغان جيدا بان بلاده بحاجة ماسة الى البقاء بعيدا عن لغة عسكرة الاستقطابات الدولية في الاشهر القادمة التي ستقبل فيها تركيا على انتخابات مصيرية يعقبها حوارات لا تخلو من الصعوبة حول طبيعة تشكيل الحكومة. ناهيك عن تصاعد وتيرة الصراع مع حزب العمال الكردستاني والخشية من تمدده الى نطاقات جديدة. كل ذلك اسهم الى حد ما في حصول تغير مفصلي في الموقف التركي من الازمة السورية. مباشرة بعد عودته من موسكو اعلن اردوغان بان تركيا لا تتحفظ على مساهمة النظام السوري في عملية الحل السياسي للازمة التي تضرب سوريا منذ سنوات.

اوربيا كانت ثمة خطوة استباقية قادتها بنجاح المانيا. فبعد ازمة تدفق اللاجئين بكثافة عددية كبيرة، تحدثت ميركل صراحة عن ضرورة تغيير المواقف من موضوع التسوية السياسية وما يفرض عليها من قيود في سوريا. هذا التغيير كان مصاحبا لتحول اخر مهم في اوكرانيا – الساحة الاخرى الحيوية للروس. ففي لعبة الجيوبولتيك لا قيمة للحدود والمساحات التي تفصل بين الاحداث على اعتبار ان العالم مجرد رقعة شطرنج كبيرة ليس الا. في يوم 12 سبتمبر تم التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار في اوكرانيا بتعاون روسي - اوروبي وهو الاول الذي لم يتم خرقه منذ اندلاع الازمة هناك. تجميد الصراع كان النتيجة الامثل لكل الاطراف التي كانت تبحث عن تسويات مقبولة للحيلولة دون الايغال في مستنقع الحرب. لتأتي بعدها مباشرة تطورات الحديث عن امكانية اعادة انتاج هذا السيناريو في سوريا. كثير من القوى الان لديها رغبة ما في العمل على تجميد الصراع. والا فان البدائل كلها ستكون مكلفة للجميع بلا استثناء.

اميركا من جانبها بدأت بالتأكيد على لسان وزير خارجيتها بان الرؤية الرسمية لبلادها قد تتوافق الى حد ما مع التصورات الروسية. في هذا الصدد قال كيري مؤخرا "إن واشنطن تتطلع الى الحوار مع الرئيس السوري لايجاد حل للازمة في سوريا". لذا من المؤمل ان يجري في يوم 28 لقاء مهما بين الرئيسين الاميركي والروسي هو السابع في غضون 6 سنوات على هامش لقاءات الجمعية العامة للامم المتحدة. يتوقع ان يكون لقاء ذي اهمية كبيرة في رسم ملامح المشهد الدولي. سيتم فيه مناقشة الاقتراح الروسي بتشكيل تحالف دولي برعاية امية لمحاربة داعش.

دائما الخطوة الروسية في العلاقات الدولية تسعى الى الاحتماء بمظلة الشرعية الدولية التي تنبع برأيها من موضوع الاتفاق برعاية الامم المتحدة. لذا تقول بان سعيها لتشكيل التحالف الدولي لمحاربة داعش ينبع من مصداقية الدعم الاممي، على عكس التحالف الاميركي المكون من 62 دولة الذي جاء بقرار فردي وليس برعاية وموافقة اممية. نقطة تحول ذكية تضع الأميركان ومصداقية نموذجهم لمحاربة داعش على المحك.

ترافق كل ذلك وفكرة تصاعد الاصوات النقدية من الداخل الاميركي. مثلا يقول احد المستشارين السابقين في البيت الابيض وينث تود "ان السياسة الروسية تجاه سوريا تسهم في اعادة اميركا عن طريقها الخاطئ. اذ إن انهيار الدولة السورية سيشكل فراغا يصب بشكل كارثي في مصلحة اردوغان الذي يسعى الى الهيمنة على سوريا بمساعدة بعض الدول العربية التي لا تملك رؤية استراتيجية بعيدة المدى. لذا فان كل القوى التي تخشى من تطرف هذه الاطراف بحاجة ماسة الى قوة رئيسية مثل روسيا لتساهم في حل الموضوع خاصة وانها قوة قادرة على مقاومة الضغط الدولي وايضا مستعدة لعمل ما هو ضروري لاعادة احياء الاستقرار في سوريا".

في هذه اللعبة لن يكون من السهل على روسيا ان تنخرط مع الولايات المتحدة في حلف مشترك لمحاربة الارهاب بدون حصول مقايضات متعددة الجوانب. رغم ذلك لا يوجد شيء مستحيل في عالم السياسة خصوصا حين نتحدث عن قوى لديها معرفة واسعة بالاثار الواسعة التي تترتب على استمرار الفوضى وتوسع نطاقها.

لذا يحق للمرء ان يشير الى ان روسيا، في ظل اعادة انبعاثها في شؤون الشرق الاوسط عبر البوابة السورية، قد نجحت في تبديد حلم المنطقة العازلة بجغرافيتها الواسعة. كما يؤمل لها ان تنجح، في حال التوصل الى توافق اممي حول موضوع الحلف الدولي الذي تتحدث عنه لمحاربة داعش، في سحب البساط من تحت اقدام القوى المؤثرة في تشكيل منظومة الدعم لادامة زخم التطرف في المنطقة بالطريقة التي تجعل من تركيا الخاسر الاكبر من التقارب الروسي – الاميركي. ناهيك عن اجبار الجميع على ان يلتقوا في مساحة واحدة من المخاوف وايضا المصالح التي يمكن ان تفضي مستقبلا الى مقاربات وتسويات مقبولة يمكن لها ان تسهم في تطبيق استراتيجية تجميد الصراع في سوريا والعراق. بغير ذلك فاننا نمضي بسرعة جنونية الى الهاوية.