الانبار هزمت المالكي مرتين لحد الآن، مرة بالعيساوي ومرة بـ'بغداد صبرا'

نجح وزير المالية المستقيل رافع العيساوي في توجيه سلسلة لكمات وصفعات وأشياء أخر الى رئيس الحكومة نوري المالكي خلال فترة لم تتجاوز الشهرين، ترنح فيهما الاخير وأغمي عليه مرات ومرات - كما ينقل عن أحباء له – يمسكون قلوبهم خوفا عليه وعلى "الهريسة الطويرجاوية" التي تفنن على امتداد سبع سنوات في كيفية تحضيرها وتقديمها للطفيليين وذباب الموائد واصحاب "الكار" القبيح. ويقال ايضا والعهدة على الرواة، انه سقط مغشيا عليه في الاول من آذار الحالي، عند سماعه العيساوي وهو وسط اهله وعشيرته وشعبه في الرمادي الباسلة يعلن استقالته من منصبه الوزاري ويخاطب الالاف المحتشدة: انه لا يشرفه ان يبقى وزيرا في حكومة يرأسها فاشل وخائب وطائفي.

ولان المالكي كائن من فصيلة آكلي لحوم البشر، وليست له علاقة بالقيم الانسانية ومشاعر الناس، ولا يفهم في الاصول والاعراف والتقاليد، فانه لم يستطع هضم استقالة العيساوي في الانبار وليس في المحمية الخضراء ببغداد، فقد اعلن انه لن يقبل الاستقالة الا بعد ان تنتهي التحقيقات معه بشأن مخالفات ادارية ومالية، وكأن هذه المخالفات المزعومة ظهرت لعبقري زمانه الان فقط وعقب الاستقالة، في حين لو كان "ابن طويريج" يحترم نفسه ومركزه ووظيفته لكان قد اثارها قبل شهر او سنة خصوصا وان رافع يتولى وزارة المالية منذ حوالي ثلاث سنوات، ولكن يبدو ان عمى الطائفية لم يؤثر على منهج المالكي السياسي فقط وانما زحف على عقله ومزاجه وبصره وسمعه، فلم يعد يطيق اسم الانبار وأهل الانبار ومتظاهري الانبار وكل شيء انباري.

لقد بلغ الحقد في نفس المالكي الامارة بالسوء دائما، على الانبار والانباريين في كل مكان منذ انطلاق التظاهرات المباركة فيها قبل سبعين يوما، الى درجة انه لم يعد يهدأ لحظة واحدة وربما لا ينام الا بالمهدئات او تعاطي "الترياق" الايراني الذي تعود عليه خلال سنوات اقامته في طهران وقم لعشر سنوات متصلة، وبلغت هواجسه من أهل الانبار انه اوفد ثلاثة من مساعديه، فالح الفياض مستشار الامن الوطني وسامي العسكري ومجيد ياسين والاخير اسمه الحقيقي آغا ادريسي الى واشنطن، ليحثوا اللوبي الصهيوني في اميركا على المساعدة لضرب الانبار، وتخويف اسرائيل بالخطر السني الذي يمثله اهل الانبار واخوانهم اهل الشام على مستقبل الدولة العبرية، خصوصا وان حزب الدعوة الشيعي الصفوي بدأ بترويج شائعات تقول ان سقوط بشار في سوريا، يعني مجيء نظام سني لا شك فيه سيشكل حافزا وعمقا إستراتيجيا للسنة العرب في العراق، ويعني ايضا ان سلطتي الاقليتين الشيعيتين، النصيرية في دمشق والصفوية في بغداد، ستلفظان انفاسهما تحت اقدام الثوار الذين يعتقد المالكي انهم لن يتوقفوا عند حدود العراق وانما ستكون ايران هدفهم الاخر، لذلك ارسل مساعده في وزارة الداخلية عدنان الاسدي وهذا عمله الاصلي مصور شعاعي في مستشفى الدغارة بالديوانية، على عجل الى طهران، ليصور الحالة المفزعة التي تنتظر شيعة السلطة في بغداد ودولة خامنئي في طهران.

ولعل ما دار في الاجتماع السري الذي عقده المالكي مع سبعة سياسيين شيعة في العشرين من الشهر الماضي ويتم تداول ما دار فيه في الاوساط السياسية والنيابية، دليل مضاف يؤكد حجم الرعب الذي يعيشه رئيس الوزراء والقائد العام العام للقوات المسلحة ووزير ثلاث وزارات (الدفاع والداخلية والامن الوطني) والمشرف على اثني عشر جهازا امنيا ومخابراتيا من الحراك الشعبي الذي يقوده السنة العرب في العديد من مناطق واحياء العاصمة بغداد وخمس محافظات عربية، الانبار والموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى. ورغم ان اوساط حزب الدعوة تتهم احمد الجلبي رئيس المؤتمر الوطني الذي حضر الاجتماع بتسريب ما دار فيه، لان الاخير اشتبك مع المالكي في مشادة كلامية لاسباب شخصية قديمة، الا ان اتباع المالكي لم يتمكنوا عن نفي او تبديد ما تضمنه الاجتماع من مناقشات وعرض وقائع وتقييم احداث. فحديث المالكي في الاجتماع كان يستعطف الحاضرين ويحذرهم من خطر السنة العرب القادم من الانبار والموصل وتكريت وسامراء والحويجة وكركوك وبعقوبة والمقدادية وبهرز وبني سعد في محافظة ديالى، ومما قاله: ان لديه معلومات مؤكدة وليس اجتهادات او استنتاجات بان السنة العرب يتهيأون لتنفيذ انقلاب شعبي وعسكري في بغداد، في اليوم نفسه الذي يعلن السنة "الشوام" اسقاط بشار في دمشق، حتى يعّيد (من العيد) العالم السني بعيدين، وقد بهت الحاضرون المستمعون له، عندما ردد المالكي امامهم مقطعا من اغنية مشهورة للفنان كاظم الساهر بهذا المعنى يقول: لو إنته وياي الليلة نعيّد عيدين، الامر الذي دفع باقر صولاغ وكان حاضرا الاجتماع الى مداعبة رئيس الحكومة رغم قتامة الاجواء وتوتر النقاش بالقول: عفية ابو إسراء حافظ اغاني كاظم الساهر، دير بالك هذا كاظم تره سني ومن البو دراج بسامراء.

واستطرد المالكي في حديثه التحذيري المستقى من معلومات مؤكدة وليس اجتهادات او استنتاجات – كررها مرة ثانية – ان حركة المتظاهرين في الانبار بالتوجه الى العاصمة بغداد في جمعة "بغداد صبرا" التي صادفت الخامس عشر من شباط الماضي، لم تكن بقصد اقامة صلاة موحدة في جامع ابي حنيفة النعمان بالاعظمية كما ادعى المتظاهرون، وانما كانوا ينوون عمل "بروفة" أي تجربة، في كيفية الاندفاع نحو بغداد واي الطرق اسهل واقصر وكيف يثيرون السنة ببغداد، وكيف يهاجمون المنطقة الخضراء. لذلك كان لا بد من اتخاذ اجراءات سريعة لمنع قدوم اهل الانبار وسامراء الى بغداد، واضطررت – والحديث للمالكي - الى استقدام قوات "من ربعنا" يقصد قوات شيعية من الناصرية والعمارة على وجه السرعة ونشرتها في الاعظمية والاحياء السنية بالكرخ خصوصا.

ووصف المالكي المتظاهرين في الانبار بانهم اشبه بـ"دنبلة" (دملة) تكبر يوما بعد يوم وانه يطلب من الحاضرين باسم المذهب ومصلحة ومستقبل الشيعة، المشورة والنصيحة في موضوع هذه الدنبلة، هل يتركها الى ان يفجرها أصحابها في التوقيت الذي يناسبهم، ام انه يبادر هو ويفجرها في الوقت الذي يختاره؟

وعقب احمد الجلبي – المتهم بتسريب ما دار في الاجتماع – قائلا: اسمح لي أخي ابو اسراء ان اقول ان المعلومات التي تحدثت بها عن محاولة انقلاب سني في بغداد مبالغ بها، نعم هناك احتقان سني وتوتر في المناطق والمحافظات السنية العربية، ولكن حسب معلوماتي ان هذا الاحتقان والتوتر لم يصلا الى مرحلة الانقلاب، لذا فان المنطق السياسي يقول: عندما تثور أزمة عليك فانت مطالب بالتعاطي معها بهدوء وابداء تنازلات حتى يخف تأثيرها ويخفت ايقاعها وينتهي زخمها. واضاف الجلبي انه لاحظ ان المحيطين بدولة رئيس الوزراء وقياديي حزب الدعوة لم يكونوا بمستوى المسؤولية في تعاملهم مع التظاهرات الشعبية والاعتصامات المدنية التي تشهدها مناطق بغداد والمحافظات السنية، وانا اول من حذر – والكلام للجلبي - قبل عامين او اكثر من مغبة تصاعد وتيرة الاحساس بالظلم والتهميش لدى اهل السنة وقلت في حينه وانا على رأس هيئة اجتثاث البعث يجب ان نتخذ قرارات مؤلمة ونعطي تقاعدا لكل المشمولين بالاجتثاث بما فيهم المحكومون والمعتقلون والسجناء ونخلي بيوتهم ممن شغلوها ونعيدها الى اسرهم وعوائلهم واقاربهم، وقلت ايضا ان استثناء ضباط كبار وقادة عسكريين سابقين من الاجتثاث واعادة تعيينهم من جديد بمراتب ومهام خطيرة لانهم شيعة، بينما نقوم باجتثاث جندي او شرطي لانه سني او تكريتي او موصلي، يعني اننا مقبلون على كارثة يجب التحسب منها، لانها تقود الى اشعال النفوس وتحفيزها للقيام باي عمل مهما كان خطرا، وتصوروا ان جنديا سنيا تم اجتثاثه لانه نصير في حزب البعث وشاهد آمره او قائده السابق الشيعي البعثي بدرجة قيادة فرقة او شعبة، وهو اليوم قائد عمليات عسكرية او معاون رئيس اركان الجيش او مستشار في مكتب القائد العام للقوات المسلحة ماذا يكون موقفه وما تنتظرون منه؟ ومع الاسف فان الاخوان في حزب الدعوة بدلا من مناقشتي وتقييم تحذيراتي شنوا على هجوما ضاريا يومها واتهموني بانني اسعى الى وزارة الداخلية، وهنا قاطعه المالكي قائلا: من تحدث بهذا الشكل كان يعبر عن رأيه الشخصي وليس عن موقف الحزب إزاءك.

وعاد الجلبي الى الحديث – حسب التسريبات – وقال ولكن اسمح لي اخي "ابو اسراء" ان اقول بصراحة ان حزبكم (الدعوة) يقلد حزب البعث في الانفراد بالسلطة والحكم وانه ينظر الينا كشيعة من درجة ثانية ولا يحسب لنا حسابا ولا يشركنا في صنع القرارات ونحن جميعا اعضاء في التحالف الوطني وقمة المهازل اننا نسمع بالبيانات والمواقف السياسية التي تصدر عن التحالف من وسائل الاعلام، لقد حولتمونا الى شهود زور على طريقة المرحوم الشيخ محمد العريبي صاحب مقولة "موافج" أي موافق، وبالتالي دولتكم دعتمونا الى هذا الاجتماع في الربع الساعة الاخير كما جاء في حديثكم، وانا شخصيا لا استطيع معاونتكم وهذا لا يعني انني اتخلى عن شيعتنا ولكن هناك وسائل اخرى لخدمتهم!

ومرة اخرى عاد المالكي الى توجيه الحديث الى الانبار وانتفاضة الانبار وقال: ان الاخوان العسكريين يقولون ان "المقتل" الذي سيداهمنا في بغداد قادم من الانبار لا محالة، اريد ان اسألكم لانني اعتقد اننا ما زلنا في مركب واحد وما يصيبنا يصيبكم، هل نستخدم القوة المسلحة في الانبار الان ام ننتظر الى ان يبادر اهلها والمتظاهرون فيها الى مهاجمتنا؟

وتحدث اثنان اولهما هادي العامري وزير النقل ورئيس منظمة بدر، والثاني باقر صولاغ وزير الداخلية الاسبق والقيادي في المجلس الاعلى، الاول لانه سطحي التفكير وميليشاوي النزعة فقد دعا المالكي الى حشد القوات العسكرية والامنية والمليشيات الشيعية والهجوم على الانبار اليوم وليس غدا، اما صولاغ وكأنه يرد على العامري فقد قال: اذا نشبت الحرب مع اهل الانبار فانها ستطول ويقع ضحايا بالالاف ولكنها ستحسم في بغداد، هذه هي الحقيقة المرة.

وانتهى الاجتماع الذي حضره اضافة الى الجلبي والعامري وصولاغ كل من ابراهيم الجعفري الذي ظل صامتا طيلة الاجتماع على خلاف عادته التي لا يترك مثل هذه المناسبات الا وقال اشياء بعضها غامض وبعض آخر غير مفهوم، وحسن الشمري وزير العدل ممثلا عن حزب الفضيلة وخالد العطية رئيس كتلة ائتلاف دولة القانون في مجلس النواب وعبدالحليم الزهيري المستشار السياسي لرئيس الحكومة، بتناول العشاء دون التوصل الى قرار جماعي، علما بان الجلبي وصولاغ غادرا منزل المالكي سوية قبل تناوله.

وما زال نوري المالكي يعدد اياما ويقبض اوهاما، ويمني نفسه بالهجوم على الانبار ولكنه يخاف نتائجه غير المحسوبة، ثم ان من يهاجم الانبار يجب ان يكون شجاعا مثل الانباريين وقادرا على منازلتهم ندا بند، وهذا ليس في صالح المالكي الذي لم يكن شجاعا في يوم من الايام وانما كان دائما مراوغا وهذه سمة اغلب او جميع اعضاء وقيادات حزب الدعوة العميل.