الامير طلال بن عبدالعزيز: واقعنا يدعو للرثاء

القاهرة - من إيهاب سلطان
لا نرى بأسا في تطوير مبدأ الشورى

استضافت نقابة الصحفيين المصريين في بداية الأسبوع الثاني من شهر رمضان الكريم الأمير طلال عبد العزيز آل سعود رئيس المجلس العربي للطفولة والتنمية ورئيس مركز بحوث المرأة والجامعة العربية المفتوحة ليتحدث إلى جموع الصحفيين والمثقفين المصريين والعرب في ندوة مفتوحة بعنوان"مبادئ الديموقراطية في الإسلام وعلاقتها بالواقع العربي".
وأبدى الأمير طلال سعادته بهذا اللقاء الذي تم في ليلة من ليالي الشهر الكريم ذلك الشهر الفارق بين الحق والباطل وفيه خرج الناس من الظلمات إلى النور.
وقال "أن القضية التي اختيرت للحديث فيها في تلك الندوة تعد واحدة من أهم القضايا التي تواجه أمتنا في الفترة الراهنة ولا أبالغ إذ قلت أن قضية الديموقراطية تمثل التحدي الأساسي في طريق نهضتنا العربية. وتساءلت بيني وبين نفسي كثيرا سؤال جوهري يجب أن نجيب عليه جميعا إذا أردنا لهذه الأمة أن تنهض من عثرتها وتلحق بركب الحضارة والمدينة، ولا سيما تتابعت علينا الاتهامات بأننا لا نملك فكرا يتبنى الديموقراطية ولا دينا يستوعبها كنظام سياسي."
وأضاف "إن واقع الحال يدعو للرثاء فإن إصرار البعض منا على الدفاع عن هذا الواقع اليائس وتبريره أكثر إشارة إلى الحزن والغم، وإن ما يؤسف له أن قطاعا عريضا من السياسيين والمثقفين مازالت تنظر إلى الديموقراطية كنظام سياسي ومازال هناك من يربط بيننا وبين الغرب مدعيا أن مبادئ الديموقراطية غريبة عن تراثنا وديننا وأنها لا تتفق مع الإسلام بل هي مجرد خروج عليه وتعدي على شرائعه. وليس خافيا أن من يتبنون هذا المنهاج المعوج ويروجون لهذا المنطلق الملتوي إنما يفعلون ذلك دفاعا عن واقع يكرسه استمرار الاستبداد الذي هو أصل كل ما تعانيه هذه الأمة من أمراض وسبب مباشر من كثرة الكوارث والنكبات."
وقال الأمير طلال "أنه لن يكرر كلمه قالها الشيخ محمد عبده رحمه الله «بأن الإسلام نظيف والقرآن أيضا نظيف وإنما الذين لوثوه هم المسلمون بأعمالهم» ولن أكرر أيضا أن ليس في الإسلام ما يعادي الديموقراطية بل على العكس لا أعرف دينا كالإسلام في تبنيه لمبادئ الحرية ودفاعه عن الديموقراطية وعدائه للطغاة الجبارين."
ويتساءل الأمير طلال قائلا "أليس جوهر الديموقراطية بعيدا عن التعريف والمصطلحات الأكاديمية في أن يختار الناس من يحكمهم ويتولى أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكما يكرهونه أو نظاما يبغضونه … و أليس جوهريا أن يكون للناس حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ وحق عزله وتغييره إذا انحرف وألا يساقون رغم أنفهم إلى اتجاهات و مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها ـــ فإذا عارضها بعضهم كان جزاؤه التشريد والتقتيل ـــ ولكن إذا اتفقنا على أن هذا هو جوهر الديموقراطية الحقيقية وأن البشرية قد وجدت صيغا وأساليب عملية مثل الانتخابات وحق الأقلية في المعارضة وحرية الصحافة واستقلال القضاء. فإذا اتفقنا على كل هذا فكيف يخرج من بيننا من يقول بأن الديموقراطية في جوهرها الذي ذكرناه تنافي الإسلام ؟! ومن أين يأتي بهذه المنافاة وأي دليل من محكمات الكتاب والسنة النبوية يؤيدان هذا الزعم."
وأكد الأمير طلال "أنني ما رأيت غير القرآن الكريم كتابا في ذمه للطغاة بل وللشعوب التي تسير في ركاب الجبارين المفسدين في الأرض ولكنهم يتمادوا في البغي والاستكبار."
وأوضح "أن الدولة التي ينادي بها الإسلام لا تقوم على التسلط والاحتكار بل أساسها العدالة والعلم والحكمة ورضاء الناس بالحاكم أو الخليفة أو رئيس الدولة، وهو في حكم الإسلام هو أحد الناس يصيب ويخطئ ويحسن ويسيء وعلى المسلمين أن يعينوه ما أصاب وأن يقوموه إذا أخطأ ولا ننسى مقولة الخليفة عمر لولي مصر عمرو بن العاص «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.» وأنا أقول كل هذا لكي أقر حقيقة لا يجادل فيها إلا من في نفوسهم مرض أو غرض لأن مبادئ الديموقراطية عميقة الجذور في التعاليم الإسلامية والتراث الإسلامي ولقد انحرف المسلمون عن هذه المبادئ التي تضع على الحاكم قيودا وتجعله مسئولا أمام الناس. ومن هنا فتحولت الخلافة إلى حكم مطلق حيث لا مجال لمشاركة الناس في اختيار حكامهم ولا مساحة لمحاسبتهم وتقويمهم."
وفرق الأمير طلال بين الاستشارة والشورى فالأولى تعني أن يستشير الحاكم من يرى أهليته لذلك وهنا له أن يأخذ برأيه الاستشاري أو يرفضه أما الشورى فهي مبدأ إسلامي أمر الله به في القرآن الكريم (وشاورهم في الأمر) ومن هنا تعني أخذ رأي مجموعة من الصفوة من أهل اعلم والرأي والاختصاص وما ينتهي إليه الأغلبية يكون ملزما ولا ينبغي الخروج عليه.
وأكد الأمير طلال "أننا نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى أن نركز على الجوانب المضيئة في تراثنا لتكون ملهمة لنا في الانطلاق نحو المستقبل. والشورى كما وضعها الإسلام فهي أقرب ما تكون إلى روح الديموقراطية المعاصرة التي تترجم هذه الفكرة الإسلامية الأصلية في شكل مؤسسات وعمليات وقوانين وإجراءات، ولا نرى بأسا في تطوير مبدأ الشورى وصبغة بصبغة معاصرة بحيث يترجم إلى واقع سياسي فعال. ولا نبالغ إذا قلنا أن تطوير الشورى وتحويلها إلى إطار مؤسسي عملي هو فرض عين على فقهاء الأمة ومثقفيها وحكامها ومحكوميها."
وأشار الأمير طلال إلى ما تعرف به الأمة العربية حاليا بين أمم العالم بتفشي نظم الشمولية بأشكالها المختلفة ودرجاتها المتفاوتة ولا يحتاج المرء إلى مجهود كبير لكي يدرك أن الاستبداد السياسي قد قاد إلى نكبات ومهالك جعلتها في أخر الأمر نهبا للطامعين ومغنما للمتربصين.
ولا يبدو أن النظم العربية قد وعت الدرس أو استفادت من التجربة مما يسترعي الانتباه في الفترة الأخيرة سعي هذه النظم بدرجات متفاوتة إلى فرض مزيد من القيود على الحريات العامة وهم في ذلك يتخذون من أجواء محاربة الإرهاب عذرا أو يضربون المثل بالديموقراطية الغربية التي صارت تفرض قيودا غير مسبوقة على الحريات بعد أحداث 11 سبتمبر.
وأكد الأمير طلال أن نظمنا العربية قد تناست أو تتناسى عن عمد أن الإصلاح السياسي لم يعد ترفا وأن الأعذار التي تتذرع بها لتأجيله إلى ما شاء الله لم تعد تجدي في ظل ظرف تاريخي بالغ الخطورة والذي فرض على أمتنا بل وجودنا ذاته وعلى الرغم من إصلاحات تتخذها بعض النظم بين الحين والآخر فإن ما تحقق أبعد ما يكون عن المأمول فأفضل النظم العربية من حيث الحريات والديموقراطية تظل بعيدة عن مستوى طموحاتنا وتوقعاتنا خصوصا وأن دولا أقل بكثير في المستوى الاقتصادي والتطور الاجتماعي قد سبقت المنطقة العربية في مجال التحول الديموقراطي ومن بينها دول في أفريقيا جنوب الصحراء.
وأضاف الأمير طلال "أن النظم الحاكمة تتغافل عن أن منهج الحريات البطيئة الذي يرجونه يفرغ الإصلاح من محتواه ويجعله دون تغيير يذكر خصوصا في ظل تنامي فجوة الثقة بين النظم والمواطنين وهي فجوة تجعل الناس ترتاب في نيات الحكام وتشكك في عزمهم على إجراء إصلاح حقيقي. وهناك فرق كبير بين التدرج في الإصلاح وفق برنامج زمني محدود وجاد وبين البطء الشديد المقصود به تجنب هذا الإصلاح."
كما أكد الأمير طلال أن المعارضة على اختلاف حالها من قطر إلى قطر فمازالت غير قادرة على بلورة بديل عملي وقابل للتطبيق ويجد صدى لدى الناس ومازالت تعاني كذلك من أزمات ذاتية وانقسامات في صفوفها تعوقها عن أداء مهمتها ولعل أبرز سمات هذا الضعف أنها لا تمارس الديمقراطية في تنظيماتها ولا تطبقها فيما تصدره من توصيات أو قرارات.
وتحدث الأمير طلال على المجتمع المدني قائلا "أن المجتمع وهو من أهم الروافد الرئيسية للديموقراطية ولكنه يعاني أيضا من ضعف في بنائه وأدائه بسبب القيود المفروضة على تنظيماته وهيئاته من ناحية وهشاشة مفهوم العمل التطوعي الذي يقوم عليه هذا المجتمع من ناحية أخرى.
وناهيكم عن مشاكل التمويل والمحاذير الرسمية التي تعوقه والأغلال التي تكبله وقد آن أوان تفعيل هذا المجتمع المدني على اختلاف أشكاله ومستوياته وتطوره من بلد إلى آخر وتدعيم التنسيق والتعاون بين هيئاته في أكبر عدد من بلادنا العربية والإسلامية لتبادل الخبرات ونقل التجارب الناجحة حتى يشتد عوده ويقوى بنيانه ويعلو صوته ويسمع رأيه ولذلك أتوجه للمسئولين في كل بلادنا أن المجتمع المدني يكمل دوركم ويرفع عنكم أعباء متزايدة فأفسحوا له المجال لينطلق دون خوف لأنه ليس منافسا لكم بل مكملا لدوركم."
واختتم الأمير طلال حديثه "أن الخطوة الأولى باتجاه الإصلاح تقتضي من الحكام إثبات صدق نواياهم بالفعل لا بالقول وذلك في السير على طريق الديموقراطية والحرية كما تقتضي من المعارضة أن توحد صفوفها وتترفع عن الخلافات الصغيرة وأن تتبنى أجنده تضع الديموقراطية على رأس أولوياتها كمطلب شعبي يلتف حوله الجميع. لأن بغير هذا فإن أمتنا ستظل أسيرة لنظم لا تحترم حقوق مواطنيها ولا توفر لهم أي طريق للمشاركة السياسية مما يقودها في النهاية إلى مزيد من التخبط والغليان الداخلي والانكشاف أمام الأخطار الخارجية."
وأنهى الأمير طلال حديثه عن مبادئ الديموقراطية في الإسلام وعلاقتها بالواقع العربي لتبدأ بعض المداخلات من الحضور وقد رصدنا منها مداخلة الكاتب صلاح عيسى التي تسائل فيها عن مدى تأثير احتلال العراق وتدخل قوى الاحتلال في شون دول الجوار وأيضا مداخلة الأديب الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي التي أشار فيها إلى الفكر العلماني وهل يصبح بديل لتحقيق الديموقراطية في العالم العربي إذ أكد الأمير طلال ردا على مداخلة الأول أن الوضع في العراق فرض على أمتنا تعديات غير مسبوقة وأن الأمة العربية بذلت أقصى ما يمكن فعله ولكن الإصلاح السياسي هو أهم شيء الآن. وان العنف الآن هو في عدم ممارسة الديموقراطية في كل جوانبها فما حدث هو السبب الرئيسي في عدم وجودها والمسئولية الآن تقع على الكل ولابد من تحركات في كل المجتمعات ويجب أن تتجلى الديموقراطية الغائبة في المجتمع العربي في أبسط صورها.
وأشار الأمير طلال أن بالفعل هناك بعض الدول العربية التي تمارس الديموقراطية ولكن المطلوب هو تطبيقها بحذافيرها دون أي قيود مطلقا لأنها (أي الديموقراطية) أصبحت هامشية.
وردا على الثاني قال سمو الأمير طلال "لا ديموقراطية بدون مساواة وهذا واضح في الإسلام وبدون حرية ومساواة فلن يكن هناك ديموقراطية والإسلام أقر قيما وحقوقا تقوم عليها الديموقراطية وبالتالي أرفض العلمانية لأنها كلمة غير صحيحة وغير ملائمة."
وعن مداخلة بأن إسرائيل تخدم الأغراض الأمريكية في المنطقة قال الأمير طلال "إن إسرائيل تخدم الأغراض الأمريكية وإذا وجدوا أن أمريكا تمضي من نافذة فهي تذهب معهم ولا غريب أن تذهب معهم إلى العراق. ولابد من وجود الديموقراطية في كل الدول العربية وفي كل الاتجاهات مهما كان ثمنها فلسنا ضدها ولسنا ضد أمريكا ولا إسرائيل ولكن ضد العنف والإرهاب وكل الطرق المؤدية إليها ولا يوجد في الدين الإسلامي ما يحرض على الإرهاب ويعطي المصداقية للإرهابيين. وإذا كانت الديموقراطية بهذا الشكل الفوضوي فلا داعي لها على الإطلاق وهذا النوع من تلك الديموقراطية مرفوض تماما وعلى البشرية أن تتولى الديموقراطية والدعوة إليها من خلال الحوار والنقاش البناء في المنطقة."