الاقلام الحكومية المصرية تُرفع في وجهة المطالبة بالديمقراطية



القاهرة ـ من ايهاب سلطان
الشرطة تسن أسلحتها لجلد النشطاء في الانتخابات

تصاعدت حدة الحرب الإعلامية بين مصر والولايات المتحدة، حيث انتقدت الخارجية الأميركية إصرار النظام المصري على إجراء الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر ـ تشرين الثاني بدون رقابة خارجية، خوفا من صعود معارضيه لسدة الحكم.

وقال فيليب كراولي المتحدث باسم الخارجية الأميركية "سمعنا رد فعل القاهرة بشأن مطالبات واشنطن بوجود مراقبين دوليين في الانتخابات، لكن موقفنا لن يتغير".

وأضاف أن "واشنطن أوضحت موقفها حول ما يجب أن يحدث داخل مصر، بالنسبة لنا لإعطاء مصداقية، وثقة في نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة".

وتابع "طالبنا بوجود مراقبة محلية قوية للانتخابات"، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية عملت خلال السنوات الماضية على بناء قدرة المجتمع المدني على مراقبة الانتخابات، مستطرداً "نعتقد أن مصر ستضع نفسها في موقف أقوى من خلال قبولها المعايير الدولية، بما في ذلك ضمان وجود مراقبة دولية للانتخابات".

ودافع مجموعة من الصحفيين، خاصة العاملين في المؤسسات الصحفية القومية التي تمولها الدولة للدفاع عن سياسة الحكومة المصرية، وانتقاد واشنطن إلى حد وصف طلباتها بالتطفل السياسي، في حين التزم زملائهم في الصحف المعارضة والمستقلة بالصمت خوفا من البطش الحكومي.

ويرى أحد الصحفيين العاملين في الصحف القومية "أن هناك تعليمات مشددة بمتابعة كل ما ينشر في الصحف الأميركية، والرد عليها، وتصعيد الحرب الإعلامية ضد واشنطن لإصرارها على التدخل في الشأن الداخلي للدولة.

وأضاف أن رؤساء الصحف يستوعبون الرسالة جيدأ، فمخالفة التعليمات تعني الاستغناء عن خدماتهم في أقرب وقت ممكن، كما أنهم جيدون في فهم وترجمة الرسالة الحكومية.

وأشار إلى أن السمة الرئيسية للصحف القومية كانت التركيز على تصريحات صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني ورئيس مجلس الشورى والمجلس الأعلى للصحافة "المالك للصحف القومية"، والتي وصف فيها الرقابة الدولية على الانتخابات بأنها "تطفل سياسي"، وأضاف "أن من يتدخلون في شؤوننا الداخلية عليهم مراجعة إهدارهم حقوق الإنسان في دول الغزو والاحتلال".

وبادر بعض الصحفيين في مقالاتهم بانتقاد واشنطن وإرضاء الحكومة المصرية والدوران في فلك صفوت الشريف لإرضائه، خاصة وأنه المسؤول عن تعيناتهم وترقياتهم دون أن يلقوا اللوم على الحكومة التي تصر على تكريس التزييف في الانتخابات وترفض الرقابة الدولية عليها.

وكثفت صحيفة "روز اليوسف" انتقاداتها للإدارة الأميركية، حيث كتب كرم جبر رئيس مجلس إدارتها "أن مصر ترفض هذه الرقابة بكل صورها وأشكالها، وهذا حقها كدولة ذات سيادة، ولا يمكن أن تفرض عليها أوامر من الخارج، لا الولايات المتحدة ولا غيرها من الدول".

وأضاف "ان هؤلاء ضيوف غير مرغوب فيهم، وهذا البلد الكريم المضياف لا يستقبل اللئام، ولا يحسن كرمهم، ويدير وجهه وظهره لهم، لأنه يعلم جيدا خبث نواياهم".

وقال جبر "الضيف المشبوه لن يجد من المصريين سوى المقاطعة والعزوف، حتى لو استقبلهم بعض أعضاء "لوبي التفريط السياسي"، فسوف تطارد هؤلاء وأولئك اللعنات".

وتحت عنوان "مصر لن تركع" انتقد رئيس تحرير الصحيفة عبد الله كمال الموقف الأميركي من الانتخابات البرلمانية المصرية، متهما واشنطن بعدم القدرة على "تقييم الأمور وتمييز الأبيض من الأسود في التعامل مع الأصدقاء، وتقدير الشعوب صاحبة التاريخ والكرامة".

وسخر كمال من فشل الإدارات الأميركية المتعاقبة في التعامل بكفاءة مع عدد من الملفات الإقليمية مثل العراق ولبنان وأفغانستان والملف النووي الإيراني، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وتساءل "ماذا سيفعل هؤلاء إذا حضروا إلى مصر، وكيف يراقبون 222 لجنة عامة وأكثر من 4 آلاف لجنة فرعية، وهل سيأتون بقوات الاحتلال الرقابي؟"، مضيفا "أن الرقابة الدولية لها أجندة خارجية، لأنها لا تستهدف صالح الدول ولا الشعوب، ولكنهم يأتون بتوجهات مسبقة، ويسعون إلى تأكيدها وإثباتها، حتى لو تحققوا من عكسها".

وبدوره كتب رئيس تحرير صحيفة "المساء" خالد إمام ان "من كان بيته من زجاج فلا يقذف الناس بالطوب".

وأضاف "بالرغم من أن عيوبهم كثيرة، وسقطاتهم أكثر، ومخازيهم أفدح وكوارثهم أشنع وجرائمهم أبشع .. رغم كل هذا ينتقدون الناس ويتهمونهم بنفس الاتهامات الموجهة إليهم".

وتابع أمام "كم نبهناهم وحذرناهم من أننا دولة مستقلة ذات سيادة ولا يجوز أبدا أن يتدخلوا في شئوننا الداخلية لكنهم للأسف كانوا يتجاهلون التنبيه والتحذير معتقدين 'وهما' بأنهم أوصياء على الكرة الأرضية".

وكتب رئيس تحرير صحيفة "المسائية" حسن الرشيدي ان "مصر لا تقبل 'وصيا'على قراراتها، وأن واشنطن تحولت إلى وصي ولا تحترم الشأن الداخلي المصري.

وعلى الجانب الآخر، واصلت الصحف الأميركية هجومها على مصر، وقالت إن الانتخابات البرلمانية ستكون "بروفة" لانتخابات رئاسة الجمهورية، مشيرة إلى أن ما يجرى في القاهرة حاليا يوحي بأن "مصر تعود للوراء"، وطالبت أوباما بمزيد من التدخل للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر، متوقعة ألا تكون الانتخابات المقبلة حرة ونزيهة كما وعد مبارك.

وقال وحيد عبدالمجيد، الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية "إن الانتقادات الأميركية في انتخابات 2005 كانت أكثر حدة، وكانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، تقدم انتقادات مستمرة وليس مجرد مطالب، وتتدخل في الشأن الداخلي المصري بصورة أكبر، في الوقت الذي كانت فيه مصر تحاول الالتفاف حول الموقف الأميركي، ولم تواجهه أبدا، ولم نسمع ردا مصريا قويا، حتى عندما جاءت وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس وألقت محاضرة في الجامعة الأميركية بالقاهرة عن الديمقراطية، لم يقل أحد إن ذلك 'تطفل سياسى'".

وأضاف "موقف الإدارة الأميركية هذه المرة حذر وسطحي جدا، ويقتصر على مطالب فارغة، لكن رد الفعل المصري أكثر غضبا.. والنظام المصري يعلم جيدا أن التصريحات الأميركية للاستهلاك المحلي، لأن الإعلام والكونجرس يحاسبان الحكومة وينتقدان التخاذل في الدفاع عن الديمقراطية".

وقال السفير محمد شاكر، رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية "إن الشد والجذب أحد ملامح العلاقات المصرية ـ الأميركية، وهذه ليست المرة الأولى التي نسمع فيها انتقادات متبادلة بين الجانبين، ووصف الردود المصرية على النقد الأميركى بـ "ظاهرة صحية".

وتوقع عبدالمنعم المشاط، أستاذ العلوم السياسية، أن تشهد الفترة المقبلة تدهورا في العلاقات المصرية ـ الأميركية، وتصاعد الانتقادات والرفض المتبادل بين الجانبين.