الاقتصاد الصيني الاكثر نجاحا في العالم

لندن - من عبد الكريم حمودي
الصين حفرت موقعا فريدا لنفسها على خريطة الاقتصاد العالمي

نجح الاقتصاد الصيني عام 2001 في الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية عاشها الاقتصاد العالمي بسبب الركود الذي ضرب الاقتصاد الأميركي والأضرار التي نتجت عن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بأقل الخسائر، بل واستطاع الاقتصاد الصيني أن يحقق نمواً مرتفعاً في الناتج المحلي الإجمالي بلغ معدله نحو 7.33 في المائة وبقيمة قدرها 9.58 تريليون يوان أي (1.16 تريليون دولار) (الدولار =8.28 يوان)، وبذلك استطاعت الصين احتلال المرتبة السادسة في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الاجمالي.
وعلى الرغم من أن معدل النمو المتحقق خلال العام الماضي هو أقل من معدل النمو في عام 2000 بنحو 0.7 في المائة، إذ كان 8 في المائة في عام 2000، لكنه أعلى من المعدل الذي سجل في عام 1999 وهو 7.1 في المائة، كما أنه أعلى من المستوى الذي كانت تستهدفه الحكومة وهو 7 في المائة، علاوة على أنه من أعلى النسب إذا ما قورنت بغيرها من الاقتصاديات العالمية أو الاقتصاديات الآسيوية المجاورة. نجاح متوقع هذا النجاح الذي تحقق ليس جديداً على الاقتصاد الصيني الذي ينمو منذ أكثر من عشرين سنة بنسب قياسية بلغ معدلها السنوي نحو 9.8 في المائة، وخلال الفترة من 1978 وحتى علم 1997 ارتفعت التجارة الخارجية الصينية من المرتبة الثانية والثلاثين إلى المرتبة التاسعة بين دول العالم حيث زادت صادراتها 20 ضعفاً.
وقد بلغ حجم التجارة الخارجية الصينية العام الماضي نحو 510 مليارات دولار مرتفعاً من 474 مليار دولار عام 2000، وتعتبر الصين منذ بداية التسعينيات الوجهة الثانية في العالم للاستثمارات الدولية بعد الولايات المتحدة حيث ارتفع حجم استثمار رؤوس الأموال الأجنبية من 3.4 مليار دولار عام 1990 إلى 45.6 مليار دولار عام 1998.
كما تحتل الصين المرتبة الثانية من حيث احتياطي العملات الأجنبية في العالم بعد اليابان، حيث فاقت قيمة الاحتياطي لديها قيمة الديون الخارجية المترتبة عليها خلال العام الماضي.
ومن الأسباب الأخرى التي تقف وراء النجاح الاقتصادي في الصين وتحقيق معدلات نمو متزايدة، سياسة الانفتاح الواسعة على اقتصاديات السوق، والاستعانة بالتكنولوجيا الغربية المتطورة، ومواصلة الإصلاح الاقتصادي الذي بدأته الصين في عام 1978، وعملية فتح المناطق الصناعية، وإعطاء وتنشيط مؤسسات الدولة العامة وتصفية المتعثرة منها، والسماح بتدفق الاستثمارات الأجنبية.
لذلك وفي ظل استمرار هذه السياسات وتدعيمها يتوقع المراقبون أن يواصل الاقتصاد الصيني تقدمه ليصبح من الاقتصاديات الضخمة على الصعيد العالمي في وقت مبكر من هذا القرن خاصة وأن الصين تتمتع بأكبر سوق استهلاكي وأكبر عدد من السكان في العالم.

تأثيرات محدودة للركود العالمي النتائج الاقتصادية التي حققها الاقتصاد الصيني خلال العام الماضي، والتي سنعرض لها بشيء من التفصيل في سياق هذا التقرير، قللت من حالات القلق التي سادت الأوساط الاقتصادية الصينية لبعض الوقت باحتمال تعرض الاقتصاد الصيني خلال العام الجاري 2002 لتراجع حاد نتيجة انكماش الاقتصاد العالمي والأمريكي بشكل خاص.
وأكد العديد من المسؤولين أن الاقتصاد سيحتفظ هذا العام بقوة الدفع التي اكتسبها في الأعوام الماضية، وجاء في بيان اللجنة الوطنية لتخطيط التنمية في الصين الذي أصدرته في السادس عشر من كانون ثاني/يناير الجاري أن اقتصاد البلاد الذي حقق عام 2001 نمواً بلغ 7.33 في المائة مقارنة بالعام السابق سيحافظ على هذه النسبة في العام الجاري.
وقال "تسنغ بي يان" الوزير المسؤول عن لجنة الدولة للتخطيط والتنمية إن الجهود التي بذلتها الحكومة "لزيادة الطلب الداخلي" أدت إلى هذه النتيجة، وأعرب عن ثقته في أن تتمكن الصين من الحفاظ على نسبة النمو هذه عام 2002 رغم انكماش الاقتصاد العالمي.
وأوضح تسنغ أن هناك الكثير من الظروف المواتية للحفاظ على مستهدف النمو المحدد في الخطة الخمسية العاشرة للحكومة وهو 7 في المائة هذا العام.
وأشار إلى أن الأسس المادية والفنية للتنمية سليمة، كما أن السوق الضخم المحتمل، والموارد العمالية الثرية، ومعدلات الادخار المرتفعة نسبياً، ووفرة الاحتياطي الوطني من النقد الأجنبي، تمثل كلها عوامل مواتية لاستمرار النمو الاقتصادي بشكل جيد. اسباب النجاح الاقتصادي
على الرغم من أن نسبة النمو المرتفعة التي حققها الاقتصاد الصيني جاءت قريبة من توقعات الحكومة إلا أنها وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية في آسيا والعالم برمته فاجأت العديد من الخبراء والدوائر الاقتصادية الغربية، دفعت بهم إلى إجراء دراسات على الأساليب التي تتبعها الصين في إدارة اقتصادها لتحقيق هذه المعدل من النمو، والذي تقف خلفه مجموعة من النشاطات الاقتصادية والعوامل الذاتية نوجزها في النقاط التالية:
أ - اعتماد الاقتصاد الصيني بشكل رئيسي على الطلب المحلي وكبر السوق الاستهلاكية في الصين، حيث تعتبر من أكبر الأسواق في العالم، إذ تضم نحو 1300 مليون مستهلك. أي ما يعادل 20 في المائة من عدد سكان العالم، مع احتفاظ الدولة بقطاعات إنتاجية كبيرة تساهم بنحو ثلث الإنتاج القومي، وهو ما جعل الاقتصاد الصيني في منجاة نسبية من التباطؤ الاقتصادي العالمي وتراجع أداء الاقتصاد الأميركي، وهذا الاتجاه يبعث على التفاؤل ويزيد من ثقة المسؤولين لتحقيق المزيد من النجاح والتقدم في المستقبل.
ب - نمو الإنتاج الصناعي: حققت الشركات الصناعية في الصين في عام 2001 قيمة مضافة تبلغ في مجملها 2.695 تريليون يوان أي ما يوازي 324.7 مليار دولار على أساس نسبة نمو مئوي بلغت 9.9 في المائة، وفقا لما ذكره مكتب الإحصاء الوطني في 15 كانون الثاني/يناير الجاري.
جـ - تراجع محدود في فائض التجارة: جاء تراجع الصادرات الصينية إلى الأسواق الدولية بسبب أزمة الركود العالمي أفضل من المتوقع، إذ توقع محللون في كانون أول/ديسمبر الماضي أن لا يزيد الفائض خلال العام الماضي عن 20.5 مليار دولار وبنسبة قدرها 5 في المائة على الأقل، وأن ترتفع الواردات بنحو 8 في المائة. لكن البيانات النهائية أظهرت أن الفائض التجاري للصين سجل عام 2001 نحو 22.55 مليار دولار مقارنة بـ23.5 مليار دولار عام 2000 أي أن قيمة التراجع كانت أقل من مليار دولار.
د – المحافظة على عجز محدود في الموازنة العامة: شهدت الصين زيادة متسارعة نسبياً في الإيرادات المالية، فقد ازدادت بنسبة 22.2 في المائة في عام 2001 قياساً إلى عام 2000 بينما ازدادت النفقات بنسبة 18.6 في المائة فقط مع العلم أن العجز أقل من الرقم الموافق عليه من قبل الدورة الرابعة للمجلس الوطني التاسع لنواب الشعب الصيني وهو 259.8 مليار يوان.
هـ - ارتفاع احتياطي النقد من الأجنبي وزيادة الودائع: تقول مصادر صينية إن احتياطي البلاد من العملات الأجنبية سجل عام 2001 أعلى قيمة منذ خمس سنوات إذ بلغ في نهاية تشرين أول/أكتوبر نحو 203 مليار دولار، وذلك مقارنة مع 165.6 مليار دولار عام 2000 ونحو 1547 مليار دولار عام 1999، و144.5 مليار دولار عام 1998، و139.9 مليار دولار عام 1997.
كما ارتفعت قيمة الودائع بالعملات الأجنبية بأكثر من 6 مليارات دولار، فقد أعلن بنك الشعب الصيني في 17 كانون ثاني (يناير) الجاري أن الودائع القائمة بالنقد الأجنبي في المؤسسات المالية في الصين بلغت في نهاية العام 2001 نحو 134.88 مليار دولار، بزيادة نسبتها 5.2 في المائة أو ما قيمته 6.12 مليار دولار مقارنة بعام 2000.
وأظهرت الإحصاءات الرسمية أنه بنهاية العام الماضي بلغت ودائع الشركات بالنقد الأجنبي 45.29 مليار دولار، بينما بلغت مدخرات الأفراد 81.56 مليار دولار، وفي الوقت نفسه بلغت القروض القائمة 80.65 مليار دولار بانخفاض 28.4 مليار دولار.
و - زيادة تدفق الاستثمارات الأجنبية: تقول البيانات الرسمية إن الاقتصاد الصيني اجتذب خلال العام الماضي 2001 استثمارات أجنبية مباشرة بلغت قيمتها 46.85 مليار دولار، مقارنة بـ 41 مليار دولار عام 2000 ، وهذه القيمة أعلى من المتوقع، وتحاول الصين جذب المزيد من التمويل الأجنبي المباشر بهدف دعم الطلب الاستثماري في البلاد من خلال فتح سوق الخدمات وإعطاء الشركات متعددة الجنسيات فرصة لإصلاح الشركات الخاسرة المملوكة للدولة، والتخلص من القروض المعدومة لشركات إدارة العقارات الصينية. ومع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية فإن المسؤولين الصينيين يعتقدون أن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ستتزايد عما كانت عليه في السابق. حزمة من الأزمات وفي مقابل الصورة السابقة فإن الاقتصاد الصيني يعاني كغيره من اقتصاديات الدول النامية من حزمة من المشكلات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية ومن هذه المشكلات مشكلة الديون الخارجية، ومشكلة البطالة والفقر.. إلخ..
فعلى صعيد الديون الخارجية أعلن البنك المركزي الصيني أن الدين الخارجي تجاوز 170 مليار دولار في نهاية حزيران (يونيو) 2001، وأن الزيادة كانت بسبب تعديل بعض المعايير الإحصائية واستناداً إلى تقديرات سابقة، فإن الديون الصينية بلغت مع نهاية العام 2000 نحو 160 مليار دولار، وكانت ديون الصين قد ارتفعت بنسبة 11.6 في المائة عام 1998 لتبلغ 146 مليار دولار. وتؤكد مصادر اقتصادية أن اتجاه تصاعد الديون مستمر في الارتفاع على الأرجح لأن البلاد تمتص عدد أكبر من رؤوس الأموال على شكل استثمارات مباشرة، وقروض تجارية، وسندات خزينة، لكن المصادر الصينية تقول إن الصين تتمتع بوضع مالي ممتاز في الأسواق الدولية، لأن ديونها مغطاة باحتياطات كبيرة من القطع الأجنبي تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار حالياً، وهي الثانية في العالم.
أما بالنسبة لمشكلة البطالة فتعتبر من المشاكل المقلقة خاصة إذا انخفضت معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي عن 7 في المائة، وتقول إحصائيات وزارة العمل الصينية إن معدل البطالة بلغ العام الماضي نحو 4 في المائة فيما تتوقع مصادر الوزارة أن يرتفع معدل البطالة في المدن إلى 4.5 في المائة خلال العام الجاري. ويقول محللون غربيون إن هذه الأرقام لا تعكس الحقيقة الكاملة لحجم المشكلة.
ويقدر البعض معدل البطالة بنحو 11.5 في المائة في عام 2001، نتيجة فقدان الملايين لوظائفهم بسبب إعادة هيكلة القطاع العام المتعثر. وكانت تقديرات لوزارة العمل والضمان الاجتماعي في الصين قد قالت إن 11.74 مليون شخص كانوا عاطلين عن العمل مع نهاية العام 2000.
أما بالنسبة لمشكلة الفقر فتتباين التقريرات حول حجمها نتيجة اختلاف المعايير بين الحكومة والأمم المتحدة، فعدد الفقراء بحسب معيار الأمم المتحدة، هم من يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم. وباستخدام هذا المعدل في الصين فان نحو 230 مليون شخص أي 17.6 في المائة من عدد السكان، من الفقراء.
وحسب معيار الحكومة الصينية الذي حددته بـ 625 يوان (75 دولاراً) في السنة فيبلغ عدد الفقراء ثلاثة ملايين مقابل 80 مليوناً عام 1992.
أما آخر إحصاءات البنك الدولي فتشير إلى أن هناك نحو 120 مليون صيني يعيشون تحت خط الفقر أي لا يحصلون على أكثر من دولار في اليوم، إلا أن الحكومة الصينية تؤكد أنها استطاعت القضاء على الفقر المدقع في البلاد، وأن لديها الآن أدنى معدلات للفقر في الدول النامية.
وفي هذا السياق أكد مدير عام مكتب التنمية ومكافحة الفقر التابع لمجلس الوزراء الصيني "جاو هونجبين" أن معدل الفقر في الصين انخفض الآن عن ثلاثة في المائة في المناطق الريفية، حيث يقيم أكثر من 70 في المائة من سكان الصين البالغ عددهم نحو 1.3 مليار نسمة.
وأضاف أنه في الوقت الراهن وباستثناء نحو 26 مليون نسمة من المعاقين أو الذين يقيمون في ظروف بيئية سيئة فإننا نجحنا في القضاء على الفقر المدقع في البلاد، وتابع أن حد الفقر الصيني رغم أنه منخفض نسبياً لكنه يكفي لأن يستمتع الإنسان بأساسيات الحياة، وهي أن يجد ما يكفي لطعامه وكسائه ومسكنه.
بكلمة أخيرة إن الاقتصاد الصيني ومن خلال النجاح الذي حققه خلال العام الماضي وتسجيله أعلى معدل للنمو في الناتج المحلي على الصعيد العالمي رغم الظروف الدولية غير المواتية سيمضي قدماً بفضل العوامل الذاتية الدافعة علاوة على إمكانية استفادته من التطورات الدولية، وسيكون أقدر على مواجهة المشكلات التي مازال يعاني منها. (ق.ب)