الافراط في الخوف

رد قصير على مقال الاستاذ طلال بركات بعنوان -لماذا تاخر اعلان انفصال الاكراد عن العراق المنشور في يوم 19 سبتمبر 2007. يقول الكاتب التركي اسماعيل بيشكجي: "ان اسوأ ادارة كردية بالنسبة للكورد، هي افضل بكثير من احسن ادارة محتلة".
اذا كانت هذه الحقيقة تتناسب مع طموحات الشعب الكردي، فهي تتناسب مع طموحات اي شعب اخر كذلك، ونحن الكورد ننتظر من المثقفين العرب ان ينحو نحو المثقف التركي والنظر بتلك الرؤية الانسانية الواضحة كهذه الحقيقة وليس الاتيان بعكسها تماما.
ان توقعاتنا من بعض الاخوة المثقفين العرب كانت خاطئة، وخيبت امالنا بهم، لاننا انتظرنا منهم بأن يكونوا اقرب الينا من الآخرين، وانهم يشعرون بما مر بنا من الآلام والعذابات، من القتل والدمار، من الاضطهاد والتحقير والتهميش والأبادة الجماعية.
يتبين من تاريخ العراق الدموي، بأننا كنافي كل الازمنة ضحايا، وفي ظل كل الحكومات اداة لارضاء الآخرين، وافعمونا بالشعارات البراقة التي ترضينا بالعيش الذل تحت هيمنتهم اللامتناهية. ان الحكومات العراقية المتتالية المركزية، مارست معنا كل انواع العنف، واستخدمت كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة للقضاء علينا، فجربت كل الاسلحة الخفيفة والثقيلة علينا بما فيها الاسلحة البايولوجية والكيماوية، شوهت معالمنا الانسانية امام العالم، حيث وصل الى حد أن الدول في ارجاء العالم ترسخت لديهم انطباعات بأن الكورد شعب متوحش، يعيش حياة بدوية ولا يعرفون سوى السلاح والقتال فقط.. فاستنزفوا منا الحياة والانسانية، الشعور والكرامة، الوجود والبقاء. هكذا تصرفت معنا الحكومات، وليس كما كانت تدّعي باكاذيبها الاعلامية التي كانت تطلقها في القنوات الأعلامية.
ان الابادة الجماعية في حلبجة التي تعرف عليها العالم، هي واحدة من الكوارث التي ذكرت في المحافل الدولية، اما عمليات الانفال الثمانية والتي ذهب ضحيتها 182 الف شخص من النساء والشيوخ والاطفال وشباب الكورد، وحملات الاعدامات المستمرة للصبيان، والقتال والدمار المستمرين والدائرين في كل مكان وزمان، كلها كانت جزءا من حرب ابادة جماعية منظمة.. كلها كانت براهين للانسان الذي يدعيّ الأنسانية ويتفاخر بحرية التعايش والتسامح و حقوق الانسان.
كان هذا عرضا بسيطا لمن لا يدري وتذكيرا لمن لا يتذكر لزمن هطول الدم في عصر الدكتاتوريات المتتالية، وامّا التفاصيل فلا تذكر لانها نتذكرها فحسب ونعرفها عن ظهر قلب.
يتهمنا الاستاذ طلال بركات في مقاله بأننا نريد ان نبني دولتنا على حطام وسط العراق وجنوبها، اي بمعنى انه يريد ان يقول بأننا اصبحنا من دعاة المحرقة التي تحدث في وسط العراق وجنوبه يوميا، ونحن من ندعو الى قتل الاف العراقيين، ونفرح ببتر اطراف الاطفال والنساء، ونستفيد من الانفجارات وتدمير البنية التحتية وتشرد الخبراء والعلماء، ويقول ايضا اننا نهبنا الاموال، نعمل كل شيء من اجل تحقيق حلمنا وهو الانفصال وانشاء الدولة الكوردية. كما ويصرّح بان قوات البيشمركة تجبر العرب والتركمان على التهجير القسري من كركوك المدينة الغنية بالنفط، واخيرا يحاول ان يخدع القارئ بانه "تيقنت القوى الكردية الشريفة بالزيف الذي تدعيه تلك القيادات –اي القيادات الكوردية- واعلنت مواجهتها وتصديها للمشروع الانفصالي وتضامنها مع الدول والشعوب والمنظمات الإقليمية والدولية والقوى الخيرة في العالم الرافضة لتقسيم العراق والعمل على وحدة أراضيه."
في بادئ الامر نحن تعودنا على هذه الاتهامات والتحليلات، لزمن ليس بقصير، فهي من بنات ثقافة شوفينية فاشية، انها عملية استبداد او على الأقل محاولة لارجاع الاستبداد، هي ثقافة لاذلال الآخر والتي عايشناها خلال حكم البعث والعروبوية. لا اريد ان اخوض في موضوع اخر، لذا اسأل الاستاذ الحالم الذي يتمنى تلاصق اجزاء العراق ببعضها، هل اننا نعيش في عصر التسامح ام في عصر الانتقام والثأر؟ حتى لا نبالي بموت اي انسان كان، هل اننا من الذين يتمنون المآسي للآخرين؟ اننا عشنا في الماسي، ونعرفها وجربناها، لذا فمن المؤكد اننا نتعاطف كثيرا مع المضطهدين وننتمي الى صفوف دعاة الحرية والعدالة والسلام. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فنحن العراقيين اليوم ككل ندفع ضريبة جرائم واخطاء البعثيين، وأتساءل: من الذي خدم الامريكان، نحن ام البعث الصدامي؟ من الذي اتى بجيوشها الى المنطقة؟ من هو السفاك والمغرم بالحروب؟ من نهب بيت جارته الشقيقة –الكويت؟ اين هي اموال العراق؟ من اباد شعبه- اذا كان شعبه- بالاسلحة الجرثومية والكيماوية واثار غضب العالم؟ من وعد وتوعد بأن يسلم العراق الى مابعده خرابا وترابا؟
هذه هي كلها من افرازات الشوفينية الفاشية. لا ادري كيف يجرأ احد بعد كل هذا ان يحسد شعبا وهو يؤسّس وطننا لشعب مقهور متطلع الى العدالة والسلام؟ ويطرح تبريرات غير واقعية وغير منطقية محاولا سد طريق الحرية امام شعب يكافح من اجل وقف سفك الدماء ومسلسل العنف مستقبلا؟ خصوصا ولدى الشعب الكوردي تجارب مرّة مع السلطات المركزية العراقية عبر عشرات السنين وهي تعلن وعودا وبشائر في بدايات اعمارها و تنتهي بالدمار والأبادة عند تماسكها!
وبغض النظر عن ذلك، وبعد تحرير العراق ومحاكمة مجرمي الحرب، وبالاخص سلطان هاشم الذي قاد جيشا كبيرا في عمليات الانفال، طلب السيد رئيس الجمهورية- وكلنا نعلم بأنه كوردي، وهو قائد الثورة الكوردية حين وقوع الانفال- بالعفو عنه. هل ترى التسامح؟ انه متسامح ولسبب بسيط، الا وهو اننا نعيش الآن بزمن السلام، ونعفوا عما سلف، لاننا الآن نبحث عن المستقبل وليس الماضي.
فكيف اذاً نسلك طريقا معاديا لاخواننا العرب المظلومين مثلنا، في حين نحن قانعين تماما بانهم ايضا ضحية النظام الدموي البعثي، اممكن الازدواجية لهذا الحد؟
مع ذلك بودي ان يذكر الكاتب باننا نعلم ان زمن شاعرية السياسة قد ولت، والان كلانا بصدد سياسة البقاء ومصالح شعب ما، اي من حق كلانا ان ندافع عن مجموعتنا، لكن ليس على حساب ومصالح الاخرين، واذ سلكنا تلك الطريقة سنظلم اناس اخرون، هذه من بديهيات السياسة الحديثة، لذا اقترح بان نبارك بعضنا حين استرداد حقوقنا، وليس العكس. لاننا نعيش في حالة قريبة من بعضنا في المستويات الاجتماعية والاقتصادية، الفكرية والجغرافية. اما الفرق بيننا هو انتم بعد سقوط صدام ضاع منكم الاستبداد، ونحن رجع الينا السلام.
ان كثرة المغالطات السياسية التي وقع فيها نظام الدكتاتوري في العراق اتت بتلك النتائج السياسية في المنطقة، ولا يجوز لاحد ان يتهم الكورد بتلك النتائج، لان فكر البعث كان فكرا شوفينيا ولم يؤسس على تنظيرات الفكر الكردي، والبعثي الكوردي ليس كورديا وطنيا، بل كان من الخونة، وهذا اصبح ثابت ضمن القاموس الشعبي بالنسبة لنا، والفكر الديني ليس بالاصل فكرا كورديا، والمذاهب التي تبيح قتل الابرياء، هم من القاعدة، والقاعدة بنيت على الفكر الديني، لذا الكورد بريئون من المجازر، كل ما نستطيع ان نفعله هو حماية انفسنا من المجازر الوحشية. بهذا اود ان اشرح لاستاذنا ما هو الذنب الكوردي في كل ما يحصل، اما اذا كانت المسألة هي تبرئة سم الشوفينية؟ فهي موضوع اخر.
وبالنسبة لنهب الاموال، ليس هو الكورد من يفعلون ذلك، لان الثروة الكردية لم تنهب، وهناك ما يكفي ويزيد من احتياجات الشعب، اما الذين نهبوا اموال الدول الجارة ويعيشون على استحواذ ثروات الشعوب المسالمة وغنائم قرويين البسطاء من خلال تدمير قراهم وبيع الفتيات ويدعون بانهم من شعبهم، هم حاملين الراية الشوفينية، وان كل الشوفينيين مسؤولين امام ذلك.
اما مسالة كركوك، ليست مسألة النفط والواردات كما طمع فيها شوفينيين السلطات العراقية المتتالية، بل هي قضية جغرافية، فهي ثابتة في كل المستمسكات والبراهين والوثائق التاريخية، بأنها مدينة كردية ضمن كردستان وتعيش فيها بالاشتراك مع الكورد، التركمان وقسم من العرب، ولحد الان لم يجبر احد من السكان الاصليين وغير الاصليين على الهجرة، اما بعض من المجرمين القدامى هربوا خوفا من انتقام الكل، فهذا ليس التهجير القسري، والسكان غير الاصليين الذين اتى بهم البعث لتغير ديموغرافيا المدينة وضواحيها، سيرجعون لسكناهم الاصلي ضمن المادة 140 من الدستور، هذا حق ويجب ان يتحقق.
واخيرا نتكلم عن لومنا على القيادة الكردية يا استاذي الفاضل.. هذا صحيح، لكن اود ان اقول لك بأن تشخيصك خاطئ، لاننا نلوم القيادة لتباطؤها على مسألة الانفصال، وتأخير اعلان الدولة، وليس للاسباب التي ذكرتها.. واريد ان اقول لك صراحة اني غير منتم الى اي حزب سياسي لا كوردي ولا اجنبي، ولكن اتبرع بدمي من اجل تاسيس دولة كوردية مستقلة، لكي نتخلص نهائيا من افكار الشوفينيين، والقمع والاضطهاد، وذلك من اجل اجيال الغد. واقول كفى اهدار دم مواطنينا، كفى الشنق والقتل وقصف المدافع والطيران، كفى استخدام الاسلحة والمواد السامة، نريد ان نعيش، ان الدول العربية لديهم 22 دولة، فليكن لدينا دولة واحدة ونعيش فيها بسلام، كفى الافراط في الخوف وفي تخديع المواطن العربي، كفى التفكير بان الشعب الكوردي مع وحدة العراق، ويبقى مرتزقتكم، لان صدام كثيرا ما لعب على هذه الوتيرة، ولم يفلح، هذا بالنسبة لكم ترضية القلوب، كفى يا استاذي، المتاجرة بدماء الابرياء.... فلنبقى اصدقاء. احمد رضا
شاعر وناقد من السليمانية- كردستان العراق