الافتراق حصل: المالكي والبرزاني يضعان العراق تحت مقص التقسيم

من يريد الانسلاخ عن وطنه؟

أربيل (العراق) - أخذت الأزمة بين الحكومة الاتحادية (المركزية) في بغداد وحكومة الإقليم في اربيل بالتصاعد، ولعلها ستصل إلى لحظة لا يمكن الرجوع عنها، فحسب أمين عام وزارة البيشمركه جبار الياور أن حدود التماس صارت خطرة إلى درجة أن إطلاقة رصاصة واحدة قد تندلع الحرب بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة.

وأخذت القنوات الإعلامية في بغداد وأربيل تبادل الاتهامات المتبادلة، والكلام الجارح، فأربيل تتهم نوري المالكي، تحديداً، بالدكتاتورية والشوفينية، وبالمقابل تتهم حكومة المالكي رئيس الإقليم مسعود البرزاني، تحديداً، بمحاولة الاستقواء بالدولة الأخرى، وعلى وجه الخصوص تركيا، وكلاً منهما يتهم الثاني بالتجاوز على الدستور.

ومن خلال مشاهدة القنوات الكردية التابعة للإقليم يستنتج المشاهد أن الأجواء ملبدة إلى درجة النزول إلى الشارع، واستعراض القوة والدفاع عن الإقليم، بأخذ آراء المواطنين الأكراد.

وكانت قوات دجلة التي تنشرها حكومة بغداد على حدود التماس مع الإقليم وراء هذا التصعيد، فيعتقد الأكراد أن الجيش العراقي قد تجاوز الحدود المرسومة له، وأنه يتصرف في مناطق عُرفت في السياسة العراقية الحالية بالمناطق المتنازع عليها، من الجهة الشرقية حيث خانقين ومن الجهة الشمالية حيث الموصل.

ويرى البعض أن ما يجري عبارة عن استعدادات للانتخابات، فالمالكي الذي تمكن من إبعاد القائمة العراقية عن طريقه، وإدارة البلاد بفردية محسوسة، وتخلص من سحب الثقة التي كادت تطيح به، وكان الفضل الأول لرئيس الجمهورية الكردي جلال الطالباني، يرمي إلى تشكيل قائمة جديدة في الانتخابات القادمة، والتي ستعقد بعد أكثر من سنة، يجمع فيها السُّنة والشيعة العرب، أي يلعب الدور الذي لعبه أياد علاوي في قيادة قائمة مشتركة، وبذلك يضمن الفوز في الانتخابات، وخصوصاً أنه مازال يقف ضد اتخاذ قرار برلماني في تحديد ولاية رئيس الوزراء بدورتين.

لكن هذا التوتر بين المركز والإقليم، بقدر ما يريد المالكي الاستفادة منه، يحاول مسعود البرزاني توظيفه في الانتخابات القادمة أيضاً، على المستوى القومي الكردي، تفادياً لشعبية الأحزاب الإسلامية وجبهة التغيير الكردية المتصاعدة. فالأحزاب الدينية تعمل على التخفيف من معاناة الفقراء الأكراد عن طريق العمل الخيري، بتوزيع الطعام والعناية الطبية، وهذا ما يصعد من شعبيتها.

وسيزيد عدم ممارسة جبهة التغيير للسلطة ووجودها في المعارضة من حظوتها في الانتخابات القادمة، لذا فظهور البرزاني بمظهر المدافع عن الإقليم وحقوق الأكراد ضد العراق، بما يُذكر بالعقود الماضية، وهي ورقة رابحة في حشد الجمهور الكردي وراءه.

فتظهر الأزمة وكأنها اتفاق خفي، أو غير مقصود، بين المالكي والبرزاني لجذب الناخبين، فالمالكي نفسه نزلت حظوته في المناطق العربية الشيعية قبل السُنية، وذلك لسوء الإدارة وضعف الخدمات، وآخرها كانت أزمة الحصة التموينية.

جدير بالذكر أن الرئيس العراقي جلال الطالباني كان محكوماً بإرادة دولية في عدم التقدم بسحب الثقة من نوري المالكي، مع أن هناك 171 نائباً وقعوا على قرار السحب، وكان بإمكانه ابعاد المالكي عن السلطة، ولكنه كان محكوماً بطهران قبل غيرها من الدول، فالكل يعرف أن إيران دعمته في حربه ضد أربيل في العام 1996، في حين دعمت بغداد آنذاك مسعود البرزاني، وكان رأي الإسلاميين الأكراد أنهم مع مسعود كونه اعتمد على بغداد العراقية ضد جلال الذي اعتمد بحكم منطقته المجاورة للحدود الإيرانية على طهران الأجنبية، إلى جانب شيعية الثورة الإيرانية، وما كانت ترسله من حملات تبشير إلى مناطق كردستان العراق بالتشيع، عن طريق الأحزاب الشيعية العراقية، وفي مقدمتها آنذاك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، الذي كان يمثله عادل عبد المهدي.

وبات من الواضح أن الأيام القادمة، وربما الساعات القادمة، حبلى بالحوادث، فأما أن يُصار إلى تسوية سريعة، ولا يقبلها الأكراد إلا بسحب أو إلغاء قوات دجلة المتمركزة على الحدود أو في المناطق المتنازع عليها، أو أن يحدث الصدام، وهنا يحسب حساب الإرادة الدولية، فمن الواضح أن تركيا تقف مع الإقليم ضد المركز، يُقرأ هذا من زيارات المسؤولين الأكراد، ومن التصريحات التركية، بينما تقف إيران مع المركز، والغاية هي الاحتفاظ بالمالكي رئيساً للوزراء وبتأثير الأحزاب الدينية والطائفية.

كذلك بات من الواضح أن هذه الأزمة كشفت عن تخلخل التحالف الكردي الشيعي، فما تسرب من أعوان المالكي أن هذا التحالف كان في المعارضة ومتوجه ضد النظام السابق، بمعنى هناك ما هو مشترك بين الطرفين، أما الآن فلا معنى لهذا التحالف سوى أنه موجه ضد سُنة العراق، وواضح أنه إقصاء للمحافظات السُّنية، التي يحاول المالكي أن يسد بها ما يعوزه في الانتخابات القادمة.

فبقية الأحزاب الشيعية قد شعرت بتهميشها من قبل حزب الدعوة الإسلامية بزعامة المالكي، وربما لم تكرر تجرية التحالف معه.

لكن في كل الأحوال سوى كان الأمر أزمة حقيقية أم سيناريو معد من أجل الفوز بالانتخابات، أن التباعد قد حصل وزاد الافتراق خطوة على ما كان عليه بين التحالف الشيعي والكردي وبالتالي بين الإقليم والمركز.