الاغتراب في القص العراقي الحديث

بقلم: السيد نجم
الرملي (يسار)، سعدون (يمين) ومطلك (اسود وابيض)

إنها "محنة" تلك التي يستشعرها الفنانين والأدباء، منذ أن كانت الحرب العالمية الأولى والثانية وحتى الآن. فكان "الاغتراب" الذي ضرب بجذوره معبرا عن نفسه في الأدب والفن.
فقد راجت الفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية، ربما بسبب الشعور باغتصاب حياة الإنسان وأفكاره خلال ذاك القرن الماضي..فكانت مشاعر السلب والتشيؤ، مع التبرم من المعطيات الاجتماعية بعامة، وربما السياسية والاقتصادية في الكثير من دول العالم.
عبرت تلك المحنة عن نفسها في أعمال الأدباء..أمثال "تشيكوف"، "كافكا" و"ت.س. اليوت" وغيرهم. كما توقف أمامها المفكر "كيركيجور"، "جان بول سارتر". أما في الأعمال الموسيقية فقد عبر عنها "شونبيرج"، "سترافنسكى" وغيرهما. حتى عبر "كافكا" عنها بقوله: "إن سير الحياة، يحمل الواحد منا ولا ندرك إلى أين؟، لقد أصبح الواحد منا، شيئا جمادا، أكثر مما هو مخلوق حي". ربما أكثر التعريفات المتفق عليها:"الاغتراب هو عبارة عن تخارج إمكانات الإنسان، وتحققها على هيئة أفعال، هذه الأفعال تعلو عليه وتتباعد عنه، بحيث تصبح وكأنها شيء آخر، منفصل وغريب عنه”.
يقول "د.فاروق وهبة" في كتابه "الاغتراب في الأدب والفن"، أن ظاهرة الاغتراب توجد في أقوال "أبوحيان التوحيدي" في القرن العاشر الميلادي..الذي قال في كتابه "الإشارات الإلهية":" لم تواتيني الدنيا لأكون من الخائضين فيها، والآخرة لم تغلب على لأكون من العاملين لها". ومن أقواله وكتاباته يتضح أن الغريب عند التوحيدي، هو ذلك الإنسان الشقى الذي ينطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، والذي يشعر بالاقتلاع من هذا العالم، الجذور تربطه، إذ أنه لا يقوى على الاستيطان في أي مكان، ويأتي هذا الشعور بالمحنة، وعدم التكيف مع الواقع من ذلك الإحساس المركز بالتفرد والعلو الذاتي.
وهناك أنواع من الاغتراب "السيكولوجي... والتكنولوجي".. أما الاغتراب الإبداعي.. وهو الذي يحقق معنى التخارج المشار إليه سلفا. الطريف أن أغلب الجماعات والمذاهب الفنية والأدبية في القرن العشرين انبثقت من أحد جوانب مفهوم الاغتراب.لم تكن "الدادية" كحركة فنية إلا معبرا لهدم القديم وبناء الجديد لعصر جديد. "الانطواء" عند السرياليين بهدف الغور إلى الأعماق..فيكون إما الفرار أو التكيف.
إن الاغتراب الإبداعي له سماته وملامحه.. منها محاولة فهم الفنان للواقع بطريقته الخاصة، وهو حين يقدم تفسيره للتجربة البشرية لا يملك إلا الحقيقة الفنية..وهى أول سمة للاغتراب الإبداعي.وهو ما أكسب الفن مفهوما جديدا يقوم على معنى الاستقلال (أي استقلال الفن) وأن هدفه وقيمته خاصة به وحده ليس مسئولا عن الحياة أو مسئولا عنها.
وبالتالي شاعت سمة "القيمة الاستيطاقية" محل "الجمال" بالمعنى الشائع المباشر للكلمة.فتحولت دلالة "القبح" من معناه التقليدي إلى معنى استطيقى أو جمالي وخاصة لذاك الذي يشعر بالاغتراب.وقد قدم البعض تعريفا للقبح:"هو ما يثير تأمله الاستطيقى ألما أو كدرا".فكانت الوجوه المشوهة عن تفجير القنبلة الذرية على هيروشيما مثلا،أكثر جمالا وتأثيرا.
وهو أيضا ما يبرر البدء بتلك المفاهيم الأولية حول "الاغتراب" قبل التعرف على عدد من الروايات.. العراقية، الشابة، المهاجرة أو المنفية. كلها ملامح اتسمت بالشعور بالغربة إما لأن الكاتب مهاجر أو منفى، وإما لكونه رافضا وتحت سطوة المؤسسة شعر بالنفي. والنماذج المختارة لروائيين عراقيين شباب، أو كتبوا أعمالهم المشار إليها وهم في سن الشباب. رواية "قوة الضحك في أورا".. صدرت رواية "قوة الضحك في أورا" للروائي "حسن مطلك" عام 2003م، بعد وفاة صاحبها، عن دار "الدون كيشوت" للنشر بسوريا. تقع في 144 صفحة، وقد سجل الكاتب تاريخ الانتهاء منها عام 1987م. وهي الرواية الثانية له، بعد رواية "دابادا" التي نشرت عام 1988م. قام شقيقه "محسن الرملي" على جمعها ودفعها إلى المطبعة، وهو ما يفسر الفارق ألزمني بين الكتابة والنشر الذي تجاوز ست عشرة سنة.
والرواية تعد من الأعمال الشاقة في القراءة والمتابعة، ربما بسبب المزاوجة الزمنية إلى حد التوحد بين القديم والجديد في الزمان والمكان أيضا.. حيث "أورا" عاصمة الآشوريين، هي نفسها مسرح أحداث طفولة وحياة "البطل". كما وحد بين الراوي، والروائي، وشخصية "ديام" حيث يقول الكاتب: "ديام" هو أنا..كيف أنكر؟.. وآدم هو أنا.. وأوليفر هو أنا..!
"أورا"..تاريخ مفتعل أو هو كل مكان لم أره.. القبر/الموت.. أو الهرب من مكان لآخر..أو ذكريات تحولت كوابيس (هذا ما قاله الروائي في كلمات قليلة قبل الفصل رقم 1.)
يقول الروائي: "لن أكتب رواية، لا أريد إرضاء أحد.. لست بحاجة إلى من يصفني بالبطولة في مسألة الانتصار على الألم".. أننا إذا أمام "حالة" في رواية، وليست رواية تقليدية تسرد حالة على النسق الأرسطى. كل ما نسعى إليه هو الولوج إلى عالم مغاير بين دفتي كتاب، يحتمل التأويل، والكذب، والشفقة. وفى كل الأوقات عليك أن تصدق الكاتب وتسعى لأن تتحمل الألم المتولد سطرا بعد سطر. "ألم" شفيف راق وعزيز، ألم يحمل داخله العزة والكبرياء والأماني الطيبة.. يحمل الحلم.
.." الطفل مع أبيه، وأدم الحداد أو العم، في حضرة الرجل الإنجليزي.. الطفل مع العم القوي العفي، يخرجان، يتركان "أورا".. سرعان ما تآلف الطفل مع المكان الزاخر بعظام البشر والجماجم التي دفعتها مياه الأمطار الغزيرة من تحت الأرض إلى سطحها.. مملكة أشور من حوله.. تقفز الأحداث هنا وهناك. الرجال حول الإنجليزي في حوار زاعق، حيث تغوط أحدهم عمدا في حضوره.. والصغير يلهو مع "مطلق وياسين" صائدا الخنازير في البيداء، ومع "ديامة" الجميلة التي تنضج يوما بعد يوم.
لكن "سيل المطر، الفيضان الكاسح، فعل فعلته.. قسم الناس إلى قسمين، منهم من نبت من أنقاض مملكة أشور، ومنهم من سقط وغرق وحملهم النهر إلى فم البحر. تماما كما قسم السنة إلى نصفين، وحيث اخترع الناجون –في سنة واحدة- اختراع الملعقة والحذاء."
صحيح الجد الأول أو الأكبر "دلهوث" لم يفقد ما في الذاكرة كليا، فهو صاحب الأسماء كلها..أما الجدة أخبرتهم أن "دلهوث" قال:" كلكم أبنائي فما الذي جعلكم تنقسمون إلى عشائر وأنتم من ظهري"؟؟
وكان المطر والأم تمنع ولدها من ترك الدار، وكان الفيضان الذي يحفر في الأرض ويخرج الجماجم، التي شعر الطفل أنها ستغزو حوش دارهم. أمام الخطر الجاثم، بات الطفل روح تاريخ، تذكر أقول جده الأكبر "دلهوث" الذي يرى بأن الإنسان لا يكون إنسانا عندما يخطئ، أما الذي لا يخطئ فهو من البشر. "لقد جئت مسلحا بيقين الانتباه والغفوة معا، حاضر من منطقة الظل...". كان منهم من يمشى على الماء، ومنهم من خاف مقدم الحيتان مع الماء/الطوفان، فأغلقوا الأبواب.. مع ذلك كانت الأموات أكثر من الأحياء. وكان كل حرص الأم ألا يصل الطوفان إلى صندوق الثياب.
تماما كما حرص "أوليفر" الإنجليزي على سرقة التمثال أو الثور الحجري، بمعاونة العم "حداد ومع رفض الأب الذي اشترى ثورا حيا يرعاه ليلقح أبقار أورا كلها، لعلها تخصب ثورا حجريا. يعد نفسه بالأمان ويعد أولاده. أما الأم فلم تحلم أن تكون روحا تاريخيا، بلا أية فكرة عن الشر، لذلك لم تكن من الممثلين لسلالة دلهوث، وفق مقاييس الجدة التي تقول نقلا عن دلهوث:" باشر بإزالة الشر ستجد نفسك قد باشرت الخير..مجرد إزالة الشر هو عمل خير". فيما ينسب الأب الأمر كله إلى جزاء العقاب على ذنوب لا يتذكر أنه ارتكبها.
"الكوابيس" لها دور فاعل، جعلته ينظر إلى النافذة معترفا، وقد امتد بصره نحو "الغرب": "أنت أفضل شخص عرفته يا ديام، لأنك مثقف بثقافة غربية". ويأتي ضوء الغروب ويلون كل شئ. فيما تنشغل ديامة في الحفر لأجل شق ممرات "لضوء الغروب"، حتى كانت لحظة الاكتشاف..عثرت على العلبة التي نقلتها إلى البيت. دفعها الألم أسفل بطنها أن تطوى ألمها ونفسها داخل الحجرة وحدها، لم تكن تدرى أنه الخصب يشق طريقه إلى جسدها..وبداية مرحلة جديدة في حياتها كأنثى.
كان العم الحداد يعاني من تضخم خصيته، وكان الولدان (أولاده) يباشران صيد الخنازير ومتابعة النساء اللاتي يدخلن على "الحداد"، بينما اهتمت "سارة" الابنة الصغرى للحداد بحث الرجل على متابعة إنجاز طلبات الناس وصنع أشيائهم. لم يجد "الحداد" حلا سوى أن يقطع خصيتيه.
"تفاحة" ابنه الحداد الكبرى تعرف حكاية أبيها، فتقتل زوجها لتعود إلى "أورا". أما "سارة" الابنة الأخرى، فلم تخرج إلى الناس لشهور طويلة، فلما خرجت منحت نفسها له.
كما كان للطوفان من اثر واضح على أورا، كان الحال بعد قطع خصية الحداد. تحول الرجل من العنف إلى الرقة، وتحول ولداه من مطاردة الخنازير إلى إذلال أبيهما، فيما كافح ديام إلى إخراج "تفاحة"، لأنها أرادت أن تراه لاخلاصه بعد أن قتلت زوجها.
تماما كما كان لحادثة الغوط أمام الإنجليز من أثر، فقد خرج الرجل يحفر حفرة هنا وهناك كي تغيط فيها الناس. فشل، فسرق ثور حجري مجنح بمساعدة أولاد الحداد. وحل ديام في العمل مع أوليفر مكان أبيه، وكان ضائعا بين أكداس الفخار، ورفوف الكتب، في الهواء المشبع بالشمبانيا.
فلما تبدأ المواجهة بين ديام والإنجليزي، فيكون بسبب العلبة التي وجدتها ديامة وأعطتها لديام..إنها علبة الملكة الآشورية، تستحق الصراع لروعة جمالها.. وتبدو الأرض وكأنها على وشك زلزال قوى، تراقصت التماثيل في حديقة البيت، كادت تسقط..بل سقطت بالفعل، وسقط سور السياج، وسقط كل شئ، حتى اوليفر.."ورأى أوليفر يزحف بسرواله الأبيض ذي العلامات النحاسية، ويبتسم بوداعة، ثم ينحني ليقطف العشب بأسنانه" ص144
حالة كابوسيه تعيشها، تغوص فيها أو تغوص فيك، فلا تتوقف عند السؤال: ما مصداقية هذا الحدث أو ذاك..تتوقف طويلا أمام المنمنمات الكثيرة، الملقاة بعناية وقصدية، وراء موقف، جملة، وربما كلمة.. ثم تتساءل: هل كان يعنى الروائي بعمله رصد تاريخ البشرية كلها، وآلا ما هي دلالة "الماء/ المطر/ السيل/ الفيضان / النهر /البحر" ؟ ثم "أورا" الآشورية المحطمة الذابلة..أو لنقل المنهوبة، فلم يبق منها سوى العظام والجماجم والصندوق الملكي؟ ثم قطع الخصية، والثقافة الغربية، وضوء الغروب ؟
وأخيرا "الزلزال" الذي لم يرد لفظا صريحا، عاش القارئ أعراضه ونواتجه..فقد غاص "أوليفر" الإنجليزي على الأرض يقطف العشب بأسنانه؟؟
هناك بعض الأعمال يفسدها التفسير المباشر، أو الشرح المتفلسف، لأنها ببساطة "حالة" فنية عاشها الفنان صاحب العمل، نقلها بمنجزه اللفظي والخيالي، ولا حيلة لنا أمام مثل تلك الأعمال إلا التأمل، والاستمتاع الذهني والوجداني بها..ورواية "قوة الضحك في أورا" للروائي "حسن مطلك" منها، لعلنا نضحك من الألم وتتحقق نبؤه العنوان!!
***
رواية "الفتيت المبعثر".. تقع "المقاومة" بين "الحرية" و "العدوان"..ثلاث دوائر متدخلات، فلا حرية غير مدعمة بمفاهيم المقاومة، ولا مقاومة إلا بأفاعيل العدوان المعززة للحرية. وهى أما مقاومة "إيجابية" أو "سلبية".أما المقاومة الإيجابية فهي المباشرة بإبراز العنف نحو الآخر العدواني، والمقاومة السلبية بإبراز العنف نحو الذات. ويعتبر "الهروب" بكل أشكاله وتجلياته ضمن عناصر المقاومة السلبية المشروعة.
والأدب العربي المقاومى معبأ بتلك الأعمال الإبداعية نثرا وشعرا. كما تعد رواية "الفتيت المبعثر" للروائي العراقي "محسن الرملي" واحدة من ذلك النمط المقاومي، وقد نشرت عام 2000م وفازت كأحسن رواية عربية مترجمة عام 2002م (الجائزة منحت عن إحدى المؤسسات الثقافية بالولايات المتحدة). يقيم الروائي حاليا في المنفى الاختياري له (أسبانيا)، وقد صدر له من قبل مجموعتين قصص، ورواية، فضلا عن مسرحية واحدة.
"الرواية بداية مهداه إلى فتيت آخر مبعثر، إلى روح شقيقي حسن مطلك لأنه بعض من هذا الفتيت..المبعثر"، وهو إهداء دال وعتبة للنص موحية.. حيث كانت محاور تجربة الشقيقين هي الفرار والهروب من وطأة حكم صدام حسين بالعراق.
كما رصد الروائي تحت عنوانين "متماثلين تقريبا" الرسالة التي حرص من أجلها على كتابة روايته. أولا: "صفر الروي" حيث يقول:"نحن المبعثرون في المنافي لم نختر أماكننا الحالية، وانما وصلنا اليها اثر انفجارات الدخان في حجر النار الأزلية، والمترنحون اختناقا لا ينظرون:أية بقعة تطأ أقدامهم!!..". وفى الثانية: رصد الراوي أحواله بعد الخروج "الهروب المقاومى" إلى حيث مجتمع تخلع فيه الفتاة الأسبانية بنطالها لتبول على زجاج بوابة المترو ليلة السبت، من أثر المخدر. ثم كانت القصيدة التي ربما استوحى عنوان روايته منها (للشاعر ماهر الأصفر)، حيث تقول: "بستان الخزف الأمثل
- الفتيت المبعثر –
آن خلخال نحاس
نحت أقراط نحاس
أن اسم المرأة المثلى
وجسم المرأة المثلى
والقماش..شفيفين
أن من حولي بعيدون
وكفى معمة.."
هذا المدخل الذي يعد التفاتا إلى المناخ النفسي للعمل الروائي، غير منفصل عضويا عنه، بل قد يضيف في الدلالة والمعنى.

تقع الرواية في عشرة فصول بأرقام من 1 إلى 10، تسبقها كلمات الشاعر "قاسم حداد": يريدون إقناع الشعب
كم هو على خطأ
نظرة القائد هي المصيبة
إنها مصيبة... حقا
"قاسم" الفنان التشكيلي (ابن عم الراوي)، وان كان يقتنص قوت أيامه من إصلاح الأجهزة الكهربية والإلكترونية (وهو جانب إصلاحي غير خاف عن القارئ دلالاتها)، هو واحد من عدد كبير من الأبناء لرجل قتل الضابط الإنجليزي في شرخ شبابه، ويفهم الوطنية بطريقته، وان اختلف مع "قاسم" تحديدا في دلالة الوطن..فهما معا أبناء أخلصوا له.
الأب "عجيل" (زوج عمة الراوي) وطني بالمعنى الشائع، وربما بالصورة التي ترضى السلطة (أية سلطة). يقول في جلساته:
"أعبد وطني.. إني أعبد وطني" ص25
فيعلق الملا صالح: "إنها وثنية جديدة والعياذ بالله".. ومع ذلك فللرجل تجربته وأفكاره حول الوطنية، يكفى أنه قتل الإنجليزي "ابن الكلب". بل هو الذي قدم أسرته للوطن، وقودا للحرب فيما بعد. صحيح حدث أن ابتلع القنفذ ذات يوم وهو صغير، فتعلق القنفذ في حنجرته وبح صوته، لكن لم تمنعه تلك الحادثة عن المشاركة، بل أكسبته خصوصية إذا ما تكلم استمع الجميع..(ويبقى لبح الصوت دلالته أيضا مع تلك الشخصية غير النمطية أو التقليدية).
أطرف ما خلص إليه الرجل أنه قسم العالم والأفعال والأشخاص إلى قسمين، "نشنن" أو "غير نشنن"، تلك اللفظة التي نحتها عن نطقه الخاطئ لكلمة "ناشيونال". و"نشنن" تعنى الجيد والصحيح!

لذا فقاسم والابن الآخر "سعدي" ليسا "نشنن" لأنهما هربا من الجيش ومن الحرب (الحرب بين العراق وإيران، في الثمانينيات، إبان حكم صدام حسين). برر قاسم هروبه.. لأنها لا تنسجم وميوله الفنية، وانه لا يريد أن يقتل أو يقتل، وأن الحرب التي بعث اليها تعتبر مهزلة.
أما سعدى فهو صاحب المقولة الموجزة: "شئ حلو.. شئ غير حلو"، والحرب وجدها شيئا غير حلو.. فهرب.
أما الابن "عبد الواحد" فهو "نشنن" أكيد، لأنه اشترك في الحرب ولم يهرب، وان مات فيها، وحصل الأب على نيشان ووسام فخم، تسلمه مع تسلم جثته!. لقد التزم الابن "النشنن" طوال حياته بقوانين الحكومة، وخرج من أجل الدفاع عن الوطن والعزة والكرامة والسيادة والشرف والعزة والتراث..خرج ولم يعد إلا جثة هامدة!
وحول محور "الوطن" و "الحرب" تدور أحداث الرواية وشخصياتها، تلك التي خاضتها العراق مع "إيران"/ الجيران. فقد جلس القائد أمام مجلس الأمة ليأخذ موافقته الصورية على إعلان الحرب، إلا أن أحد الأعضاء البسطاء قالها ببساطة.. عندما نختلف مع جيراننا، نعلو بالسور بيننا وبينهم، وربما نضع قطع الزجاج فوقه، وربما أكثر من هذا وذاك.. لكننا لا نحاربهم. وافقه القائد، طلبه للمشاورة في غرفة جانبية. سمع صوت طلقة رصاص، عاد بعدها إلى القاعة لأخذ الرأي في شأن موافقة الأعضاء، بينما بقى الرجل، لم يعد ويره أحدهم فيما بعد!..لقد بدأت الحرب إذن!!!
تتوالى القتلى، ويتوالى توزيع الأوسمة مع جثثهم، والهروب من الحرب. ليتفرغ "قاسم" لفنه وعندما يرسم القلب وخريطة العراق..يكون القلب باللون الأخضر، والوطن باللون الأحمر. وهو ما اعترض عليه الأب وبات بابا للخلاف بينه وبين ابنه، طوال الوقت. فالأب لا يرى منطق عنده يبرر أن يكون اللون الأحمر للوطن، بل هو للقلب..أليس هو مضخة الدم؟. لكنه في لحظة رضاء مع نفسه، يقر أن الولد قاسم وطني أيضا، أيا ما يكون لون ما رسمه، اكتفى بالقليل "أن أصبح –قاسم-وطنيا ويرسم الوطن"، وقال: "المهم أنها صورة للوطن"!

قبضت يد الموت زوج الابنة "وردة"، ويا لمأساة وردة الجميلة.عندما مات لم تكن تعرف إن كان زوجها رجلا يستحق الاحترام بحسب ما أخبرها به "قاسم"..أحبها أم أنه مأخوذا بالحرب، التي أخذته منها، حتى أخذته إلى الأبد، لم تستطع الشابة الجميلة الصغيرة الحكم على رجولته!
أما "سعدي" الذي قبض عليه بتهمة الهروب من الحرب، ولأنه بين المختل عقليا والسوي عقليا، وضعوه تحت الفحص في معسكر الهاربين. هناك مارس شذوذه الجنسي مع قائد المعسكر، ومارس كل شذوذ أنقذه من المهالك!، بل أصبح من وجهاء القرية واقرانه عندما ذهب إلى المدينة وأصبح رئيسا لرابطة أحباب القائد!!
..ويبقى "قاسم"/ "الفن" والحلم والأمل المجهض، يبقى حيا بين طيات الأحداث حتى تلك التي لا يشترك فيها مباشرة. كما يبقى حيا في ذاكرة ووجدان أهل القرية كلهم، فقد تم إعدامه بعد أن حصلوا من أبيه على ثمن الرصاصات النحاسية التي أطلقت عليه، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، فوق فسحاية القرية. ولما حاول "الملا صالح" ستر الجثة الممزقة بعبأيه، قبضوا عليه، واختفى لستة شهور..عاد بعدها يدعو للقائد من فوق المنبر في كل صلاة!!
كما عاد الأب "عجيل" إلى نفسه، وفهم لماذا كان لون الوطن أحمر، بينما لون القلب أخضر، في اللوحة التي رسمها قاسم.قال:
" الآن فهمت اللوحة يا قاسم
نعم..نعم..فهمت يا قاسم" ص79
وتبقى "وردة" الأنثى الجميلة ليستنطقها الراوي جملتها الدالة الأخيرة، تدعو للانتقام :
"لقد جعلناه فتيتا مبعثر...سأجعله فتيتا مبعثرا"
*** قصص "انتحالات عائلية".. صدرت المجموعة القصصية "انتحالات عائلية" للقاص العراقي "عبدالهادي سعدون" عن "دار أزمنة" للنشرعام2003م. من إصدارات الكاتب قصص "اليوم يرتدى بدله ملطخة بالأحمر/1991م"، شعر "ليس سوى ريح /2000م".. مع العديد من المترجمات. وقد كتبت قصص المجموعة ما بين الأعوام 97-2001.
تلك المقدمة ليست من فرط الحديث حول المجموعة القصصية المعنية، أظن أنها ضرورية قبل قراءة تلك القصص التي هي فرط من الأحوال والتجليات لجوهر واحد ووحيد..وهو هم القاص في البحث عن ذاته التي هي: "فأنا لا أعرف من أنا كما يرددون. ثم يضيفون أنك لست بمغترب، ولا هارب، ولا حاد الأسنان، ولا منفعة لمسح أكتاف، ولا منفى، فلا أنت أبيض ولا أنت أسود، فمن تكون بعد أكثر من باب وأكثر من بحر؟" ص13
بتلك الكلمات القليلة تشكلت أحوال القاص وقصصه..وعليك أن تقرأ القصص التالية (ثمان قصص) من المجموعة للبحث عن إجابة للسؤال الأولى الذي افترضه، أو لعله طرحه دون أن يقصد أو عن غير عمد.
إليكم تلك القصة:
"لأنني بلا حكاية مقنعة، فأنني أبتكر أمامكم حكايتي الخاصة...
"كل حكايتي كانت هذا اللاشىء: اسم"...
رفع ساقيه في الريح فلم تتكئا على ريح، فسقط فتكسرت أكتافه...
عن أبى: إن أصلابنا تعود إلى آخر الزفرات في بطن جارية للحجاج حين أطبق ترسه على طين أضلاعها في فراش القيلولة حتى غفا في وفرة الدفء والدبق ودسم فروج مشوي مازالت هشاشة لحمه تحرق تفاحة رقبتي...
"أنتظره.. حتى يخرج عصفور من فمي ويختفي في الصمت".. هذا ما فكرت به كمدخل للقصة...
القصة التي تقرؤونها معي وتصرون على تبديل عنوانها لأنه ليس فصيحا(ونين)، فأخبركم بأن (الأنين) بلهجتها –هي أمي إلا أنها لا تستطيع تحديد الأشياء- لا يكتمل دون حذف الألف وإضافة واو بدله ولأنها لا تعنى الأنين وحسب بل الحرفة وذوبان الجسد وشد الأوصال وذرف الدموع حتى لا يبقى أثر لدمعه واحدة...
بعد أن بحثت "غادة السمان" عن تماثيله في أنقاض الحجر والصواريخ وسط بيروت، لم تعثر على شئ...
ومنذ أن وضعت قدمي في مدريد، وأنا أشعر في كل لحظة ثمة ثور سيباغتني وينبت قرنيه في خاصرتي...
خرجت من كؤوس (جبار أبو الشربت) عند حافة دجلة، بعصير رمانة، لأصل عند الفندق وسط مدريد، لا لشيء سوى أن أعصر البرتقال كل ليلة قبل عودتي إلى غرفتي...
أمضى في الشوارع بثقب في جبهتي..(لا تحاول أن تجدد العالم)...
..ما سبق ليست قصة كتبها القاص، ليست أكثر من السطور الأولى لقصص المجموعة!! وهو ما يثير السؤال حول إمكانية قراءة قصص المجموعة كعمل متتابع يجمع بين طياته خط سحري خفي بدأه القاص ب"لأنني بلا حكاية"...و انتهى بالاختراق في جبهته التي هي (ذاته) وأنه لا جدوى من محاولة تجديد العالم!
يمكن قراءة القصص كأطياف متنوعة الألوان عن أصل واحد، لذا فضلت ألا أتناول قصص المجموعة قصة فأخرى، لأنها في الحقيقة سوف تكون قراءة مبتسرة.ومع ذلك نسعى لجمع الشتات ونسأل سؤالا آخر: ما هي خصوصية عبد الهادي سعدون المبدع، والتي تبدو جلية في هذا العمل؟
..التساؤل حول الخفي وطرح الظاهر المباشر، لعله من خلال بحثه يهتدي إلى ضالته غير المعلنة. في قصة/فصل "حراكه" حيث يبتكر القاص حكاية ليكتبها..وقد أخذوه إلى حيث لا يعرف، والقوا به في القارب الغامض يتساءل:"أراقب أين أنا؟، فأجداني محاطا بالوجوه نفسها التي تركتها منشورة كأجنحة قبعة عريضة تراقب أفقا لا يتحرك..."
..الشخصيات نتعرف عليها من أفعالها ومن آثارها وتأثرها، ليست هناك ملامح وجوه ولا صور أبدان، فلا الأم رسمها لنا ولا الجار..ومع ذلك عرفنا الكثير عن الأم (مثلا) عندما أشار إلى أنها تنطق "الأنين" بـ "ونين". كما عرفنا الجار عندما خاطبه في قصة "ونين" قائلا: "كتبت القصة منذ زمن بعيد، هو ليس الآن، ربما قبل عشرة أعوام عندما لم أفكر بعد بكتابتها، ولم أكن أتخيل حتى اللحظة التي سأجلس فيها لأسطر الحروف.."

..الأحداث ليست سوى انتقالات بالكلمات، فبدت "اللغة" صاحبة خصوصية لا يمكن الانفلات من تأثيرها والالتفات إلى دورها. عفوا فتحت الكتاب بعد إغلاقه، فكانت "تزوير"! حيث غاص القاص في أثر "الخفة" والتي شاعت كفهم وفكر في القصة والرواية خلال العقد الأخير من القرن الماضي..فكانت مفرداته هكذا : "هذا اللاشىء- تشبثت بال"هنا"- ولأنني بلا أثر – التجرد من الأثقال- جريت بكل قوة الروح..وغيرها بالصفحة الأولى فقط من القصة".

..وهناك ملمح استخدام المفردات الأجنبية بالحروف اللاتينية، تلك التي شاعت ومازالت محل التساؤل حول جدواها وضرورتها.. لن نفترض جوابا ما، فقط نرى أنها هنا في تلك المجموعة وردت محدودة وموظفة بشكل مناسب في القصة الوحيدة التي وردت فيها، قصة "تزوير أو محروقة أصابعه".

..وربما يجدر الإشارة إلى أن القاص استخدم "ضمير المتكلم" في قصصه، وهو إن كان عمدا أو عن غير ذلك، متوافق مع توجه القاص الحائر المتسائل..الباحث عن ذاته وعن الحقيقة. وقد أتاح ضمير المتكلم للقاص قدر من السماحة وعدم التحفظ، لنقل قد يخال للقارئ أحيانا أنه يقرأ اعترافا ما أو رغبة في البوح ودعوة إلى المشاركة تصل إلى حد الصراخ وما هي بصراخ !!
يقول صاحب قصة "مخبرو أجاثا كريستى": "في الليل تقترب عربتهم. أنزل إلى السرداب ولا أرى شيئا. وصفوا لي مشخوش. بحثت الليل بطوله ولم أعثر عليه. أخبرتهم وقالوا لي أحمل ما تراه. قبل الفجر ملأوا عربتهم بكل ما طالته يداي. ألواح ومسلات، رؤوس ورؤوس بعيون وبدونها، بهيئة شياطين أو ملوك أو آلهة. تركوني وحيدا منهكا أعلى التل، هواء ثقيل يحيطني، فراغ ثقيل وروح فارغة، بينما عليقتى الوحيدة الممتلئة بالدنانير."

"انتحالات عائلية" للقاص" عبدالهادي سعدون" متميزة، وفيها ما يستحق وقفة أخرى، والطريف أن القاص يكتب الشعر أيضا وهو الواضح في قصصه! كما أنها تضيف إلى مفهوم وملامح المنجز الإبداعي لجيل كامل من شباب العراقيين وشيوخهم..كان الترحال والفرار والهروب قدرهم.
***

تلك وقفة سريعة مع ثلاثة فرسان يمثلون شريحة هامة وجديرة بالدراسة من كتاب العراق "عراق المهجر/العراق المغترب" الآن. السيد نجم Mb_negm@hotmail.com Ab_negm@yahoo.com